كتب حلمي موسى*
أميركا بدأت تجرب بعض ما خبرناه من إسرائيل على مر العقود منذ ما قبل النكبة وحتى اليوم. ألاعيب والتفافات وغسيل للكلمات وأكاذيب مفضوحة واستغلال للمشاعر ولعب على الدين والتاريخ.
وبايدن كان إلى ما قبل أيام يراهن على أن صهيونيته المعلنة تشفع له عند نتنياهو ويمكنها أن تجعل منه منقذاً لإسرائيل من شرور نفسها. ولكن يبدو أن ظنونه خابت في مواجهة نتنياهو وأترابه المتطرفين أمثال سموتريتش وبن جفير. وهكذا لم يسمح هؤلاء لسلم بايدن بالركون إلى شجرة الصراع كي ينزلوا عنها.
وكان بايدن قد أعلن أنه فهم من حديثه الأخير الذي جرى بعد قطيعة حوالي شهر أن بالإمكان تحقيق حل الدولتين في ظل حكم نتنياهو. وأوحى كلامه أنه فهم من نتنياهو أن بالوسع المضي نحو حل الدولتين بما يضمن أمن إسرائيل. فقامت قيامة داخل اليمين على نتنياهو حتى مع كسر حرمة السبت.
لم ينتظر نتنياهو أن ينتهي السبت وتنتهي حرمة العمل فيه وفي منتصف السبت أصدر بياناً فيه نوع من الرد النهائي على كلام بايدن وجوهره لا لحل الدولتين حتى لو كانت الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.
وأعلن نتنياهو: لن أتنازل عن السيطرة الأمنية غرب نهر الأردن.
وكان الرئيس الأميركي قال إن رئيس الوزراء لم يستبعد في حديثهما إقامة دولة فلسطينية، وسارع نتنياهو إلى توضيح موقفه مرتين، دون أن ينفي ذلك صراحة. فلم يَرُقْ الأمر لليمين الشريك في ائتلافه وداخل حزبه.
قال الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي تحدث الجمعة مع نتنياهو للمرة الأولى منذ شهر تقريباً، أنه على عكس ما قاله في المؤتمر الصحفي يوم الخميس الماضي – فإنه لا يستبعد تماماً قيام دولة فلسطينية. لكن نتنياهو سارع إلى توضيح تمسكه بالموقف المعارض لقيام مثل هذه الدولة.
وحتى خلال أيام السبت، وعلى غير العادة، نشر مكتب رئيس الوزراء رداً على كلام الرئيس الأميركي: "في محادثته الليلة الماضية مع الرئيس بايدن، كرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقفه الثابت منذ سنوات، والذي عبر عنه أيضاً في مؤتمر صحفي في اليوم السابق: بعد القضاء على حماس، يجب أن تظل غزة تحت السيطرة الأمنية الكاملة لضمان أن غزة لن تعود لتشكل تهديداً لإسرائيل، وهذا يتعارض مع مطلب السيادة الفلسطينية.
وبعد انتهاء يوم السبت، نشر نتنياهو رسالة أخرى على صفحته على منصة إكس والتي شمل فيها أيضاً الضفة الغربية، والتي لم يتم ذكرها في الرسالة السابقة: "لن أتنازل عن السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على كامل المنطقة غربي القدس – الأردن، وهذا يتعارض مع الدولة الفلسطينية”.
وبحسب يديعوت أحرنوت يبدو أن اليمينيين يرفضون قبول هذه التوضيحات - حتى أن وزير المالية بتسلئيل سموتريش دعا "البيت الأبيض إلى الاستيقاظ من المفاهيم". وقال: "هناك إجماع واسع في إسرائيل ضد الدولة الفلسطينية وتقسيم البلاد. وعلى أصدقاء إسرائيل أن يفهموا أن الدفع من أجل إقامة دولة فلسطينية هو دفع للمذبحة القادمة، لا سمح الله، والمخاطرة بوجودها. وأضاف سموتريش: "وكما حدث في إسرائيل، يحتاج البيت الأبيض أيضاً إلى أن يتحرر من الأوهام التي أدت إلى الكارثة الوطنية في إسرائيل".
وكتب وزير الثقافة ميكي زوهار من الليكود أن "دماء إخوتنا وأخواتنا لم تسفك لينال الفلسطينيون مكافأة وحتى نخاطر بمستقبلنا في بلادنا. أقول بوضوح لكل من لا يزال عالقاً في السادس من أكتوبر: لن نسلم أيدينا أبداً لإقامة الدولة الفلسطينية، هذا هو التزامنا تجاه الشهداء والأبطال الذين سقطوا."
وقالت وزيرة النقل ميري ريجيف "إن الدولة الفلسطينية تساوي انتصاراً للإرهاب. سنواصل القتال ونعيد المخطوفين ونقضي على حماس".
من جانبه كتب وزير الطاقة إيلي كوهين: "إن إقامة دولة فلسطينية هو مكافأة للإرهاب وخطر على دولة إسرائيل. إنه سيشجع على قتل اليهود ويعطي زخماً لمحور الشر الإيراني. لن نستسلم له".
ووجهت عضو الكنيست تالي غوتليب الانتقادات إلى رئيس الوزراء نتنياهو: "السيد رئيس الوزراء. لن يكون هناك دولتين! لماذا؟ لأنه وفقا للروح الفلسطينية من النهر إلى البحر هناك دولة واحدة فقط وهي فلسطين "والعدو الصهيوني" في البحر. إذا نسيتم فكرة حماس والجهاد، فلدينا تذكير مرعب يوم 7 أكتوبر. المحادثات بينك وبين بايدن ليست سرية. لن تتمكن من قول أي شيء والعكس صحيح"
وشدد نتنياهو، في مؤتمره الصحفي، الخميس، على معارضته لإقامة دولة فلسطينية في أي تسوية مستقبلية، بعد انتهاء الحرب على غزة: "في أي تسوية في المستقبل المنظور، يجب على إسرائيل السيطرة على جميع الأراضي الواقعة غرب الأردن". "هذا يتعارض مع فكرة السيادة، وأنا أقول هذا للأميركيين. رئيس الوزراء في إسرائيل، ينبغي للمرء أن يكون قادراً على قول لا لأفضل أصدقائنا".
واضح للجميع اليوم أكثر من أي وقت مضى أن من يعيق التسوية ويعرقل حتى المجهود الأميركي ليس الطرف الفلسطيني ولا العرب وإنما إسرائيل وحكومتها جهاراً نهاراً.
*كاتب صحفي من غزة

