في الكتابة يقول "جورج أورويل": "الكتابة هي أن تُمسك القلم وتجعله يبدأ بالنزيف"، فقد تكون كلمات "أورويل" هي المفتاح للصندوق الأسود الذي يقوم جزء كبير من الذين يمتهنون الكتابة بإخفائه داخل أرواحهم المفعمة بالمعاناة، حيث الكلمة الأخيرة _المعاناة/ الواقع_ هي "السر" الذي يحاول الكاتب إفشاءه طوال حياته عبر الكتابة، والقصد عن الكاتب هنا هو الذي يكتب باحثاً عن أسرار الإنسانية التي تملئ قلبه وعقله، حيث يُجدف بالقلم على الورق في سبيل الوصول إلى العدالة، وهناك من دفع روحه ثمن لذلك، حيث للكتابة ثمن كما باقي الإثمان التي يدفعها الإنسان في مضمار الحياة، والشاهد الذي يمكن أن نأخذه هنا هو " غسان كنفاني " كأنموذج.
بعض الأسئلة يتم التحايل عليها من قبل الكاتب الحقيقي، وربما لم أمتلك الجرأة بعد لتعريف هذا الكاتب، ولكن يمكن القول أن هناك أسئلة يتحايل عليها الكاتب عند الإجابة عليها، أو يرفض إجابتها، حيث إذا قام بإعطاء الإجابة الحقيقة لقام بكسر قلمه بعد ذلك وتوقف عن الكتابة، وأصبح محكوم بالموت، وأحد هذه الأسئلة: " كيف تكتب، أو لماذا تكتب؟"، وفي هذا الصدد تقول "أحلام مستغانمي": "الكتابة هي ترميم للذات"، ولكن جملة "مستغانمي" ربما لا تكون شافية لمرض الأسئلة الذي ينهش العقل عند البعض، حيث يسعى جزءاً من الناس ويدفعهم إلى ذلك الفضول لمعرفة: كيف بدأت الكتابة؟".
قبل أن يبدأ عامل البناء بوضع "الطوب" لإنشاء جدران البيت، والذي يحلو أن يتم تسميته "تقطيع" يقوم بوضع خيط يرتفع عن الأرض بعض سنتميترات من الكفة اليمين إلى الكفة الشمال، وعلى هذا الخيط يقوم ببناء المدماك الأول، حيث يعتمد على هذا المدماك لرفع باقي الجدار، وعليه ستكون كلماتي القادمة هي الخيط الذي يمكن من خلاله الإجابة على سؤال "كيف نكتب؟، وقبل البدء في طوفان الكلمات يمكن هنا استعارة كلمات "غسان كنفاني" كأول قطعة من لعبة الليغو، فقد قال "كنفاني": "هل لديك حبيب؟ لا، لمن تكتب؟ لنفسي، لنفسك! كلام حب، نفسي تستحق الحب أكثر مما يفعلون".
يقول " هارلان اليسون": الناس يعتقدون أن هناك شيئاً سحرياً في الكتابة كأن ترتفع بشكب سحري في منتصف الليل وتنزل في الصباح معك قصة، لكن الوضع يختلف تماماً فأنت تجلس وراء الآلة الكاتبة وتبدأ بالكتابة هذا كل ما في الأمر"، لربما تكون كلمات "هارلان اليسون" بسيطة، ولكن في بساطتها تكمن الحقيقة، حيث بالفعل لا يمتلك الكاتب فانوساً سحرياً، كل ما في الأمر أن الكاتب يقوم بتركيب الكلمات لسببين: إما في سبيل التجهيل والخداع الممنهج والهدف هنا تضليل الناس، ومن جهة ثانية في سبيل إزالة الغشاء عن العقول والهدف هنا هو الوعي، وهناك سبب ثالث هو "الخراب" الذي يعيشه الكاتب في داخله.
عند بدء الكتابة عليك إدراك أن هناك قارئ يقوم باقتطاع جزء من وقته ليقرأ كلماتك، ولذلك كن أميناً على هذا الوقت، وفي سبيل ذلك عليك العمل دوماً على مراجعة أفكارك، وإذا لزم الأمر مراجعة كل حرف داخل النص لتقوم بتقديم ما ينفع هذا القارئ، وفي هذا السياق يقول "دوروثي باركر": "لا أستطيع كتابة خمس كلمات دون تغيير سبع"، وهنا إن النص هو أشبه بلعبة الليغو، وعليه قم بتركيبه بشكلٍ متين عبر وضع القطع الصحيحة مكانها، وفي بعض الأحيان ربما تحتاج إلى تحريك القطع من مكان إلى آخر، ولا تخف إذا شعرت أن النص غير متماسك قم بهدم الشكل كاملاً وإعادة البناء من جديد حتى تنجح في رص القطع بشكلٍ قوي، وأكثر لا تستخدم في النص جُملٍ طويلة تجعل القارئ يشعر بالملل ولا قصيرة تخل بالمعنى، وفي هذا المضمار يقول " سومرست موم": "كل الكلمات التي أستخدمها في قصصي يمكن العثور عليها في القاموس. إنها مجرد مسألة ترتيبها في الجمل الصحيحة".
أحد أهم الركائز عند الكتابة هي اقتران كلماتك بالفعل على الأرض، وهنا عليك أن تحذر مما تقول إذا لم تستطيع الفعل/ التطبيق، حيث الناس يراقبون عن كثب، وهم محكمة تُصدر الإحكام دوماً، وربما يفرضون عليك عقاب شديد، وتذكر جيداً ما قاله الشهيد "باسل الأعرج" في هذا السياق، فقد قال: "بدك تصير مثقف؟، بدك تصير مثقف مشتبك، إذا ما بدك تكون مشتبك لا منك ولا من ثقافتك، ولا في فايدة منك"، حيث الاشتباك هنا هو المحك، وأكثر هو الغربال لكشف "الصدق والكذب" في حياة الكاتب.
إلى المبتدئين في الكتابة عليك الابتعاد والحذر من مصيدة "المقارنة"، والقصد هنا عدم مقارنة بداية تجربتك في الكتابة مع نهايات بعض الكتّاب الكبار، بل قم بنقش تجربتك الخاصة مع الاستفادة من تجارب الأخرين، وتذكر دوماً عند استمرارك في الكتابة لا تبحث عن الكمال/المثالية، حيث الجميع وقع تحت سوط الانتقاد، وفي هذا السياق يقول "غسان كنفاني": "بدون رحمة من النقد. لقد انتقدنا الأشخاص في منظمتنا وفي الحكومة وفي الصحف الأخرى".
ربما لن تكون كاتباً عظيماً، ولكن ربما تكون مشهوراً، ولذلك على الإحباط ألا يُعشش بداخلك عند تكرار عمليات الرفض مراراً وتكراراً من قبل بعض المواقع، عليك المحاولة دوماً والبحث عن أسباب الرفض، ولا تخشى الخطأ، وفي الخطأ يقول لينين : "من لا يعمل لا يخطئ، الأموات وحدهم الذين لا يخطئون"، والأهم عند معالجة الخطأ لا تستخدم نفس المصل في معالجة المرض حتى لا يصبح العلاج أصعب من المرض استناداً إلى ما قاله "ألبرت أينشتاين": "الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة".
عليك أن تتعامل مع الكتابة أنها "سفينة نوح" التي ستنجو بسببها أنت والبعض من الغرق، فقد يكون هناك شخص واحد بحاجة لكلماتك حتى لا يغرق، ولستُ أبالغ إذا قلت إن بعض الناس سوف يصل بهم الأمر حد سؤالكم واستشارتك في حياتهم الخاصة، ولذلك عند الكتابة لا تسعى أن تُقرأ فقط، بل أن تُفهم، وأكثر أن يعيش القارئ معك النص، وعليه عندما تكتب عن البؤس دع في يديك شمعة أمل، وعندما تكتب عن الفرح دع في يديك شمعة الواقع _ لا تكن مثالياً في الطرح _ القصد لا تجعل القارئ يغرق في النص ويمت بعد ذلك سيكولوجياً.
في الكتابة نحتاج إلى الصبر، حيث لا يمكن أن نحصد قبل أن نزرع، ولكن أحذر من هدر الوقت، وتعود قدر المستطاع من جديد على الرفض، حيث الرفض هو يكون الشريان التاجي للنجاح، وفي سياق منفصل ربما لا تكون القراءة هي السبب الأول للكتابة، ولكنها هي المحرك الأساسي للاستمرار وتطوير لغة الكتابة، وهي أيضاً وقود القلم، وأكثر القلم هو امتداد للقراءة، ولذلك قم بتعويد نفسك على القراءة إذا لم تكن تمتلك الموهبة، وأقرأ في كل الاتجاهات حتى تلتمس الاتجاه الذي تحب، وفي سياق منفصل عند الكتابة دع الفكرة تختمر في العقل، وضع بجانب وسادتك دفتر وسجل ملاحظاتك التي تأتي قبل النوم، وإذا كنت تود الكتابة حول موضوع لا تفقه به اقرأ بقدر ما تستطيع حوله.
عند بدء الكتابة أستند على قاعدتين مهمتين: الأولى الإيمان بما تكتب، والثانية الاستعداد دوماً للتضحية في سبيل هذا الإيمان، وعليه تعامل دائماً عندما تكتب لأي امتحان مفاجئ، وفي سياق منفصل لا تُشغل الدماغ كثيراً في البحث عن إجابات للأسئلة الجودية كسؤال "ما معنى الوجود؟"، أجعل القلم والقراءة يكتشفان ذلك، والأهم اِحذر من تأجير القلم تلك جريمة لا غفران لها، القصد دع الكتابة مجبولة بالحفاظ على القيم الإنسانية والأخلاقية، ولذلك لا تخف أبداً من قول أفكارك، وتحلى دوماً بالشجاعة والجرأة لتجد أجوبتك خصوصاً في الواقع الفلسطيني، وهنا تذكر دائماً ما قاله "باسل الأعرج": "وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد".
تموت الكتابة كما الزرع إذا لم ترتوي بماء التضحية، ولذلك أكتب حتى لا تمت داخل لعبة الحب بعد أن يوضع الجسد تحت التراب، حيث كلما أشتاق لك أحدهم قام بقراءتك من جديد، أو استعار كلماتك محاولاً إيجاد أجابته على سؤال "لماذا نحن هنا؟"، وأكثر قم بالكتابة لإعطاء معنى للرحيل، أو ربما في سبيل استرداد معنى الموت.

