بعد قبول مبادرة ترامب ووقف الحرب يدخل الوضع الفلسطيني مرحلة جديدة تحمل العديد من المخاطر والتحديات وهي بادية في نصوص المبادرة وما نشهده من سعي أمريكي لإعطاء تلك المبادرة طابعا دوليًا عبر مشروع قرارها لمجلس الأمن.
اعتراض فصائل المقاومة على المشروع واعتراض روسيا والصين يكشف عمق المخاطر وخبث المقاصد الأمريكية والإسرائيلية.
أول ما نلاحظه في المبادرة ومشروع قرار ما يسمى بمجلس السلام، ورئاسته المقترحة "ترامب وطوني بلير"، هذه الوجوه بالإضافة لدورها وتاريخها المتسم بالعنصرية والنزعة الاستعمارية بل وعدائهم للشعب الفلسطيني، هناك خشية حقيقية من أن يستخدم هذا المجلس لفرض وصاية دولية، ومما يزيد من تلك المخاوف عدم وضوح مهام هذا المجلس ومن يديره ولمن يتبع.
تزداد الضبابية والمخاطر الحديث عن قوة استقرار دولية وصلاحية استخدام القوة، وهي مسألة رفضتها الفصائل مبكرا وأصرت على اقتصار دور تلك القوة بالإشراف على وقف الحرب، هذا الدور المقترح للقوة الدولية قطعا سيحولها إلى قوة احتلال، وهذا مرفوض جملة وتفصيلا.
ولو دققنا في المشروع عند الحديث عن آفاق مسار نحو الدولة بشروط اصلاحات يقوم فيها الجانب الفلسطيني، سنجد أنفسنا أمام سيل من الشروط لا ينتهي، بما يفتح المجال "للإسرائيلي" للتهرب من موضوع الدولة التي ترفضها الحكومة اليمينية جملة وتفصيلا.
إن المخاطر المترتبة على الولوج في هذه المرحلة لا تقف عند تلك الحدود، فالسعي الأمريكي والاسرائيلي، لإعادة هندسة الصراع لم تتوقف للحظة بقصد تحويل المسألة برمتها من قضية تحرر وطني لشعب يرزح تحت الاحتلال، إلى مجرد سلام اقتصادي وتحقيق نوع من الادارة الأمنية، وهي على كل حال ليست حديثة بل تم طرحها من قبل جون كيري قبل عقدين من الزمن تحت شعار السلام الاقتصادي.
إن تهميش القضية وإلغاء الهوية كانت ولا زالت في صلب الاهتمامات الأمريكية والصهيونية والرسمية العربية، فالتركيز على الإعمار بديلاً عن إنهاء الاحتلال ليس إلا صورة لذلك التوجه ومحاولة للابتزاز، واعتقد أن النموذج اللبناني والرفض الاسرائيلي للإعمار ماثل أمامنا، هذا ما يفرض على الجانب الفلسطيني اليقظة التامة لما يخطط له الأمريكي، وعلى كل حال فالأمريكي لم يكن في يوم من الأيام الا معاديا للشعب الفلسطيني ورافضا للحق الفلسطيني.
من واجبنا قراءة هذه المخاطر من خلال السّياق العام التي دخلت فيه المنطقة بعد السابع من أكتوبر، فالطوافان نجح في تقويض سياسة إدارة الصراع وعدم السماح بحل للصراع، واحتواء المقاومة، وأن الصراع غير قابل للتجميد وبدت القضية الفلسطينية بأوضح معانيها ودلالاتها واحتلت مكانتها في قلب الرأي العام والجامعات وتصدرت المحاكم الدولية، وبات قادة العدو مطلوبين إلى تلك المحاكم.
من هنا فإن القدرة على إدامة الجهد المبذول لإبراز صورة القضية واستثمار تلك التحولات يجب أن تبقى حاضرة في ذهننا حفاظًا على حقنا، فالعدو سيحاول بالإضافة إلى تلك المخاطر الإجهاز على ما تحقق من خلال التركيز على ما هو ثانوي على حساب ما هو رئيسي.
اعتقد أن خلق توافق فلسطيني على رفض المشروع الأمريكي بصيغته الحالية والسعي لمطالبة الجانب الرسمي العربي على تبني ذات الموقف من شأنه اجهاض بعض تلك المخاطر.

