Menu

مقاربة.. أسرى الدوريات وشهداء العبور بين الماضي والحاضر

محمد حمد

مصطلح العبور عادةً ما يطلق على الانتقال بين ضفتين ولكن في قاموس الثورة الفلسطينية يأخذ معنى عبور الحدود نحو الوطن وقد يكون هناك مصطلح آخر لهذه الحالة وهو "الصعود" لأن ما يسمو إليه الفدائيون عند عبورهم هو أعلى طموحاتهم المتمثلة بالصعود إلى الوطن وقد تصعد أرواحهم إلى السماء إذا ما ارتقوا شهداء خلال التحامهم مع العدو.

في العقد الأخير تقريباً تمثل العبور في بعض الحالات الثورية التي كانت تأتي في أغلبها ضمن المناسبات الوطنية ففي عام ٢٠١١ انطلق شباب المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سورية ولبنان نحو الحدود مع فلسطين بمناسبتي ذكرى النكبة والنكسة وقد نجح الشباب في حينها باجتياز الشريط الحدودي الوهمي بين الجزأين المحرر والمحتل من سورية في منطقة مجدل شمس والتي استشهد وجرح خلالها عشرات الشبان، وفي عام ٢٠١٨ (يوم الأرض) انطلقت مسيرات العودة في قطاع غزة حيث مثلت هذه الحالة إصرار اللاجئين الفلسطينيين على العودة إلى ديارهم ورغبتهم هم والغزيون بالانعتاق بكافة الطرق من حالة الحصار الخانق التي يفرضها الاحتلال الصهيوني على القطاع فكانت هناك العديد من الإبداعات التي لا مثيل لها بطرق المقاومة السلمية والتي قابلها الصهاينة بالرصاص فاستشهد وجرح المئات من المنتفضين من كافة الأجناس والشرائح والفئات العمرية.

في سياق آخر نأتي بمصطلح "أسرى الدوريات" الذي أطلق أساساً على أبناء الشعوب العربية وغيرها ممن انتفضوا إسناداً للشعب الفلسطيني عن طريق انضمامهم إلى صفوف الفصائل الفلسطينية أو من خلال أحزاب بلدانهم الوطنية، حيث كانوا يأتون بسلاحهم إلى الحدود بين فلسطين ودول الطوق (الأردن، سورية، لبنان) إما للاستطلاع بتحركات العدو أو للقيام بالعمليات الفدائية داخل الأراضي المحتلة فكان منهم من ينفذون وينسحبون ومنهم من يستشهدون وغالباً ما كانوا يقعون بالأسر مما أعطى لهذا المسمى بصمته، ولا بد لنا هنا من الإشارة إلى أحد رموز أسرى الدوريات (علي محمد "أمجد") ابن قرية كفر حارب في الجولان السوري المحتل، لأن ذكرى رحيله صادفت الأيام القليلة الماضية وأن ذكرى وقوعه بالأسر هو ومجموعته تصادف هذه الأيام وبالذات في ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث أن عمليته التي نفذها كانت إحياء لهذه المناسبة.

بالمقاربة بين كلتا الحالتين يتوجب علينا استحضار الحالة التي جاءت بها معركة طوفان الأقصى لما لها من صهر أشكال المناهضة والقتال ضد الصهيونية أملاً بالتحرر والتحرير والعودة، فقد عبر مقاتلو المقاومة الفلسطينية في غزة مستوطنات الغلاف فيما يشبه التحرير والعودة وفضح وإفشال مخططات الصهاينة وحلفائهم، مما كشف وجه الإجرام الصهيوأمريكي المكشوف أساساً ولكن هذه المرة بطريقة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتدمير الممنهج للحجر والبشر.

هنا بدأت حالة الانصهار بين الحالتين سابقتي الذكر فقد فتحت الجبهات أمام الشعوب والقوى الثورية الغيورة ولا سيما على الجبهة المصرية حيث قام أحد الجنود المصريين (محمد صلاح) بإطلاق النار على قوات الاحتلال وقتل وجرح عدداً منهم، وعلى الجبهة الأردنية قام سائق الشاحنة ماهر الجازي بعملية عند الحدود الأردنية الفلسطينية والشابان حسام أبو غزالة وعامر قواس بعملية البحر الميت وكلهم ارتقوا شهداء، ومنها المنظم حيث نفذت الفصائل الفلسطينية وخاضت عشرات العمليات العسكرية والمواجهات إلى جانب المقاومة الإسلامية اللبنانية (حزب الله) وغيرها منذ بدء العملية البرية التي أعلن عنها جيش الاحتلال على الجبهة اللبنانية، وجدير بالذكر هنا تذكر  شهداء حزب الله والأحزاب اللبنانية الوطنية وشهداء حركة الجهاد الإسلامي و حركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وباقي القوى والفصائل الذين ارتقوا على هذه الجبهة.

هذا كله يضعنا أمام عودة القضية الفلسطينية العربية إلى مكانها الصحيح ويضع الشعوب العربية والأممية الحرة أمام مسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العادلة كما يضع الرجعية العربية أمام موقف محرج يلزمها بإعادة حساباتها والتخلص من التبعية، بل يضع الاحتلال وحلفاءه أمام زيف روايته وقصر مدى رؤيته وضعف قوته وبالتالي حتمية هزيمة مشروعه، لما لهذا النهوض الثوري من أثر سيؤدي حتماً إلى الانتصار إذا ما استمر بالصعود وأخذ شكل المقاومة الإستراتيجية الشاملة طويلة الأمد واسعة الرؤيا والأهداف.