Menu

إسهامات "الشعبية" في حلحلة أزمة اليسار العربي

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

"إن أهم المشكلات التي أدّت باليسار العربي إلى أزمته، وبالتالي إلى عدم إنتاج وعي مطابق لحركة الواقع العربي، هو اعتماده بالدرجة الأولى على استعارة مقولات نظرية جاهزة، أنتجتها الأحزاب الماركسية العالمية...وإسقاطها على واقعنا، دون النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكالياته".

هكذا كثف القائد المؤسس الراحل جورج حبش ، في مقاله المطول المعنون بـ "أزمة اليسار العربي.. إلى أين؟"، هذه الأزمة التي برزت في العقد الثالث من القرن العشرين. أقدم الحكيم على تفكيك العُقد المتشابكة بتحليلات علمية موضوعية لم تقتصر على المقال المذكور، بل امتدت قبل ذلك في مقالات ومواقف تعود إلى مطلع ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت الساحة العربية تغص بمشاريع تسووية بعد النكبة 1948 ونكسة حزيران 1967 التي وجهت ضربة قاصمة للمشروع القومي بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لم تتمكن القوى القومية واليسارية من تجاوزها حتى الوقت الراهن، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها. هدفت تلك المشاريع إلى تكريس دولة الاحتلال كحالة قائمة وقد رأى الحكيم، أن أزمة اليسار العربي تكمن في العجز عن فهم طبيعة العدو الصهيوني، والرهان على التسويات الخادعة، كما حصل في اتفاق أوسلو بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني الذي وقع في سبتمبر/ أيلول 1993، وتشرذم الصف المقاوم، وتأثير انهيار المعسكر السوفيتي، والفشل في مواجهة الاستبداد المحلي، مما أدى إلى تراجع الدور النضالي للتحرر من الاستعمار، وتغليب الخلافات الأيديولوجية على الوحدة. وأكد على أهمية ودور الوعي السياسي العميق كشرط أساسي لتجاوز الأزمة نحو النجاح والانطلاق من جديد، وفقاً لمبادئ القومية واليسارية المتجذرة في المقاومة المسلحة والعروبة.

هكذا رأى الراحل جورج حبش الأزمة والطريق الطويل إلى حلها. فهو الذي خبر الأوضاع السياسية والاجتماعية في فلسطين والمنطقة العربية منذ ما قبل النكبة، وحين حلّت لم يقف مكتوف اليدين، بل تداعى مع مجموعة من المناضلين الذين اكتووا بنار النكبة ليتحركوا لمواجهة الواقع الجديد الذي نكبت به الأمة وبفلسطين، فكان العمل على تأسيس حركة القوميين العرب على أيدي مجموعة من الطلبة المناضلين المؤمنين بوحدة الأمة وبتحرير فلسطين، ويدرسون في جامعة بيروت الأميركية يتقدمهم جورج حبش ووديع حداد وصالح شبل والحكم دروزة وعدنان فرج، من فلسطين، وحامد الجبوري من العراق، وهاني الهندي وثابت المهايني من سوريا، ومحسن إبراهيم ومصطفى بيضون من لبنان، وأحمد الخطيب من الكويت ، وعمر فاضل وهو ابن مغترب عربي من الكاميرون، وفق كتاب "المسيرة التاريخية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، الصادر عن الدائرة الثقافية المركزية للجبهة.

كان لدى المجموعة المؤسسة لحركة القوميين العرب قناعة تامة بأن ضياع فلسطين بهذه السهولة والبساطة أمر يستفز كل شيء فيهم، بل كل ذرة من ذرات وجودهم، كأفراد وكفريق، وفق قول هاني الهندي، أحد أفراد المجموعة في كتابه المشترك مع عبد الإله نصراوي "حركة القوميين العرب.. نشأتها وتطورها 1951الى 1968"، ولم يكن لديهم استعداد لسماع "شنشنات" أولئك الذين بدؤوا ينخرون في جسد القضية وبدؤوا في المساومة في اللحظة الأولى التي تكشفت فيه نتائج النكسة، بل أعلنوا رفضهم للواقع العربي المتخاذل والذي كان بعضه متآمراً وبعضه الآخر متفرجاً على ما آلت إليه الأوضاع العربية بعد أن تم احتلال فلسطين بالكامل.

وإذا كانت حركة القوميين العرب انبثقت كرد طبيعي وموضوعي على نكبة 1948، فإن انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول 1967، قد جاء من رحم حركة القوميين العرب، وكرد طبيعي وموضوعي أيضاً على نكسة الخامس من حزيران 1967، ليدشن تاريخاً جديداً ومنعطفاً جدياً على الساحة الفلسطينية أولاً والساحة العربية ثانياً، وتلازم الساحتين الذي لا تزال الجبهة تراه ضرورياً لشرط فعل الانتصار، ذلك أن مسألة الوحدة العربية التي ابتعدت مسافات طويلة عن التحقق هي ضرورية لتعبيد طريق تحرير فلسطين.

كانت فلسطين ولا تزال بوصلة القوميين العرب باعتبارها القضية المركزية للأمة، "وقد أدرك المؤسسون منذ البداية الترابط بين قضية فلسطين وبعدها القومي، فهي عنصر فاعل في التغيرات والتطورات التي تجري على امتداد الساحة العربية، لذا لا بد من وضع رؤية قومية شاملة للصراع مع أعداء الأمة العربية، وقراءة المتغيرات التي تفرضها وانعكاساتها على قضية فلسطين"، وفق ما يدعو له الرفيق صلاح صلاح، أحد القيادات التاريخية للجبهة الشعبية، في كتابه "فلسطين في الفكر السياسي لحركة القوميين العرب"، الصادر في تموز 2024.

عندما تأسست الجبهة الشعبية، اعتبرت نفسها الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب، ووضعت على عاتقها مهام قومية تتعلق بالتواصل مع فروع حركة القوميين العرب لتشكيل رافعة قومية للانتقال من حالة الهزيمة والخذلان إلى حالة النهوض من هذه الكبوة، وقد تصرفت على هذا الأساس، فكان المناضلون العرب من فروع الحركة في لبنان و سوريا والخليج متواجدين في الكثير من القطاعات التنظيمية للجبهة ومنها القطاعات السياسية والثقافية والإعلامية، وكان يجرى التعامل معهم على أنهم جزء من الجسد التنظيمي "القومي" بشكل أو بآخر، وهو تعاط ضروري لاستنهاض مقدرات الأمة لتقديم مشروع نهضوي عربي من شأنه أن ينجز متطلبات المرحلة الآنية والمستقبلية والمتمثلة في تجسيد الشعارات التي رفعتها الحركة "وحدة، تحرر، ثأر"، ثم شروع الجبهة إعادة تركيب المشهد بما يتوافق مع متطلبات المرحلة والبدء في الانطلاق للعمل على توفير الشروط اللازمة لإنجاز المهمات المرحلية.

وحيث كان العدو الصهيوني هو الهدف، فقد كان لـ "العمليات الخارجية" التي قادها الراحل د. وديع حداد (أبو هاني) دوراً مهماً في إبراز مظلومية الشعب الفلسطيني وتسليط الضوء على قضيته. كانت العمليات تتتالى في خطف الطائرات الصهيونية وملاحقة الصهاينة تحت شعار "وراء العدو في كل مكان"، وهو الأمر الذي قض مضاجع الصهاينة وجعلهم يعيشون في قلق مستمر، بعد أن ذاقوا مرارة عملية مطار اللد، وعملية "اير فرانس"، وعملية مطار عنتيبي وغيرها من العمليات التي قادت إلى الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين. لكن وديع حداد الذي تصنفه الدوائر الصهيونية والغربية بأنه أكثر العقول الفلسطينية دهاء، خطط للإفراج عن الحكيم جورج حبش الذي كان معتقلاً في سوريا بعد عام من انطلاقة الجبهة وعدم تمكنه من حضور المؤتمر الأول في 1968 والذي حدث فيه انشقاق "الجبهة الديمقراطية التي كان يتزعمها نايف حواتمة لعدة عقود. لقد تمكن حداد من تحرير الحكيم من السجون السورية، ليعود الأخير لممارسة مهماته النضالية كقائد للجبهة الشعبية.

كان العدو، وبعد العملية التي خطط لها وديع حداد ونفذتها عناصر من الجيش الأحمر الياباني، قد قرر التخلص من الناطق باسم الجبهة الشعبية الشهيد غسان كنفاني ، الذي كان يتبوأ أيضاً منصب رئيس تحرير مجلة الهدف، لسان حال الجبهة والتي يقع مقرها في كورنيش المزرعة ببيروت. خطط الصهاينة لعملية الاغتيال من خلال وضع عبوة في سيارة كنفاني عام 1972، مما أدى إلى استشهاده وابنة أخته عندما هّم بتشغيل سيارته.

أزمة يسار أم في مكان آخر؟

مع تعقد المشهد الفلسطيني والعربي وشروع قيادة منظمة التحرير إلى التسويات الخاسرة، خصوصاً بعد خطاب "غصن الزيتون" الشهير لرئيس المنظمة، الراحل ياسر عرفات، لم يكن أمام الجبهة الشعبية إلا مواجهة نهج التنازل عن الحق الفلسطيني في التحرير والعودة لكامل التراب الوطني الفلسطيني بكل السبل مع التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني، فأقدمت الجبهة على صياغة تحالفات عربية ودولية تجسيداً للتوجه الأممي المنطلق من التحول إلى حزب ماركسي لينين ي يؤمن بالاشتراكية العلمية. كان الاقتراب أكثر من المعسكر الاشتراكي الذي يدعم القضية الفلسطينية على مستويات عدة ومنها التدريب والدورات العسكرية والبعثات الدراسية الأكاديمية للطلبة والدعم اللوجيستي. قادت هذه التطورات إلى موازنة الجبهة بين التباينات داخل حركة التحرر العربية إزاء قضايا شائكة، مثل: الدولة الفلسطينية المستقلة أم كامل التراب الوطني الفلسطيني، وقضية الصحراء الغربية، ومسألة التدخل السوفيتي في أفغانستان، وحق تقرير المصير للشعب الأرتيري أو ضم أثيوبيا لهذه الدولة. وجميعها قضايا خلافية عانت من تداعياتها حركة التحرر العربية بشقيها الشيوعي و"الماركسيين الجدد" بما فيهم اليسار القومي.

ومع انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي، دخلت حركة التحرر العربية، وخصوصاً الشيوعيين المرتبطين بالاتحاد السوفيتي، في حالة من التيه والضياع بسبب فقدان المرجعية والدعم السياسي والمادي القادم من الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية. كانت الأزمة مضاعفة في الأحزاب والقوى الشيوعية المحسوبة على الاتحاد السوفيتي، التي فوجئت بفقدان الدعم دون الاستعداد لهذا الانقلاب الكبير في الموقف، ما قاد بعضها إلى التحول إلى هوامش في حركة التغيير نظراً للهزة العنيفة التي تعرضت لها، فيما حاولت بعض الأحزاب والقوى المحسوبة على الخط السوفيتي إعادة التموضع وترتيب أوضاعها الداخلية، ومنها من قدم تنازلات جوهرية من أجل البقاء فعقد صفقات، أغلبها لم تكن معلنة، لكنها غير متوازنة مع الأنظمة الحاكمة.

كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جزءاً من هذه الحالة المتغيرة، لكن المسؤوليات الملقاة على عاتقها أكبر من مسؤوليات القوى الوطنية الفلسطينية الأخرى، نظراً لامتدادها وعلاقاتها بحركة التحرر العربية والعالمية، فكانت مسؤولياتها مضاعفة حدت منها تعقيد المشهد الفلسطيني الداخلي وانزلاق قيادة منظمة التحرير إلى فخاخ التسوية الخاسرة التي بدأتها باتفاق أوسلو ولم تنته بإعلان قيام السلطة الفلسطينية التي لم تتردد من اعتقال الأمين العام للجبهة الشعبية الرفيق أحمد سعدات والرفاق الآخرين وتسليمهم جميعاً لسلطات الاحتلال تنفيذاً لبنود التنسيق الأمني الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى.

لا شك أنها أزمة في قلب حركة التحرر العربية التي تعاني من القمع والإقصاء منذ عقود طويلة تحولت فيها موازين القوى المجتمعية إلى قوى أخرى وجد بعضها دعماً من الأنظمة، خصوصاً الكبرى، لمواجهة اليسار العربي، كل في بلده، ما أدى للدخول في أزمة حادة على كل المستويات أدت إلى ضمور دوره وتحجيمه وإخراجه من معادلة الصراع لحساب القوى الأخرى، ومنها بعض قوى الإسلام السياسي.

لكن طوفان الأقصى أعاد عملية الاصطفاف، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وانكشفت المواقف على حقيقتها، فوقفت الفصائل الوطنية الفلسطينية ومعها القوى العربية وجماهير الأمة مع المقاومة التي تواجه الاحتلال، بينما وقف المتواطئون، قوى وأنظمة، مع أعداء الأمة وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، لتدخل الأمة في منعطف جديد عنوانه الأبرز: فلسطين عنوان الصراع وهي القضية المركزية للأمة، وهو نفس الشعار الذي كانت حركة القوميين العرب وبعدها الجبهة الشعبية تسعى من أجل تجسيده على أرض الواقع.

إن حركة اليسار العربي ومعها حركة التحرر العربية بكافة أطيافها بحاجة ماسة لإعادة قراءة المعطيات الذاتية والموضوعية الراهنة وتحليلها بموضوعية والخروج بتصورات قادرة على نسج علاقات من طراز جديد، أفقها خلق التحالفات السياسية المؤمنة بمركزية القضية الفلسطينية في الصراع الحضاري الذي يخاض ضد العدو الصهيوني من أجل وقف زحفه على المنطقة العربية، وربما مسألة مقاومة التطبيع والمقاطعة الفعالة للكيان وداعميه تكون الخطوة الممهدة للانطلاقة الكبرى، وقد أسهمت الجبهة الشعبية بقسطها في أتون الأحداث الأخيرة مما يساعد على فعل إضافي على المستويين الفلسطيني والعربي لإحداث الاختراق المطلوب.