Menu

"دولة الإمبرياليين" .. لتصفية القضية وضمان مستقبل إسرائيل

وسام رفيدي

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب د. وسام رفيدي*

 

بالتزامن مع معركة خانيونس التي يبدو يعوّل جيش الاحتلال كثيراً عليها وفق حسابات لم يثبت صحة أي منها حتى اللحظة، بالتزامن مع ذلك تنشط التصريحات الأمريكية والأوروبية حول وجوب قيام "دولة فلسطينية".

أمام المشاركة الفعلية لأميركا في حرب الإبادة ورفضها لوقف إطلاق النار، ذلك المطلب العالمي، وكذلك أمام عقلية بوريل الذي يرى العالم خارج أوروبا، ونحن منه، أدغال تهدد حديقته الأوروربية الجميلة، أمام حقيقة هذين الرجلين/ الموقفين، ينبغي لقرون الاستشعار أن تتحرك عندما يعلنان "مطلبهما" بوجوب قيام دولة فلسطينية. فما الذي دفع ممثلا التكتلين الإمبرياليين بامتياز، أميركا والاتحاد الأوروبي، أن يعزفا على وتر "الدولة" في هذا الوقت.

أولاً هناك حقيقة عجز جيش الكيان عن تحقيق أي من أهدافه عبر حملته العسكرية التدميرية غير المسبوقة على القطاع، وتلك حقيقة باتت معروفة، ولذلك يتوجب التدخل الأميركي والأوروبي لمحاولة تحقيق تلك الأهداف عبر السياسة، طالما فشل الجيش بتحقيقها عبر الإبادة. أما كيف سيكون ذلك فلم يخفِ الرجلان ذلك، وخاصة بايدن وإدارته. "دولة" منزوعة السلاح، ودون حماس، وبعد "إصلاح" السلطة الفلسطينية، "إصلاح" حسبما يبدو من شروحات الأميركيين، أي تحويلها، وصراحة، من متعاون حسب اتفاقية أوسلو، مع أن نتنياهو يرفض حتى تعاونها، لعميل صريح يجهزونه عبر "الإصلاح" ليعود ل غزة على رأس دبابة احتلالية، وبالتالي يحققون عبر ذلك، تصفية القضية وتصفية المقاومة و"حماس" عبر السياسة، طالما لم يحققوا ذلك عبر التدمير والتقتيل والتجويع والإبادة.

ثانياً ولما كان من النتائج الأبرز للمقاومة وتضحيات شعبنا في معركة الطوفان إن عادت القضية الوطنية كقضية تحرر وطني من الاستعمار، لتحتل واجهة، ليس فقط الإهتمام العالمي، بل وشوارع العواصم والمدن العالمية، كان لا بد من تحرك سياسي تحت مطلب "دولة"، يلتف على كل هذا يجهضه، يفرغه من محتواه، ينسفه، وليعيد وضع الأمور، كما يأملون، على السكة التي يريدها الأميركان والأوروبيون وحليفتهم دولة الكيان. إن شعاري "الحرية لفلسطين" و"من النهر إلى البحر فلسطين حرة"  ليسا بالمطلق متوافقين مع مطلب "الدولة" على مقاس بايدن وبوريل، بل تلك مطالب بتحرير وطن مستَعمَر، وذاك هو جوهر التحرر الوطني الفلسطيني، والذي عبّرت عنه المقاومة مراراً بشعار "التحرير والعودة"، وما دون ذلك انتهاك للحقوق الوطنية وتصفية واستسلام.

أما ثالثاً، فهو فتح الطريق الذي أغلقته معركة الطوفان، من جديد، طريق التطبيع الرسمي، لتعميمه على كل المنطقة العربية بحيث يجري طي صفحة القضية الوطنية والصراع لتفتح صفحة العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية مع الكيان، وبضمنها تعبيد الطريق أمام مشروع الطريق التجاري الهندي الأوروبي عبر الكيان، في خطوة تنافس تجارياً طريق الحرير الصيني.

لذلك نعتقد نشطت التصريحات حول الدولة، لنتمعن قليلاً بحقيقةِ "دولتهم"، في التصريحات المتعددة لم يجر مطلقاً تناول القضايا، التي منطقياً يترتب على إنجازها "قيام دولة"، لم يطرحوا إنهاء الاحتلال تماماً، تفكيك المستوطنات، تحقيق حق العودة، السيادة التامة على البر والبحر والجو والمعابر والحدود. ماذا سيتبقى من "دولتهم" دون ذلك؟ لا شيء. لن تكون تلكم الدولة في الواقع غير كيان مسخ وممسوخ، يجسّد تصفية القضية والمقاومة، يشطب تماماً حقوقنا في وطننا، يشطب تماماً حق العودة، وبالمقابل يعمم التطبيع العربي الصهيوني، خاصة العلني مع السعودية، ويفلت يد الكيان التجارية والسياسية والاستخبارية في عموم المنطقة العربية ليصبح "الحاكم بأمرها"، ويعيد تأكيد مكانته الأمنية التي تدهورت بهزيمته في 7 اكتوبر وتؤكد قدرته على حماية نفسه، ويؤيد مستقبل الكيان ويضمنه، خاصة أن كل حديث عن "الدولة" يلحقه تأكيد قطعي "بأمن إسرائيل". تلك هي "دولتهم" ولا شيء آخر.

أما ما يبدو تأكد، وهذا ما نرجوه، للذين ما زالوا يعيشون وهم التسوية والتفاوض منذ اتفاقية أوسلو وما قبلها، فهو حقيقة، ليس فقط الموقف الحكومي الإسرائيلي، بل ومستوطنو الكيان. سارع نتنياهو لتكذيب العجوز الخرف بايدن حول موافقته على "الدولة"، يعني كما يقال "طلع بايدن بسواد الوجه"، وانخرطت عصابة الفاشيين الحاكمة بسلسلة تصريحات ضد إقامة دولة فلسطينية، وحتى مع تأكيد بايدن بأنها منزوعة السلاح، ولم يتطرق في دعوته لكل ما يجعلها دولة، فنتياهو رفضها علانية وكذّب بايدن وتصريحه.

أما مستوطنو الكيان فاستطلاعات الرأي توضح بجلاء النزوع العالي نحو الفاشية والعنصرية المقيتة ضد شعبنا، وتلك حقيقة تاريخية في كل الصراعات التي دارت في التاريخ الحديث والمعاصر بين الشعوب الأصلي والمستعمرين المستوطنين، فمتى ما تأكد طابع الصراع كصراع وجود، حتى ظهر مجتمع المستوطنين المستعمرين على حقيقته: فاشي دموي يسعى لإبادة السكان الأصليين. المستعمرون الإسرائيلييون لا يشذون عن تلك القاعدة، ليس فقط يرفضون حقوق شعبنا الوطنية، وبضمنها الدولة بمواصفات تجسّد الحقوق الوطنية، بل يدعون ويؤيدون استمرار الإبادة، وهنا ينبغي تسجيل حقيقتين، الأولى، أن الاستطلاعات وإن كانت تعطي نتنياهو 15% من أصوات الجمهور، غير أنها تعطي أكثر من 90% لدعوة استمرار الحرب على غزة، والثانية، أنه حتى الحركة الداعية للإسراع في وقف إطلاق النار وتحرير أسراهم لدى المقاومة، فهي دعوة تعلن صراحة مطلبها بتجديد الحرب على غزة بعد إنجاز صفقة التبادل.

لذلك فإن بقي لدي أياً كان وهم بإمكانية التسوية والتفاوض مع الكيان، انسجاماً مع دعوة بايدن أو "خارطة طريق" يعدها بوريل، أو حتى إحياء "مبادرة السلام العربية"، فعليهم أن يعيدوا حساباتهم.

معركة طوفان الأقصى وإنجازاتها، بطولة شعبنا ومقاومته وصموده وتضحياته، يستحقان أن تنتظم سكة الموقف السياسي الفلسطيني الوطني فقط على طريق التحرير والعودة، والانخراط سريعاً في مبادرة قوى المقاومة الخمس التي أعلنتها قبل شهر تقريباً في بيانها في بيروت، بتشكيل قيادة وطنية وفق خيار المقاومة التي يؤطرها برنامج سياسي على قاعدة التحرير والعودة، والتخلي عن وهم التفاوض. شعبنا ومقاومته وتضحياته يستحقون أكثر بكثير من "دولة" الإمبرياليين العنصريين بايدن وبوريل.

 

*أكاديمي فلسطيني