Menu

العالم مع غزة

صفي الله الحسيني

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

في تاريخ الإنسانية محطات حاسمة لا تقاس بامتدادها الزمني، بل بما تتركه من أثر عميق في الوعي الجمعي للبشر. هي لحظات يتوقف فيها الإنسان أمام ذاته، لا بوصفه فردا معزولا، بل بوصفه جزءا من عالم أوسع، ويسأل نفسه بصدق مؤلم: ما موقفي من هذا الألم؟ وما القيمة الحقيقية لإنسانيتي إذا بقيت مجرد شعور صامت؟ ما تشهده غزة في هذه المرحلة هو من تلك اللحظات الفارقة التي لا تسمح بالمرور العابر، لأنها لا تختبر السياسات الدولية فحسب، بل تمتحن جوهر الضمير الإنساني في أعمق مستوياته. غزة، في معناها الجغرافي، ليست سوى مساحة محدودة على الخريطة، لكنها في معناها الإنساني تحولت إلى رمز كثيف للمعاناة والصمود معا. هي ليست دولة عظمى، ولا تمتلك نفوذا سياسيا مؤثرا، ولا تملك أدوات القوة التي يفاخر بها العالم المعاصر. يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان في ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية منذ سنوات طويلة، تحت حصار مستمر جعل الحياة اليومية معركة بحد ذاتها. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، لم تعد غزة مجرد مكان يعاني، بل أصبحت مسرحا مفتوحا لألم إنساني غير مسبوق في كثافته ووحشيته.

 

القصف الذي تعرضت له المدينة لم يفرق بين حي سكني وآخر، ولا بين بيت بسيط ومبنى عام، ولا بين مدرسة يفترض أن تكون ملاذا للأطفال ومستشفى ينتظر منه إنقاذ الأرواح. تحولت البيوت إلى ركام، والشوارع إلى مساحات للخوف، والمستشفيات إلى أماكن تعج بالجرحى دون إمكانات كافية للعلاج. آلاف العائلات فقدت منازلها، وآلاف الأطفال فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وكثيرون وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى ولا أمان ولا أفق واضح للمستقبل. ما يضاعف من قسوة هذه المأساة أن العالم لم يعد يتلقاها عبر تقارير جافة أو أرقام مجردة، بل عبر صور حية تنقل تفاصيل الألم لحظة بلحظة. وجوه الأطفال، صرخات الأمهات، عجز الطواقم الطبية، مشاهد النزوح الجماعي، كلها أصبحت حاضرة في الشاشات والهواتف، تدخل البيوت في مختلف أنحاء العالم، وتكسر الحواجز الجغرافية والنفسية. هذه المشاهدة المباشرة فرضت سؤالا أخلاقيا حادا: هل يمكن لإنسان يرى هذا كله أن يبقى غير معني؟

 

اللافت في هذه اللحظة التاريخية أن قطاعات واسعة من شعوب العالم لم تختر الصمت. منذ الأيام الأولى، خرج الناس في مدن مختلفة ليعبروا عن رفضهم للعنف غير المبرر، وعن تضامنهم مع المدنيين الذين يدفعون ثمن صراعات لا يملكون قرار إشعالها ولا إيقافها. في شوارع أوروبا، امتلأت الساحات العامة بالمتظاهرين، رجالًا ونساء، شبابا وكبارا في السن، تجمعهم قناعة أخلاقية مشتركة بأن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. في لندن، تكررت المسيرات الكبرى، وشارك فيها مئات الآلاف، في مشهد يعكس حجم التعاطف الشعبي مع معاناة غزة. وفي مدن أخرى مثل باريس وبرلين ومدريد وروما، خرجت تظاهرات مشابهة، رافعة شعارات تطالب بوقف القتل واحترام حياة الإنسان. كثير من هؤلاء المتظاهرين لم تكن لهم علاقة مباشرة بالمنطقة، لكنهم شعروا أن الصمت في هذه اللحظة هو تخلي عن أبسط المبادئ الإنسانية.

 

أما في الولايات المتحدة، فقد بدا المشهد أكثر تعقيدا، نظرا للفجوة الواضحة بين الخطاب السياسي الرسمي وصوت الشارع. في مدن كبرى مثل نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس، خرج آلاف المحتجين مطالبين بوقف فوري لإطلاق النار، ومؤكدين أن الدفاع عن حياة المدنيين لا يتناقض مع أي قيمة أخلاقية أو إنسانية. ورغم الضغوط الإعلامية والاتهامات التي وُجهت إلى بعضهم، فإن الإصرار على الاستمرار في الاحتجاج عكس شعورا متناميا بأن الصمت لم يعد خيارا مقبولا. في مناطق أخرى من العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، اتخذ التضامن مع غزة طابعًا وجدانيًا خاصا. شعوب عانت طويلًا من الاستعمار والقمع والعنف السياسي رأت في ما يحدث للفلسطينيين صورة مألوفة من معاناة عاشتها بنفسها في مراحل مختلفة من تاريخها. هذا الشعور المشترك بالألم جعل التضامن أكثر عمقا وصدقا، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.

 

وسط هذا الحراك العالمي، برز دور الجامعات بوصفها فضاءات حية للنقاش الأخلاقي والفكري. في كثير من الحُرُم الجامعية، نظم الطلاب اعتصامات ووقفات احتجاجية، مطالبين بمواقف واضحة تنسجم مع القيم التي تدرس في قاعات المحاضرات. لم يكن احتجاجهم تعبيرا عن موقف سياسي تقليدي، بل محاولة لربط المعرفة بالمسؤولية الأخلاقية. تساءل كثير من الطلاب عن معنى التعليم إذا بقي منفصلًا عن آلام البشر، وعن قيمة البحث العلمي إذا عجز عن الانحياز للإنسان في لحظات المحنة. بعض الأكاديميين شاركوا طلابهم هذا القلق، مؤكدين أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تعليمية محايدة، بل فضاء يفترض أن يُنمّي الحس النقدي والضمير الأخلاقي. ورغم الضغوط التي مورست على هذه التحركات، فإنها كشفت عن حيوية جيل شاب يرفض القبول بالسرديات الجاهزة. إن الحضور القوي للشباب في موجة التضامن العالمي مع غزة لم يكن ظاهرة عابرة أو انفعالية، بل كان تعبيرا عن تحول عميق في طريقة تشكّل الوعي الإنساني في العصر الرقمي. هذا الجيل نشأ في عالم مفتوح على مصادر متعددة للمعلومة، ولم يعد يعتمد على خطاب إعلامي واحد أو رواية رسمية واحدة. لقد أصبح قادرًا على المقارنة، وعلى التشكيك، وعلى بناء موقفه الخاص انطلاقًا من صور حية وشهادات مباشرة. من هنا، لم تعد غزة بالنسبة له مجرد عنوان سياسي بعيد، بل تجربة إنسانية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، تناقش في القاعات الدراسية، وعلى منصات التواصل، وفي الفضاءات العامة.

 

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في كسر الاحتكار التقليدي للسرد. الصور القادمة من غزة، ومقاطع الفيديو القصيرة التي توثق لحظات الألم والخوف والفقدان، انتشرت بسرعة هائلة، وأعادت تشكيل الرأي العام العالمي. هذا الانتشار لم يكن مجرد نقل للمعلومة، بل خلق حالة من التفاعل العاطفي والفكري في آن واحد. كثير من المستخدمين لم يكتفوا بالمشاهدة، بل حاولوا الفهم والتحليل، وربط ما يحدث بقضايا أوسع تتعلق بالعدالة الدولية، وحقوق الإنسان، ومعايير الأخلاق في زمن الحروب. هذا التفاعل الرقمي ساهم في خلق مساحة عالمية مشتركة، تجاوزت الحدود الجغرافية والثقافية. في هذه المساحة، أصبح الألم الإنساني مفهومًا مشتركًا، وأصبح الصمت محل مساءلة. لم يعد من السهل تجاهل المأساة أو التعامل معها بوصفها شأنًا محليًا لا يخص إلا أهلها. غزة، بهذا المعنى، خرجت من إطارها الجغرافي الضيق لتصبح قضية إنسانية عالمية، حاضرة في النقاش العام، ومؤثرة في تشكيل الوعي الأخلاقي لجيل كامل.

 

في مقابل هذا الحراك الشعبي الواسع، برز التناقض الصارخ بين مواقف الشعوب ومواقف كثير من الحكومات. هذا التناقض لم يمر دون ملاحظة، بل أصبح موضوعًا للنقاش والنقد في الإعلام والجامعات والمنتديات الفكرية. كثيرون تساءلوا عن معنى القيم التي يرفعها العالم المعاصر، وعن مدى التزامه الفعلي بمبادئ حقوق الإنسان عندما تتعارض مع المصالح السياسية. هذا السؤال لم يكن موجها إلى جهة بعينها، بل إلى المنظومة الدولية ككل، التي بدت عاجزة عن ترجمة خطابها الأخلاقي إلى أفعال ملموسة. إن هذا التباين بين الضمير الشعبي والقرار السياسي كشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدولي المعاصر. فبينما يزداد وعي الشعوب بأهمية الكرامة الإنسانية، تظل آليات اتخاذ القرار محكومة بحسابات القوة والنفوذ. غزة، في هذا السياق، تحولت إلى مرآة تعكس حدود الخطاب الأخلاقي الرسمي، وتكشف المسافة بين ما يُقال وما يُمارس. هذه المسافة هي التي دفعت كثيرين إلى إعادة التفكير في مفهوم العدالة الدولية، وفي دور المؤسسات العالمية في حماية المدنيين أثناء النزاعات.

 

من الناحية الأخلاقية، تطرح مأساة غزة سؤالا جوهريا حول معنى الإنسانية في زمن الحروب الحديثة. هل تظل حياة المدنيين قيمة عليا لا يجوز المساس بها، أم أنها تصبح مجرد تفصيل ثانوي في صراع المصالح؟ هذا السؤال ليس نظريا، بل يتجسد يوميًا في مشاهد الدمار، وفي معاناة الأطفال والنساء وكبار السن. إن الإصرار الشعبي العالمي على التضامن مع غزة يمكن فهمه بوصفه محاولة جماعية للإجابة عن هذا السؤال، ومحاولة للدفاع عن فكرة بسيطة لكنها جوهرية، وهي أن الإنسان يجب أن يبقى في مركز أي نظام أخلاقي. كما أن هذا التضامن يعكس رفضا متزايدا لتطبيع العنف. كثير من الشعارات التي رفعت في المظاهرات لم تكن سياسية بقدر ما كانت أخلاقية، تطالب بوقف القتل، وبحماية الأبرياء، وبالاعتراف بإنسانية الضحايا. هذا الخطاب الأخلاقي، رغم بساطته، يحمل في طياته قوة رمزية كبيرة، لأنه يعيد التأكيد على قيم أساسية يحاول العنف طمسها. في عالم اعتاد على مشاهد الحرب، يصبح التمسك بهذه القيم فعل مقاومة بحد ذاته.

 

من زاوية فكرية أوسع، يمكن النظر إلى التضامن العالمي مع غزة بوصفه لحظة وعي كوني، تتقاطع فيها التجارب الإنسانية المختلفة. شعوب من خلفيات ثقافية ودينية وسياسية متنوعة وجدت نفسها متفقة على موقف أخلاقي واحد، هو رفض استهداف المدنيين ورفض الصمت أمام المعاناة. هذا التقاطع لا يعني اختفاء الخلافات، لكنه يشير إلى إمكانية بناء أرضية إنسانية مشتركة، تقوم على احترام الحياة والكرامة. هذه اللحظة تطرح أيضًا تساؤلات حول دور المثقف والباحث في مثل هذه السياقات. هل يكتفي المثقف بالتحليل البارد، أم أن عليه مسؤولية أخلاقية في التعبير عن موقف إنساني واضح؟ كثير من الأصوات الأكاديمية اختارت كسر الصمت، معتبرة أن المعرفة لا يمكن أن تكون محايدة تماما عندما يتعلق الأمر بآلام البشر. هذا الموقف لا يعني التخلي عن الموضوعية، بل توسيع مفهومها ليشمل البعد الأخلاقي للبحث والفكر.

 

إن الحديث عن العالم مع غزة لا يعني الادعاء بأن العالم موحد أو متفق بالكامل، بل يعني الإشارة إلى تحوّل ملموس في الوعي الإنساني. هذا التحول يتجلى في رفض متزايد للصمت، وفي استعداد أكبر للمساءلة، وفي إصرار على إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية الكبرى. غزة، في هذا السياق، ليست مجرد قضية آنية، بل لحظة كاشفة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالعالم من حوله. في النهاية، يمكن القول إن قيمة هذه اللحظة لا تكمن فقط في حجم التضامن، بل في نوعيته. إنه تضامن نابع من إحساس عميق بالمشترك الإنساني، ومن وعي بأن الألم إذا ترك دون مساءلة، فإنه يهدد الجميع. هذا الوعي، مهما بدا هشا أمام قوة السلاح، يحمل في داخله إمكانية التغيير. فالتاريخ، كما أثبتت تجارب كثيرة، لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه أيضا لحظات الوعي التي ترفض النسيان