Menu

جدلية النصر والهزيمة وخطر العدو الطبقي

اسحق أبو الوليد

بوابة الهدف

لم يحدث قطعيا على طول فترة وجود الكيان الصهيوني على أرضنا أن اختلف قادته العسكريين فيما بينهم أو كلاهما مع القيادتين العسكرية والسياسية حول مسألة: النصر. فعندما يختلف الجنرالات وكبار الضباط في  جيش العدو على تحديد مستوى وحجم إنجاز هذا " الجيش " فاعلم أنهم يشعرون بعدم الرضا والتقصير والهزيمة واليأس، على الأقل في داخلهم وهذا مقدمة انهيار، لم يأتي صدفة ولا من فراغ.

والأخبار اليومية والمواقف التكتيكية إما أن تخدم " ثقافة " الهزيمة والاستسلام وإما أن تخدم ثقافة النضال والصمود و المقاومة. في هذا الإطار ما زالت، وستبقى النقاشات والجدل والعراك السياسي والفكري لفتره طويلة يتمحور حول ما إذا الكيان الصهيوني " انتصر "، وهل حقق أهدافه على الأقل المعلنة، من حربه العدوانية الإبادية على غزة؟ و لماذا ما زالت هذه الحرب مستمرة بوتائر، تصعد أحيانا وتهبط أحيانا أخرى، وإلى متى؟ هل من أفق لوقفها؟. وما هو دور المقاومة، هل حققت أي من أهدافها أو راكمت إنجاز جديد؟ وهل هنالك نتائج تتناسب والتضحيات الهائلة التي قدمها شعبنا ومقاومته البطلة؟ وعشرات الأسئلة التي تطرح يوميا تعكس القلق والإهتمام الشعبي بما يجري، مما يخلق ظروفا موضوعية لصراع فكري إعلامي سياسي، كل طرف فيه من أطراف الصراع ومكوناته، يهدف إلى تعميق وتجذير روايته و استراتيجيته التي في جوهرها تنفي الآخر.

 إذا هو صراع ما بين من يريد تأسيس وتعميق وعي حقيقي، أي المقاومة، وبين من يريد حرف و تشويه وتحطيم هذا الوعي، العدو الصهيوامبريالي وأدواته. بعد حرب الإبادة الصهيوامبريالية في غزة ، تكوّن وعي حقيقي جماهيري جديد وخاصة في المجتمعات الغربية الرأسمالية، التي ولدت فيها الحركة الصهيونية الاستعمارية ، يؤيد ويدعم الحق التاريخي الفلسطيني في فلسطين، من النهر إلى البحر ، وهذا يعد " رصاصة الرحمة " على أكاذيب وتشويهات الحركة الصهيونية التضليلية. هذا التطور ينظر إليه في مراكز القرار الصهيوامبريالية على أنه ضربة في صميم الأيديولوجيا والميثولوجيا الصهيونية " اليهودية " مما يفرض ابتداع أدوات و وسائل جديدة، تتلائم والظروف المستجدة لإدارة الصراع في أهم ساحاته الشعبية والتي لها الكلمة الفصل في تحديد الموقف الاستراتيجي من وجود هذا الكيان القاتل الفاشي. هذه الخطوة تعتبرها الصهيونية، خطرا داهما على وجودها، وبالتالي على نفوذها في الأوساط الأكثر رجعية وغباء في هذه المجتمعات والذي سيعكس نفسه على مراكز القرار البرلمانية والحكومية، ويشكل خطرا عاما على وجودها ونفوذها وقوتها، وليس فقط على وجود كيانها في فلسطين.

هذا القلق مصدره إدراكهم، أن الرأي الشعبي العام في الغرب والأمريكيتين أخذ يميل سياسيا ومعرفيا لصالح الرواية الفلسطينية ما سيخلق ظروفا تسمح إلى قلب الواقع وتغيره بعد انكشاف الوجه الحقيقي للصهيونية وكيانها كأداة قتل وإبادة لشعب فلسطين وليس " كدوله لحماية وإنقاذ اليهود " من " أعداء " السامية المزعومين. هذا بحد ذاته إنجازا كبيرا وانتصارا للحق الفلسطيني دفع ثمنه غاليا الشعب الفلسطيني، وخاصة في غزة، وبكل انتماءاته ومكوناته، كما دفعت الثمن أيضا ارضه الغالية، الأم الأزلية، التي يتم حرقها بمئات آلاف الأطنان من القنابل لقتل خصوبتها و وفرة عطاءها.

ولكن من اجل تبهيت هذه الصورة والتقليل من حجم هذا الانجاز، هنالك بعض المتآمرين، و أصحاب الوعي المشوه، يعملون مع الإعلام المعادي من أجل إحداث مزيد من تشويه هذا الوعي. تراهم عندما يبدؤون الإجابة عن هذه الأسئلة، يبدأ من حيث يريد العدو أو من حيث هو يبدأ. أي أن ما أحدثه العدو من دمار وقتل وأسر واختطاف وتعذيب، وما حققه من " تمدد " سياسي وجغرافي، هو أساس محاكمتهم ل " جدلية النصر والهزيمة " ليصلوا إلى نتيجة "منطقية " يريدها العدو أصلا، لسان حالها يقول إن الكيان الصهيوني حقق انتصارات كبيرة " بتدميره لمحور المقاومة " بعد أن توفرت له الذرائع التي استغلتها اسرائيل " إلى أقصى الحدود. أي حسب ادعاءهم استغلت " اسرائيل الفرصة " التي منحته إياها حركة المقاومة الإسلامية " حماس " و معها كل قوى المقاومة الفلسطينية. وتسمعهم يصرخون صراخ المذعورين بأن خيار المقاومة قد فشل فشلا مدويا، وهذا بالضبط ما يريد أن يسمعه العدو. يا لهم من حمقى وسخفاء. أصحاب هذه الرؤية أو الذين يصلون إلى هذه النتيجة رغم أنهم ينتمون إلى ذات نهج الاستسلامي و تجمعهم منظومة أيديولوجية واحدة، إلا أنهم ينقسمون موضوعيا وذاتيا إلى قسمين، يكمل كل منهما الآخر: الأصليين و التابعين. الأصليين، يدعون الى الاستسلام منطلقين من مصالحهم الطبقية و للحفاظ على سلطتهم وامتيازاتهم التي يمنحها لهم المستعمر. هؤلاء يمثلون الطبقات والشرائح الحاكمة والمتنفذة في البلدان العربية. هؤلاء يمثلون نهج النظام - السلطة السائد رسميا على المستوى العربي، إنه نهج أيديولوجي طبقي طفيلي ميركنتيلي تتلاقى مصالحه مع النظام الرأسمالي العالمي بل يربط مصيره بمصير النفوذ الاستعماري لهذا النظام الاستغلالي . لذا يرى أصحاب هذا النهج في المقاومة " عبث " و" تخريب " وضرب " للمشروع الوطني والقومي " وللاستقرار والإزدهار. لا استغراب ولا مفاجئة في هذه القراءة لأن أصحاب رؤوس الأموال سواء النفطية أو الكومبرادورية التجارية بما فيها المال المغسول ملتزمين بمصالحهم على حساب المصلحتين الوطنية والقومية التي يدعون الالتزام بها والدفاع عنها. 

اما التابعين أو المثقفين المنظرين للواقعية. والعقلانية أي لبرامج وسياسات ممثلي البرجوازية اليمينية الرجعية، هم إفراز موضوعي لهذا الواقع، ولكنهم الأخطر بسبب مقدرتهم التبريرية و إمكانياتهم على قلب الحقائق ورسم صورة سوداوية لواقع مفترض. هم المرتزقة و " العملاء " المتطوعين المنظرين بلا أجر مباشر، و يعملون على رصف الطريق الذي يشقه أسيادهم " أصحاب نهج الاستسلام، مما يجعلهم الاحتياط التنظيري التكنوقراطي البيروقراطي العملي أحيانا والإداري أحيانا أخرى لإضفاء الطابع " الشعبي " على سياسات وبرامج الأنظمة غير الشعبية وغير الديموقراطية، ولخلق الأزمات وإدارتها. هؤلاء، كشريحة من شرائح البرجوازية، يتساوون موضوعيا مع المنخرطين، في التآمر على القضية بل هم الأكثر خطرا، وإن " بدون قصد " أو " بنيات حسنة "، على الفكر الثوري النضالي وعلى نهج المقاومة والتحرير والتحرر من الاستعمار وإيديولوجياته التي تكرس التخلف والتبعية.

المثال الأسطع في هذا السياق هو إصرار أعداء المقاومة ونهجها من مثقفين وإعلاميين ومستثمرين ورجال أعمال وحكام على "حشر " المواطن العادي والجماهير الشعبية " المحايدة " في زواريب التفكير بعواقب " العمل الثوري المقاوم ومخاطره " بل كونه عمل " تآمري مرتبط بالعدو " ويخدم استراتيجيته!!!!

الشهيد القائد الفذ والعبقري السيد حسن نصر الله، هو أول من تحدث عن مسألة مهمه تبرز حيويتها في هذه المرحلة التي نعيشها الآن تتعلق بمسألة " النصر ". حيث أكد في العديد من خطاباته قبل السابع من أكتوبر على أن الحرب المقبلة يريد فيها العدو " نصرا واضحا لا لبس فيه " وهذا يعكس عمق فهمه ورؤيته الصائبة لجوهر التحولات التي جرت في المنطقة، ولطبيعة حروب هذه المرحلة التي لا يملك فيها العدو ميزان قوى يميل لصالحه تماما كما في الماضي. أي ميزان قوى يسمح للعدو الصهيوني تحقيق إنجازات عسكريه سريعة كما كان يحصل في الماضي تؤمن له ضمانات أمنية و وجودية لمستقبله في فلسطين والمنطقة.

لذا عدم استطاعة العدو تحقيق " نصرا واضحا لا لبس فيه "، خلال ما يقارب الثلاث أعوام من حرب إبادة لم يشهد مثلها التاريخ الإنساني الحديث، هو تأكيد على تآكل قدرة عصابات جيش الكيان على الحسم. من أجل ترسيخ هذه الحقيقة وتعزيزها وتعميقها هنالك أمثلة من واقع حروب الكيان الصهيوني التي شنها على الشعب الفلسطيني وشعوبنا العربية، حروب مرتبطة باستراتيجيته الإحلالية التوسعية الاستعمارية.

إن الوضع الحالي متحرك وبشكل سريع، حركة هذا الواقع تلازمه حركة انزياح لمفاهيم ومقولات و سقوط بعض المسلمات بسبب تبدل واضح في موازين القوى المحلية والعالمية، لم تصل بنا بعد بأن نحقق الهزيمة التامة في العدو الذي أكدت الأحداث أن هزيمته ممكنة، بعد أن تم كسر أهم ركيزتين تأسس عليها  جيشه  . فنحن مقبلين على معارك إعلامية وسياسيه وفكرية ومطلوب منا خوضها بجسارة وتضحية وجرأة تضاهي تضحيات وجرأة المقاتلين الأبطال في غزة .