السؤال المرجعي:
بوصفه سؤالًا مرجعيًّا سيحيلنا سؤال القاعدة الثقافية إلى تفحّص مكونات هذه القاعدة وعناصرها المكوّنة لها وآليات تشكيلها، وأكثر من ذلك إلى فحص ماهية الثقافة وتأملها التي تعبر عن هذه القاعدة، وما تحيل إليه تجلياتها وفق أنساق معرفية وسيرورات تاريخية، وبمنطق الأفعال التراكمية المديدة، ذلك أن الثقافة - مفهومًا شاملًا - قبل أن تستقر في بنية متسقة، ستمثل في راهننا الفلسطيني على الأقل تحدّيًا مثيرًا، مساءلة لحواملها وماهيتها، وتطيرًا من أسر النظريات وتوليفاتها المضادة، يُحيلنا هذا التحدي إلى مساءلة الأفعال الثقافية نظريةً وممارسةً، ووفقًا لهذا المنظور البدهي وذهابًا إلى الجوهر، ستكون الثقافة بهذا المعنى بوصفها تشكيلًا هُوياتيًّا، وبائتلاف يأخذ صيغة الوعي الجمعي على أهمية وعي الفرد وتناغمه مع ذلك الوعي، ليكتمل بنيةً وخطابًا ومفرداتٍ في بوتقةٍ مجتمعيّةٍ بأداءات لا تختزل الخصوصية ولا تشظيها في العمومية النظرية؛ إذنْ، ينبغي تأمل (البنية الثقافية) باتساقها وتناغمها وفرادتها وعلاقة أجزائها بنسيجها العام، ما من شأنه أن يشكل وحدة موضوعية تطمح لئن تكون أساسًا للمشروع الوطني الفلسطيني بطابع تحرري/ خلاصي.
أسئلةٌ راهنةٌ غيرُ مؤجّلة:
ثمّةَ جدليّةٌ ستأخذ جل استعاراتها من ثنائيات قارة في الوعي، ومنها "السياسة - الثقافة، الفرد - المجتمع، الذاكرة – الهُويّة" وأولوية كل منهما بصوغ التصورات واجتراح الأسس النظرية/ العملية، وإنجاز الأولويات لتتبدى البنية هنا مشروعًا يحاكي المشروع الوطني ويتكامل معه على نحوٍ أو آخر.
فهل تستعيد هذه القاعدة المنشودة صلابة المشروع الوطني الفلسطيني، بطاقتها الهائلة وبرهاناتها المضاعفة على تشكّل الهُويّة وبمنهجيّة علميّة تقود إلى صوغٍ جديدٍ لمفهوم الثقافة وفي منظورها الوطني؟
بعيدًا عن التناقضات والعناصر المتشظّية إلى وعي الثقافة عبر التاريخ البعيد والقريب، وإعادة النظر في الهُويّة الفلسطينيّة نظرًا لطبيعة القضية الفلسطينية المركّبة، بوصفها قضيّةً ثقافيّةً وسياسيّةً في آن، وعليه فثمة جملة من الضرورات التاريخية لاتساق المشروع الوطني الذي لا نغفل مآزقه الجمة بفعل اللحظة (ما بعد الأوسلوية) وتجلياتها الفكرية وانعكاساتها على الواقع الفلسطيني المتغير على الدوام، في مقابل مشروع نقيض هو المشروع الاستيطاني الإحلالي، وكبرى هذه الضرورات سيجلوها الواقع ذاته خلافًا لاعتقاد يفيد أن هذا الواقع (ينفي) حقيقة المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، بمعنى غموض ملامحه التي أحالت في سياقات تاريخية بعينها إلى أزمات وجودية، ويذهب ذلك الاعتقاد إلى (استحالة وجود مخرج من هذا المأزق على المستوى الزمني القريب أو المتوسط)، ذلك ما ساور عقول باحثين وأكاديميين وقفوا على قلق اللحظة الفلسطينية، وهي تساءل المشروع الوطني في أهدافه الاستراتيجية البعيدة وقراءة الواقع وآفاقه المحتملة، والوقوف عند متعالياته واستعصاءاته المتواترة، وعلى الرغم من ذلك كله يبدو التحدي الآخر هو سؤال ما العمل؟ والسؤال سيحيل بالضرورة التاريخيّة لمساءلة النخب الثقافية المسؤولة عن تماسكٍ لبنية الثقافية من أجل تطوير المشروع الوطني في ضوء تلك المتغيّرات، إذنْ، ما هو دور تلك النخب الثقافيّة ليكون البناء معبّرًا عن وجدان الشعب الفلسطيني وإبداع الثقافة هنا في غرس مفاهيم جديدة غايتها الرئيس التنمية الفكرية المتجددة، فاستعادة أدوار الطليعة – الآن - هو استعادة للوعي الوطني الشامل، أي بتحرير العقل الثقافي الفلسطيني أوّلًا، بعد فرز وتصويب ما التبس في تعبير المثقف (مثقف الاختصاص، المثقف الفاعل، المثقف العمومي)، انحيازًا إلى تعبير أكثر دقة هو (المثقف الوطني) وبتعبير أكثر حداثة هو (المثقف المشتبك) الذي رأينا غير مثال له في نماذج بارزة من مثل: ( غسان كنفاني - كمال ناصر- كمال عدوان –باسل الأعرج) وما حملته أجيال من مثقفين فلسطينيين، وبالمعنى التاريخي والفكري، ذلك أن تاريخ المثقف الفلسطيني هو تاريخ إرهاصات المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، بدءًا من المثقّف المحرّض إلى المثقّف الذاكرة والمثقّف الشاهد وصولًا إلى المثقّف الشهيد.
تحدّيات مركّبة:
إنّ أي مقاربةٍ ثقافيّةٍ لماهيّة الثقافة الوطنية الفلسطينية ومفهومها لن ينفصل عن استجابته للتحديات المختلفة، وهي تحديات مركبة، نظرًا لطبيعة الواقع ومتغيراته، كما السياقات التي شكلت مساراته التاريخية، وبصرف النظر عن الانقطاعات التي طاولت المشروع الثقافي عبر مراحل زمنية مختلفة، فإن العودة إلى تأصيل المشروع الثقافي اتساقًا مع مقومات قاعدته سترتبط بالضرورة بمشروع آخر هو المشروع الوطني، وذلك من خلال وحدة النظرية واستحقاقات الممارسة لا سيما في الخصوصية الثقافية الفلسطينية، بمعنى آخر لا بدّ من الحديث هنا عن أدوار الثقافة الوطنية في الدفاع عن الثقافة الوطنية من أجل جملة من الأهداف والمنطلقات التي أنتجت مفهوم الثقافة عبر أشواطٍ زمنيّةٍ كثيرة، متعالقًا بما أنتجه الواقع الكفاحي الفلسطيني. ولهذا، فإنّ جدلية المشروع الثقافي وأطروحاته النظرية لن تنفصل كذلك عن الفعل الفلسطيني بوصفها مرآة له وصورة واسعة له، وذلك ما يحمل المعنى لثقافة الشعب الفلسطيني المركبة من آلام وآمال ستعني في خلاصتها تجذير الهوية الوطنية بوصفها جوهر القضية الفلسطينية، وإذا صح القول هنا: إن لا مشروعًا وطنيًّا فلسطينيًّا تحرريًّا دون قاعدة ثقافية تشكل مادته الأولى ومرتكزاته الأساسية، لتؤدّي دورًا وظيفيًّا؛ أي في استدعاء الحاجة وفهم ضروراتها التاريخية، انطلاقًا من الطبيعة التحرريّة - الكفاحية للمشروع الفلسطيني بوصفه حامل الأهداف الكبرى والتطلعات العريضة، وليس أدل على ذلك سوى الرجوع إلى أدبيات المقاومة، ومدى ما عززته ثقافة المقاومة من أدوار تاريخية لحركة الأدب الفلسطيني وصيرورته وخطاباته ومفرداته (الفن – الأدب - السينما الموسيقى المسرح التراث)، في ضوء إنتاج المعرفة وفهم مستلزمات إنتاجها كما طموح المثقف الوطني – إذا استقر الاصطلاح هنا - على إنتاج معرفة تليق بحركة الشعب الفلسطيني، لا سيما في زمن التحولات البنيوية والمتغيرات العاصفة التي طاولت ليس الثقافة وحدها، بل السياسة أيضًا وصناعة السياسة.
جماليّة الحقيقة وانتصار الثقافة:
إنّ فهمًا عميقًا لمفهوم القاعدة الثقافية التي سيرتكز عليها المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، سيقودنا بالضرورة إلى فهم تاريخية العلاقة، علاقة المثقف الفلسطيني بتاريخه ليصبح إنتاجه المعرفي والفكري والثقافي مرآة لتاريخه السياسي، وما صاحبه من تحولاتٍ تراجيديّةٍ حملتها القضية الفلسطينية، وأصبحت سمة لازمة لها بعناوين بارزة تجهر بمسؤولية الثقافة والمثقف بآن، كما ردد المفكر رئيف خوري: إن الأديب كان في البدء مسؤولًا، فالأدب وهو أحد عناوين الثقافة وفي صلب أدبيات الثقافة كان حامل التحريض والذاكرة الوطنية حتى يصح ذلك القول: (إن تاريخ فلسطين الحديث، هو تاريخ الثقافة الوطنية الفلسطينية) وهي تواصل البحث عن هويتها ومرتسماتها انتصارًا لجمالية الحقيقة، منذ ما أسسه آباء الثقافة الوطنية وما أسسته أجيالها (عبد الكريم الكرمي، فدوى طوقان، إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، محمود درويش، سميح القاسم) هذا على جهة الشعر، وعلى جهة الرواية وعلى سبيل المثال ما أسسه حراس الذاكرة الوطنية من (جبرا إبراهيم جبرا، إلى غسان كنفاني) وما بينهما من أجيال ما زالت تعضّد البنية الثقافية بألوان إنتاجها المعرفي والثقافي، لتؤسس مفهومًا أوسع هو مفهوم الذاكرة الوطنية، والذاكرة الجمعية، إن جوهر الخطاب الثقافي الفلسطيني كان ولا يزال هو بناء هذه الذاكرة بشكل مستمر، الذاكرة المرتبطة بالهوية، لكنها من أرست كل إرهاصاتها من أجل قاعدة موازية هي قاعدة المشروع الوطني التحرري، على الرغم مما اعترض مسيرتها من تحديات لا يمكن إغفالها أو تجاوزها، وهي نتيجة طبيعية للواقع الموضوعي ومتغيراته المتسارعة. إذنْ؛ فحجم هذه التحديات واتساعها كان يفرض على الدوام إيقاعات مختلفة في الأداء الثقافي ربما تتباطأ هنا وربما تتسارع هناك، وهذا طبيعي تحكمه قوانين الاستجابة والمستويات الإدراكية لعملية الفعل السياسي وأبعاده الكثيرة، بيد أن القاعدة الثقافية للمشروع الوطني الفلسطيني التحرري ما زالت تتوسل بتراكم معطياتها، أن تستقر بأشكال الخطاب الثقافي المتعددة من أجل وحدة هذا الخطاب، ما بين الوطن والمنفى، وما بين اصطلاح الثقافة الوطنية والمثقف الوطني، وعليه؛ فإن مقاربة دقيقة للأدبيات الوطنية الفلسطينية في منظورها الثقافي، ستكون منقوصة دون فهم استحقاقات المشروع الوطني الفلسطيني بهواجسه الكبرى وذرواته المتعددة، بل وقلقه الدائم لئن يُنتج معادلة الوعي التي لا بد منها من أجل صيانة الأهداف الوطنية والدفاع عن الذاكرة الوطنية، وستفرض تحديات من مثل الواقع الموضوعي ومتغيرات الصراع، والمساقات التكتيكية والاستراتيجية، تغيرًا في العناوين، لكن ذلك لا ينفي جوهر المشروع الذي يحتاج بدوره إلى حوامل متجددة تستلهم من التاريخ، لكنها لا تنقطع عن الحاضر وتمتلك في الوقت ذاته ذهنية الاستشراف والتجاوز والتخطي، ومن جهة أخرى تستلزم العودة إلى مفهوم الثقافة الوطنية، ذلك المفهوم الذي تعددت سياقاته وتعالقت بكثير من الالتباس في زخمه النظري، ليستقر في الوعي والممارسة بالمعنى الإنتاجي الذي يستقرئ الذاكرة الوطنية ليعيد تشكيلها في الوعي من جديد، فالثقافة الوطنية هي الذاكرة التي تعني الشعب الفلسطيني طيلة صراعه مع نقيضه الإحلالي، وقد مثلت الثقافة المكتوبة في هذا الاتجاه أكثر من وثيقة تاريخية ستمثل اللحمة والسداة للقاعدة الثقافية المنشودة، التي لا بديل عنها في معركة المصير والاستحقاق الوطني الناجز، فما بين الطموح والممارسة ستتحدد الأهداف الكبرى، لكن الوسائل إليها ستتعدد أيضًا وصولًا إلى صهرها في مراجل الوعي.
الهُويّة الوطنيّة الجامعة:
وسنتفهم أن بناء القاعدة الثقافية لمشروعنا الوطني الفلسطيني التحرري، سينطلق من الوعي المؤسِّسِ وإعادة بناء هذا الوعي أولًا، ومن ثَمَّ لا بد من إعلاء ما نصطلح عليه بالحساسية النقدية التي تتأمل صيرورة الثقافة الفلسطينية ومنعطفاتها لاستخلاص ما هو ناجز ومؤسس من جديد للمشروع الوطني، أي بتلازم المشروعين وجدليتهما سيُنظر إلى الثقافة بمنظور أوسع وقراءة أكثر جدية لمتطلبات الثقافة وأسباب حمايتها، بوصفها الرافعة وبوصفها أيضًا بوصلة المعنى وخارطة الطريق، وأكثر من ذلك بوصفها الضمير المسلح الذي من شأنه أن يجعل للمشروع التحرري قيمةً مضافةً ومعنى متحرّكًا، إذا كانت آليات الثقافة في مسارها الصحيح وبأدوار المثقفين المنتجين للمعرفة كما الرؤيا والموقف، وبما يمثل ذلك من تلازمٍ في الأداء الثقافي والفعل المجتمعي الذي يرتقي به حتى يستحق المشروع التحرري استحقاقه، لا بانفصاله، فالجامع ما بين هذين المشروعين هو الهوية الوطنية الكفاحية ووحدة الخطاب، أكثر مما يذهب أحد إلى الاعتداد بالتناقضات وتعويم إشكاليات الثقافة وانفصالها عن مساراتها وغاياتها، وهذا ما يحمل في ضوء الواقع الموضوعي، وفي ضوء مستوى الأحلام والآمال الكبيرة التي يحملها الشعب الفلسطيني في وجدانه وذاكرته، مساءلة ما يُنتج من معرفة وإبداع وثقافة، هل تمثل في لحظة فارقة ذلك الطموح الكبير بتلاحم النضال من الثقافة إلى الفعل، ومن الفعل إلى الإنجاز؟.
تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين :
حول البنية الثقافية والمشروع الوطني الفلسطيني التحرري
قامت الجبهةُ الشعبيّةُ لتحرير فلسطين خلال عقودٍ مديدةٍ من التاريخ بدورٍ بارزٍ في التقاط المعادل للمشروع الوطني الفلسطيني، أي بإيجاد البنية الثقافية الحاضنة له، ولعلّ تجربة مجلّة الهدف التي أسسها المثقّف الشهيد غسان كنفاني، الذي كان قوّة المثال على كتابة وطنيّة جسرت الهوة بين المثقف والجماهير، على سبيل المثال وليس الحصر وبأعدادها الأولى، إلى لحظتنا الراهنة قد مثلت نموذجًا لتعبيرات هذه البنية التي ساءلت المشروع واستشرفته وذهبت في أطروحات نظرية/ عملية لإنجازه، وذلك عبر جهود غير مثقّف عكس تصوره لمسارات القضية الفلسطينية بمعايير وطنية، وبوصف الوطنية أداة معرفية وجملة من المبادئ السياسية والأخلاقية، التي يتحدد مفهومها النهائي بالنضال في سبيل تحرير فلسطين والعودة إليها، ذلك البحث عن جمالية الحقيقة هو الموازي لمفهوم التحرير، وفهم السيرورة التاريخية لا يكون بمعزلٍ عن التطوّر التاريخي الثقافي، الذي ينجز في الوعي والممارسة لتأخذ البنية هنا تعبيرها الشامل في وعي الواقع وتجاوز تحدياته والحاجة له التي تجهر بأن لا ممارسة ثقافية ناجزة دون وعي سياسي ناجز، دون الحجاج بأولوية الواقع على الوعي، أو العكس تمامًا.
فالحاجة والضرورة صنوان في عملية البناء الشامل والمساءلة النقدية التي تنجز وعيًا في الوعي، وتحرر المعنى في بنية ثقافية ضامنة لنهوض المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، على أساس من وحدة الأرض والشعب، ومثل هذه التجربة التي تعني قوة المثال ليس في البحث عن أجوبة بصدد المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، بقدر ما هو اجتراح أسئلة جديدة ومتجددة على الدوام، أسئلة المثقف الوطني في لحظة متغيرة والمثقف الناقد في لحظة شديدة الالتباس من أجل إنجاز رؤيا في معنى الثقافة الوطنية هُويّةً وتحرّرًا وانحيازًا إلى الوعي الجمعي والذاكرة الجمعيّة.

