تدور في أذهان أصحاب الشأن السياسي والوطني والنضالي تساؤلات عديدة حول ما ستؤول عليه الأمور والأحداث في ساحتنا الفلسطينية تحديداً و العربية عموماً ، بعد مضي نحو 15 شهرا من الحرب المدمّرة في غزة على وجه الخصوص والضفة الغربية ثانياً والمنطقة ثالثا. وهل يمكن البناء على ما تحقق؟ وما المطلوب من قوى المقاومة؟ إن تزاحم التصريحات والمقترحات والمبادرات بشأن المرحلة الثانية من خطة ترامب المتعثرة والمتهاوية تحت أقدام نتنياهو وقادة حربه ، بعد خروجها عن السكة والمسار الذي كان يطمح إليه هذا الأخير وقادة اليمين معه ، يدفع بالضرورة لوضع استراتيجية تتناسب مع سمات وتطورات هذه المرحلة وهذه المبادرات. وقبل الغوص بما هو مطلوب والحديث عن هذه الاستراتيجية الجديدة لمواجهة تفاقم التعنت الصهيوني للقبول بأي حل سياسي ، وإدارة الظهر من قبل المجتمع الدولي لما تُرتكب من جرائم بحق الإنسانية من قبل دولة الكيان المارقة ، لا بد من الوقوف أمام عوامل انتصار الثورات وهزيمتها. إن بالعودة إلى تجارب الثورات التي انتصرت على مستعمريها، وتلك التي أسقطت أنظمة الطغاة والدكتاتورية ؛ نجد أن هذه الثورات استخدمت أشكالا عديدة من النضال والمقاومة لتحرير الأوطان ؛ أبرزها الكفاح المسلح وحرب العصابات ، كما حدث في الثورة الفيتنامية والثورة الكوبية والصين وأفغانستان، والولايات المتحدة والجزائر. كما لجأت الكثير من الثورات إلى أشكال أخرى من المقاومة السلمية واللاعنفية كتلك التي اتبعها القائد الهندي جواهر لالا نهرو في مواجهته للمستعمر البريطاني للهند، وتلك الاضطرابات والاعتصامات التي قامت بها "حركة الحقوق المدنية الأمريكية" في الولايات المتحدة ، وتلك التي حدثت في جنوب أفريقيا لمقاومة نظام الفصل العنصري "الأبارتيد" . إضافة هناك أشكال أخرى للمقاومة تراوحت ما بين العصيان المدني والإضراب العام و المقاومة الثقافية والمقاطعة الاقتصادية إلى ضرب المصالح وكسر الحصار ؛ كما حدث في غزة مؤخراً مع أسطول الصمود وما سبقه. وقدمت الانتفاضة الفلسطينية نموذجا فريداً من المقاومة استخدمت فيه الحجارة والزيت المغلي والماء الساخن وحرق الإطارات وزرع الشراك والزجاجات الحارقة ، هذا النموذج الذي حقق كثيرا من الإنجازات الوطنية، وأوصلت صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم ، ونظمت سردية فلسطينية واقعية في مواجهة السردية الصهيونية الكاذبة ،وكان قد سبقها وتلاها العمليات الفدائية ومنها الاستشهادية تحت شعار " العاصفة شعلة الكفاح المسلح " و " وراء العدو في كل مكان " و " الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيك " و " نصر أو استشهاد " و " ثورة حتى تحرير الأرض والإنسان " ، إلى أن جاء "طوفان الأقصى" الذي شكل انعطافه تاريخية ليست عسكرية فحسب ، بل أسس لمرحلة جديدة تغيّرت فيها قواعد الاشتباك والمعادلات السياسية وأيقظت من جديد الوعي الوطني للجماهير، وأجّجت المشاعر الثورية في الشارع العربي ، بعد فترة شهدت اعتداءات واغتيالات إسرائيلية متكررة طالت العديد من القادة والمناضلين ، ومصادرة الأراضي واقتحام البلدات والمخيمات في الضفة الغربية ؛ لتطوي بجدارة صفحة اتفاقات أوسلو البائسة.
تأسيسا على ذلك، فإن عوامل انتصار الثورات تكمن أولاً بوجود برنامج سياسي واضح الرؤية والأهداف ، ويتبنى كافة أشكال المقاومة وأبرزها الكفاح المسلح ؛ لأننا أمام عدو عنصري إحلالي إجلائي توسعي يعتبر وجودنا نقيضا لوجوده فإما "نكون أو يكون". وقد أثبتت تجارب الشعوب أن" الحديد لا يُفلْ إلا بالحديد ". وكما قال الزعيم جمال عبد الناصر بعد نكسة حزيران ١٩٦٧ " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة " ، دون أن يعني ذلك تجاهل الأشكال الأخرى من المقاومة السلمية . فالمقاومة الثقافية تهدف إلى المحافظة على الهوية الوطنية وإبرازها، وهذه تلقي بالمسؤولية على الفنانين والمثقفين والكتاب والمؤثرين، لنسج رواية فلسطينية حقيقية تقوم على الأدلة والبراهين والشواهد لتاريخ ونضال الشعب الفلسطيني ، من شأنها دحض الزيف والنفاق الصهيوني ، الذي عملت عليه الحركة الصهيونية في كافة أرجاء العالم وجعلت من "العداء للساميّة" قميص عثمان ، وتعمل على فضح جرائم الإبادة وإرهاب الدولة الذي تمارسه دولة الكيان. هذه المقاومة تتم من خلال اللوحة والقصيدة والرواية والمقال والندوة والمحاضرة والمسرحية والصورة المرئية. وهناك أيضا المقاومة السياسية والدبلوماسية المناطة بسفرائنا وممثلينا إلى العالم. وهذا الشكل من المقاومة يستوجب إقامة أوثق العلاقات مع الأحزاب والحركات والهيئات الشعبية والنقابات والاتحادات المهنية والشخصيات الوطنية في كافة دول العالم ، والعمل معها على تنسيق فعاليات نضالها ومواجهة وتفنيد الدعاية الصهيونية ؛ ومثال ذلك ما قام به السفير حسام زملط في بريطانيا و السفير إيمانويل حساسيان في الدنمارك اللذان تحدثا بثقافة تلك البلاد ، وقدما صورة وسردية مقنعة للعالم ؛ كانت كفيلة بالحصول على تأييدهم ودعمهم لقضيتنا وإدانتهم لجرائم الإبادة التي ارتكبها الكيان ، ما زاد عزلته الدولية. أما المقاطعة الاقتصادية فهي شكل آخر من المقاومة، وتقع مسؤوليتها على أبناء الشعب كافة، وعلى أصحاب الشركات والأعمال والمصانع والفعاليات التجارية.
أما ثاني عوامل الانتصار يفترض وجود بنية تنظيمية متماسكة تحكمها حياة ديموقراطية قابلة للتجدد محصنة ومنيعة على الاختراق. ثالثا، توفر قيادة واعية حكيمة قادرة على التخطيط الجيد وتقدير المواقف ، ولديها مرونة التعامل مع المستجدات والظروف الطارئة ، واستثمار الإنجازات العسكرية وتحويلها إلى انجازات سياسية تخدم الأهداف والمصالح العليا للشعب ، وتملك القدرة على توظيف التكتيك المناسب بما يتناسب والمرحلة ، وتعمل على تحشيد الدعم الدولي للقضية في كافة المجالات. ورابع هذه العوامل ، وجود إدارة إعلامية قادرة على تعبئة الجماهير وتوعيتها وتأطيرها والاستفادة من إمكاناتها ، وقادرة على تسويق نضالات المقاومة وانتصاراتها بما يخدم استراتيجية الثورة ، وقادرة أيضا على استخدام الحرب النفسية لاستنزاف معنويات العدو وتعميق أزماته وخلافاته وانقساماته ، وتسليط الضوء على نقاط ضعف العدو وخسائره ، و إبراز قدرة الجماهير على الانتصار ، و قدرة المقاومة على تحقيق المفاجأة. خامساً ، توفر حاضنة شعبية قادرة على حماية المقاومة ورفدها بالكوادر المؤهلة لقيادة العمل الوطني. ويبقى عامل الوحدة الوطنية بين مختلف فصائل العمل الوطني العامل الأبرز والأهم هنا.
إن الافتقاد إلى الاستراتيجية النضالية التي تسعى إلى تنفيذها قيادة واعية وحكيمة قادرة على قراءة المستقبل ، والتأقلم مع كافة الظروف والتحديات المحيطة ، وغياب البرنامج السياسي الواضح ، وضعف الهيكلية التنظيمية والإدارية، وغياب التشاركية في القرار والعمل الجماعي؛ يؤدي إلى تفشي الممارسات اللا ثورية والفساد ، ويؤدي بالنتيجة إلى فقدان الحاضنة الشعبية وبروز الخلافات والانقسامات والصراعات الداخلية ؛ ما يعزز فرص الهزيمة والانكسار أمام العدو.
مع استمرار الحرب حتى يومنا هذا، ومع اتضاح نوايا نتنياهو وحكومته، ومع تزايد دعوات نزع سلاح المقاومة من كافة الأطراف الإقليمية والدولية ؛ لا بد من وقفة تأملية ناقدة لما آلت عليه الأمور ، ولا بد أيضا، من نظرة مستقبلية تضع إستراتيجية نضالية مقاومة. ليس فقط على صعيد الساحة الفلسطينية، بل في الساحة العربية أيضا ؛ فالمطلوب من الأنظمة والحكومات العربية مغادرة سكة التطبيع مع الكيان، ووضع استراتيجية دفاعية للدفاع عن أوطانهم ومواجهة المشاريع والمخططات الإسرائيلية. أما فلسطينيا فالمطلوب وضع استراتيجية تتبنى كافة أشكال المقاومة السلمية والشعبية والمسلحة بعد دراسة موازين القوى بدقة ، وتحديد معسكر الأصدقاء والأعداء ، وتحديد أدوات المواجهة ، والبناء على ما تم إنجازه من جراء هذه الحرب واستثماره سياسيا ؛ دون أن يعني ذلك التخلي عن الأهداف والمبادئ التي انطلقت على أساسها الثورة، وتضمنها الميثاق الوطني الفلسطيني ، وأسست منظمة التحرير الفلسطينية بموجبه. مع الأخذ بعين الاعتبار أهداف المشروع الصهيوني التي لا تقف عند حدود الضفة الغربية وغزة و فلسطين عموماً ، بل سعي قادة الاحتلال إلى تحقيق حلم
" إسرائيل الكبرى " ؛ وذلك بالسيطرة على مناطق تصل إلى أواسط السعودية و الكويت مرورا بالأردن وسوريا ولبنان والعراق، وعدم المراهنة على أية مفاوضات، لا تأخذ بعين الاعتبار تحقيق الأهداف الوطنية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ، ونيل الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.
ويبقى القول ، أن حرباً بهذا الإجرام وهذا التدمير، وبهذه الإبادة المتعددة الأشكال - والتي لم تعشها البشرية طوال عقود عديدة، سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية - لم ولن تضعف عزيمة وإرادة شعبنا ومقاومته في الاستمرار بالمقاومة ؛ هذا الحق المشروع كفلته كافة المواثيق والشرائع الدولية، سيما ما جاء بالمادة(٥١) من ميثاق الأمم المتحدة.

