لم يعد مصطلحُ المتغيّرات الدوليّة مجرّدَ تعبيرٍ سياسيٍّ عن تمنّيات الخلاص من الهيمنة الإمبرياليّة الأمريكيّة، لكنّه بات عمليّة جارية، قابلةً للرصد والتحديد، سواءً من قبل الراغبين والدافعين بها، أو الكارهين لها، والعاملين على عرقلتها أو حرفها، وهي في حركتها قد تسرع أو تبطئ الخطى، لكنها لا تتراجع إلى الوراء، ذلك يعني أن جميع الوحدات الدولية القائمة (دول أو تجمعات) ليست في وضعٍ ثابت وساكن، وكل منها يبحث عن مواضع ارتكاز لأقدامها، ومواضع إمساك ليديها، من أجل ضمان عدم تدحرجها في سياق الحراك الدولي الجاري، ومن أجل أن تكون في الموقع الأفضل عندما تحين لحظة الثبات والتوقّف. إنّ العمل من أجل التموضع عبارة عن عمليّةٍ شاملة، تهم القوى الساعية والدافعة للتغيير، وإلى جانبها القوى التي كانت في موقع المتضرر خلال مرحلة الأحادية القطبية من ناحية، وكذلك القوى الكارهة للتغيير بحكم مواقعها السابقة المريحة، التي باتت تترنح أمام ناظريها من ناحيةٍ ثانية. وفي ظلّ هذه العملية يتم عادةً التطلع إلى مرتكزات أو مواقع إقليميّة ذات سمات استراتيجية يسمح الإمساك بها بجني أكبر المكاسب، سواء بالنسبة للقوى الفاعلة والطامحة في عملية التغيير، أو المتضررة منه بشكلٍ مباشر أو غير مباشر؛ الأمرُ الذي يفرض تحدياتٍ ومهامًّا على تلك الموجودة في مواقع الارتكاز الاستراتيجيّة، ومن بينها وأهمها الإقليم العربي.
هذا المقال محاولة للإجابة على ثلاثة أسئلة: لماذا الإقليم العربي؟ ما الاستراتيجيات والمحاولات الأمريكية للتموضع في رحابه؟ وما المهام المطروحة أمام حركة التحرر العربية في اللحظة الراهنة؟
أوّلًا/ القيمة الجيوبولتيكية للوطن العربي:
يضمّ الوطن العربي كونه نظامًا إقليميًّا مجموعةَ الدول المنضوية في جامعة الدول العربية، وهي 22 دولة، تقع 10 منها في إفريقيا بنسبة 72.45% من مساحته، و12 في آسيا بنسبة 27.55% من مساحته، المقدرة بـ 14.291.469 كلم² أي بنسبة 10.2% من اليابسة. ويتسم بحدوده الطبيعية (سواحل بحرية أو سلاسل جبلية أو صحاري) وسواحله التي تمتد إلى نحو 17000 كم، وذلك بحكم إطلاله على بحار وممرات مائية ذات أهمية جغرافية وتجارية وحضارية، كما يشرف على كل المجالات الجوية المستخدمة في خدمة الطيران المدني بين كل من أوروبا وآسيا وإفريقيا وأستراليا وأمريكيا اللاتينية، بما يترتّب على ذلك من تنوّعٍ في البيئات الجغرافيّة والمناخيّة والنباتيّة والسمات والموارد الطبيعيّة والمميزات الاستراتيجيّة. ارتباطًا بذلك كان الوطن العربي حاضرًا في مختلف النظريات الجيوبولتيكيّة بتصوّراتها المتعدّدة، حيث أطلق عليه اسم (الجسر الأرضي العظيم)، الذي يتبدّى عند "ماكندر" منطقةَ ارتطامٍ وصدامٍ بين القوّات البريّة والبحريّة؛ لأنه يأتي ضمن منطقة الهلال الداخلي التي تحيط بمنطقة قلب الأرض، وتربط بين قلبي العالم الشمالي والجنوبي، ويدرجه "نيكولاس سبايكمان" ضمن منطقة الحافة أو الإطار، التي تقود السيطرة عليها إلى السيطرة والتحكم في علاقات القوة في العالم. ويعده "ألكسندر دي سفرسكي"، منطقة مصير، أي منطقة تداخل بين قوتين جويتين عالميتين، ومن يستطيع السيطرة على مثل هذه المناطق يصبح بيده مصير العالم، كما يأتي ضمن نظرية القوة البحرية "لماهان" بحكم موقعه البحري، وصلاحية أغلب سواحله لإنشاء الموانئ، وقد تصرفت القوى الإمبريالية تجاه الوطن العربي بموجب هذه الأهمية الجيوبولتيكية، وذلك في كل مفاصل المتغيرات الدولية التي عرفها العالم.
ففي ظل المزاحمة الفرنسية البريطانية حاول نابليون أن يوجه ضربته الحاسمة للإمبراطورية البريطانية بالتوجه إلى مصر وفلسطين، وعملت بريطانيا عشية الحرب العالمية الأولى على تأمين مستعمراتها في الهند بزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، وفي الحرب الثانية عملت أمريكيا على التمركز في المنطقة لمواجهة المتغيرات الدولية الحادثة، بل أرادت أن تتوج تفردها بقيادة العالم من خلال هيمنتها على المنطقة ذاتها، وهو الأمرُ الذي تشتغل عليه الآن من أجل التموضع في ظلّ المتغيرات الدولية الراهنة.
ثانيًا/ الوطن العربي والهجمة الاستعمارية الجديدة:
أطلق الرئيس بوتين على عملية التموضع التي نتحدث عنها مصطلح الاستعمار الجديد، وذلك في رسالةٍ مصورةٍ وجهها للمشاركين في مؤتمر موسكو الحادي عشر للأمن الدولي يوم 15 أغسطس 2023، ورد فيها: "هناك محاولاتٌ تتّخذها بعض الدول للتلاعب بالشعوب، وإحداث صراعات وإجبار بلدان أخرى على الانصياع لها في إطار الاستعمار الجديد". وقد سبق للأدب السياسي استخدام مصطلح الاستعمار الجديد خلال مرحلةٍ تاريخيّةٍ سابقة، فقد كان يشير إلى صيغة النهب الإمبريالي للشعوب المتشكلة بعد انتهاء مرحلة الاستعمار المباشر، أما الصيغة الجديدة فهي تشير إلى محاولات القوى الأكثر استفادة من نظام الأحادية القطبية إعادة تموضعها في ظلّ المتغيّرات الدولية الجارية، وفي المقدّمة منها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبدّى أكثر الأطراف تضرّرًا من المتغيّرات الدولية، لذلك تتسارع خطواتها للإمساك بمواقع تأثيرها وحضورها السابق على المستوى الدولي، وفي هذا السياق تشكّل المنطقة العربية أحد أهم تلك المواقع التي تعمل بشكلٍ حثيثٍ على التموضع فيها، وذلك جزءًا من الاستراتيجية الأميركية الساعية إلى تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وبناء تحالفاتٍ تحمي وجودها الإقليمي من التراجع.
ثالثًا/ آليّات التموضع الأمريكي:
لم يكد يمضي يومان على رسالة الرئيس بوتين المشار إليها، حتى صدر تصريح عن وزارة الدفاع الأمريكية، بدا وكأنه ردّ على تلك الرسالة، ونصّه: "عملنا مع الحلفاء والشركاء في المنطقة، له أثر رادع حيال إيران، وسنبذل قصارى جهدنا لضمان الأمن في المنطقة". تتلخص المفاصل الرئيسة في قضيتين، أولها الأداة المتمثلة حلفاء وشركاء أمريكيا دون تسميتهم، وثانيها المهام المطلوب إنجازها وهي ردع إيران وضمان أمن المنطقة، تحقيق ذلك يستدعي العمل على أربع اتجاهات تتمثل فيما يلي:
1 ــ توسيع قاعدة التطبيع العربي الإسرائيلي بشكلٍ عام، والتركيز على السعوديّة بشكلٍ خاص، وإذا استثنينا الأهداف الانتخابية للرئيس بايدن، فإنّ الأمر يتعلّق بجوهر الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى إسناد تموضعها بتوثيق العلاقة بين أهم مرتكزاتها في المنطقة، وهما إسرائيل والأنظمة الرجعيّة، والاستناد إلى الطرفين باعتبارهما مناهضين لإيران بوصفها أحد أطراف المتغيرات الدولية، والاستفادة من التطبيع في تضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية.
2 ــ تطوير الحضور العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، وقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية 17 يوليو 2023 (البنتاجون)، عن دعم قواعدها الخمسة ماديًّا وبشريًّا؛ بهدف تعزيز وجودها وقدرتها على مراقبة مضيق هرمز والمياه المحيطة وموقفها الدفاعي في الخليج العربي، حسب البيان.
3 ـــ تثبيت الحضور في منطقة شرق الفرات، وفي هذا السياق، تمَّ اتّخاذ إجراءاتٍ عسكريّة تسليحيّة في منطقة شرق الفرات، تبدت في جانب منها في تزويد قواعدها في دير الزور والحسكة بالأسلحة الجديدة وبناء قواعد عسكرية جديدة، والتقرُّب من المكون العربي في مناطق شرق الفرات؛ بهدف استقطابه وتنظيمه ضمن تشكيلات وأطر جديدة، وذلك في إطار توسيع خريطة المهام التي تقوم بها القوات الأمريكية في شرق سورية، التي من المتوقع أن تشمل السيطرة على الحدود السورية - العراقية. وإعادة إشغال سورية بالعمليات الإرهابية؛ الأمر الذي تجلى في التفجيرات داخل دمشق وعمليات داعش في البادية السورية.
4 ـــ إنهاء المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي يشكّل يؤثّر تصاعدها سلبًا على مسارات التطبيع من ناحية، وإرباك إسرائيل على اعتبارها مرتكزًا أساسيًّا في عملية التموضع الأمريكي من ناحيةٍ ثانية، كما أنّ استمرارها على خط التواصل مع المتغيرات الدولية يفتح أمامها أفقًا أوسع، وقد تبدّى الانخراط الأمريكي في الحرب على المقاومة إلى جانب أدواتها الإقليمية، في اجتماع العقبة الأمني بتاريخ 26 فبراير 2023.
ومن الجلي أن أمريكيا تدمج بشكلٍ وثيقٍ بين هذه الاتجاهات والآليات ضمن رؤيتها لعالم ما بعد الحرب الأوكرانية، انطلاقًا من القناعة بأنّ تمركزها في منطقة الجسر الأرضي العظيم سيفقد قوى التغيير العالمية والقوى الإقليمية الفاعلة أوراقًا استراتيجيّةً مهمّة، وسيمنحها القدرة على إيجاد موضع قدم فاعل في الساحة الدولية المستقبلية.
رابعًا/ المعادلة القوميّة الاستراتيجيّة الراهنة:
القراءة الاستقصائيّة لواقع المنطقة العربيّة تكشف عن حالةٍ من عدم التناسق في الاستعداد للتعامل مع المتغيرات الدولية الجارية، ووجود مواقع اختراق أمريكيّة خطيرة من ناحية ثانية، فباستثناء البلدان الخارجة عن الهيمنة الأمريكية أصلًا، بعضها دول تطبيع تلتقي أو تدور في الفلك الأمريكي، وتنظر لعملية بناء علاقاتٍ اقتصاديّةٍ مع الصين، ومحاولة الانضمام إلى البريكس، باعتبارها عمليّةً اقتصاديّةً بحتةً وبمعزل عن التموضع الجيوسياسيّة، بينما الأمر يحتاج إلى دورٍ إيجابي فاعل للوطن العربي في إنتاج عملية التغيير الدولي، وهي مسألةٌ لا يستطيع أن يتصدى لها إلا قوى التحرر العربية بقواها الشعبية، والرسمية الواعية لتحديات المرحلة ومتطلباتها.
ارتباطًا بذلك يمكن أن يصاغ الهدف في العمل على بلورة قوّةٍ عربيّةٍ فاعلة، ليكون لها موقع أساسي في النظام العالمي الجديد، تبادر بتشبيك العلاقات مع القوى الدوليّة والإقليميّة المساهمة في عملية التغيير الدولي، خاصّةً أنّ الأطراف الأساسيّة في تلك القوى قد قدّمت تصوّراتٍ ومبادراتٍ في هذا الاتجاه، ومن ضمنها تصريح بوتين على هامش القمة الروسية الإفريقية، وتعمل على إرباك المحاولات الأمريكية لتثبيت تموضعها في المنطقة ثم طردها. إنّ تحقيق هذا الهدف يستدعي خطوات نضالية عملية وتسمية قوى محددة تأخذ على عاتقها ترجمة هذه الخطوات التي يمكن تحديدها بشكلٍ دقيقٍ في ثلاثة، أولها تجذير المقاومة الفلسطينية المسلحة في الضفة الغربية وتوسيعها. وثانيها إطلاق المقاومة المسلحة للوجود الأمريكي في شرق الفرات ودعمها بمتطوعين من حركة التحرر العربية. وثالثها بناء الجبهة العربية المقاومة للتطبيع في البلدان العربية، على أن يكون جزء من مهامها دعم المقاومة المسلحة في الضفة وشرق الفرات.
خاتمة:
تشكل المتغيّرات الدولية فرصةً للوطن العربي للخروج من ربقة التبعية للقوى الإمبريالية، وتحدّيًا يفرض على قواه الفاعلة مهمات محددة، في مواجهة تلك القوى التي تحاول أن تقوم بعملية تعويض لانحدارها، بإعادة إنتاج حضورها وتموضعها الاستعماري في مفاصله الأساسية، نتيجةً لأهمّيته الجيوبولتيكية، باللجوء لاستراتيجيات وآليات (التطبيع، والتعزيز العسكري في الخليج وشرق الفرات، وإنهاء المقاومة الفلسطينية).
إنّ إنجاز المهام الثلاثة (المقاومة في الضفة وشرق الفرات ودحر قوى التطبيع) وبالقدر الذي يشكّل دعمًا لقوى التغيير الدوليّة والإقليميّة، فإنّه يشكّل المدخل الطبيعي لأخذ الموقع الفاعل في مسار تلك المتغيرات، بما يسمح بتجسد الفرصة التاريخية للوطن العربي.

