شهد العالم حراكاً سياسياً واسعاً ومكثفاً عشية وأثناء اجتماعات الأمم المتحدة التي تأتي مع الذكرى الثمانين لتأسيسها.
سبق ذلك اجتماع لمجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في قطاع غزة، وتم التصويت على مشروع قرار لوقف الحرب، نال موافقة أربع عشرة دولة واصطدم بالفيتو الأمريكي الذي عطل القرار.
انعقد مؤتمر حل الدولتين في نيويورك بدعوة ورعاية فرنسية وسعودية في شهر يوليو/ تموز الماضي، ثم في أيلول على هامش دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبغض النظر عن بعض مقرراتها المجافية لكفاح الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، إلا أنهما دعيا إلى وقف الحرب على غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، طبعاً في ظل مقاطعة أمريكا والكيان الصهيوني لكلا المؤتمرين. انتهى المؤتمر الأخير بإعلان إحدى عشرة دولة اعترافها بدولة فلسطين، منها دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وكندا وأستراليا..
تلا ذلك اجتماع للرئيس الأمريكي ترامب مع بعض قادة الدول العربية والإسلامية نتج عنه وعود أمريكية كاذبة (مبادرة ترامب) للعمل على وقف إطلاق النار في غزة وإطلاق "الرهائن" الإسرائيليين المحتجزين في غزة دون شروط، إضافة لطمأنة الجميع بعدم تكرار ما حصل من ضربات إسرائيلية للعاصمة ال قطر ية الدوحة في أية دولة من دول المنطقة، المقصود هنا الدول الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية.
بدأت الأمم جلساتها وتتالت كلمات وخطابات الرؤساء والزعماء والوزراء التي تناولت الكثير من الهموم المحلية والإقليمية لكل بلد والأوضاع الدولية وضرورة الالتزام بالقانون الدولي، أما غزة فقد حظيت بالمكانة المميزة من التضامن، والتأكيد على ضرورة وقف الحرب أو الإبادة ورفع الحصار وتسهيل دخول المساعدات، ووضع حد للقتل والتجويع ورفض التهجير، والتأكيد على حق الفلسطينيين بالعيش بدولة مستقلة وبأمن وكرامة. رغم الإشارة في عدد من الكلمات إلى إدانة عملية السابع من أكتوبر، وما رافقها من "قتل واحتجاز الرهائن الإسرائيليين".
أكد الرئيس الأمريكي ترامب في كلمته المطوّلة التي غلب عليها تعابير الرجل المقرّر والمتحكم بمصير العالم، على رؤيته المنحازة للكيان الصهيوني حول شروط وقف الحرب في غزة، وكذلك حول مستقبل المنطقة والشرق الأوسط، عدا عن القضايا العالمية الأخرى بما في ذلك أوكرانيا.
وتبقى غزة رغم كل ما تعانيه من جرائم قتل ودمار وإبادة جماعية ومحاولات الاقتلاع والتهجير، بعينيها تقاتل وتحاصر المجرم الصهيوني العنصري والفاشي نتنياهو في كل العالم، وتجلى ذلك بحجم الإدانات واللعنات وحجم الاعترافات بالدولة الفلسطينية، ومقاطعة معظم الوفود ورفض سماع كلمته في الأمم المتحدة، ومغادرتهم القاعة لمجرد دخوله لها.
نعم غزة تباد ولكنها تقاتل وتطارد المجرمين أينما كانوا، وأينما حلّوا، دماء غزة تصرخ بالحق الفلسطيني وتحفظه وتعليه لينال تأييد شعوب العالم، والكثير من دوله وحكوماته وبرلمانييه ...
فرضت غزة على بعض زعماء الدول الغربية التأهب وإرسال السفن لنجدة ما يمكن أن يواجهه أبطال وأحرار الأسطول البحري المتضامنين مع أهل غزة والقادمين انتصاراً للحق، وتقديم المساعدات الإغاثية وخرق الحصار الظالم عليهم من قبل مجرمي الحرب الصهاينة.
إن فائض القوة عند الكيان الصهيوني، وضعف قوة الردع يجعلانه يتمادى ويتغول في إجرامه وعدوانه إلى ما هو أبعد من غزة أو الضفة و القدس وتصفية القضية الفلسطينية، ليضرب في الدول العربية لبنان وسوريا واليمن وأبعد، وصولاً إلى إيران وتهديد دول أخرى مثل تركيا ومصر، محاولاً فرض الخارطة ومناطق النفوذ التي يريد، والتي تخدم مشروع الهيمنة الصهيونية- الأمريكية ومشروع الشرق الأوسط الكبير.
• من سيردع العدوان والغطرسة الصهيونية إذاً؟؟؟
هل يعقل أن يخاطب الرئيس الفلسطيني العالم حول عدالة القضية الفلسطينية، وبنفس الوقت يطالب بتسليم سلاح المقاومة الفلسطينية؟!! ويؤجل ترتيبات البيت الفلسطيني إلى ما بعد وقف العدوان دون أن يتخذ أو يقدم مبادرة لتوحيد الصف الفلسطيني استعداداً للمواجهة وحماية الوجود الفلسطيني، في ظل الدعوة لتحالفات وإقامة أحلاف دفاعية، وتفعيل اتفاقات الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي وكثير من الدول، وفي ظل دعوة الرئيس الكولومبي "لتشكيل جيوش لتحرير فلسطين."
لم يعد أمام الدول العربية إلا خيار واحد هو الدفاع عن سيادة وأمن وكرامة الشعوب العربية، أو على الأقل الدفاع عن الكرامة الوطنية والشخصية لقادة هذه الدول، عدا عن الدور المطلوب بإنقاذ ما تبقى من غزة بل فلسطين، وما تبقى من حياة وأرض وقضية.
نعم آن للفلسطينيين أن يتحدوا، وآن الأوان لتطبيق الاتفاقات الوطنية، والشروع بخطوات ملموسة ملحة للوحدة الوطنية الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية التي يجب أن تضم الكل الوطني، باعتبار ذلك الخيار الملح والأوحد الذي تتطلبه عملية المواجهة وحماية الشعب والأرض والهوية، وقيادة المرحلة الخطيرة الراهنة لوقف حرب الإبادة ومخططات الاستيطان والضم ومحاولات التهجير.

