لم يكن معترك الحرية خياراً سهلاً على أحد، لقد كان قراراً تشربته الخلايا مع رشفات الحليب الأولى، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بالوطن والقضية، واسترداد الحقوق، هنا تتساوى المرأة مع الرجل تماماً، فقد كنت السباقة نحو ساحات المعارك لتبذل دمها طاهراً مديداً يعرش ياسمينة على تراب يتحرر..
الشهيدة شادية أبو غزالة بيادر قمح لم تغوها سنواتها التسع عشرة لتعيش ريعان الصبا وتتجمل بجدائل الشمس والغار فانغمست في طريق التحرير لتكون أول شهيدة تكلل جبهة الشهادة وتتكلل بها أول شهيدة فلسطينية بعد احتلال الضفة الغربية في 1967 وأول شهيدات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ..
بعد أن انتسبت في الساسة عشرة من عمرها إلى حركة القوميين العرب التي تحولت بفرعها الفلسطيني للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث تلقت تدريباتها العسكرية بسن غضة وفضلت الحفاظ على انتمائها للجبهة والنضال على الالتزام الدراسي فدمها سيكون منارة تنثر ياسمينها على تراب الوطن الغالي، شغفتها العمليات العسكرية والعمل السري لتنظيم الأفراد وتجنيد المقاومين فلم تكتف بالتظاهر والتضامن ولا الاعتصامات فقد هوت القيادة العسكرية لعدة عمليات نفذتها بعد أن شغلها إعداد القنابل المتفجرة تحضيراً للعمليات الكبيرة لتستشهد في 28 نوفمبر تشرين الثاني عام 1968 لتكون عروس الشهادة الفلسطينية الأولى بسبب قنبلة بحجم 22 كيلو غراماً من مادة شديدة الانفجار أعدتها بيديها كعادتها للقيام بعملية عسكرية.
لم يغير العمل الانخراط العسكري من طبيعة شادية الحانية والإنسانة فحين أخبرتها صديقتها ذات مساء، عصام عبد الهادي، أن المناضلين في الجبال ترتعش مفاصلهم من البرد، عادت إليها في الصباح التالي لتجد بيتها مليئاً بالملابس الشتوية والأغطية، التي جمعتها من زميلاتها، فكدستها في حقائب كبيرة ونقلتها للمقاومين.
كانت شادية مؤمنة بتحرير الإنسان وتحرير الأرض، آمنت أن " لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية" فعملت على تثقيف الشباب وجمعهم سياسياً وعسكرياً كما جمعت بين التعليم والتثقيف الأدبي والعسكري فالتحقت بجامعة النجاح في نابلس لمواصلة تعليمها وتسخيره في مسيرتها النضالية لتوسع دارة تواصلها وتنظيمها المقاوم لخدمة القضية الفلسطينية، كما جمعت بين حب الأدب والفلسفة وأخذت بأسلوب سارتر الفلسفي فدمجتهما معاً في تركيبة تخصها لتشكل مشاعل النور لنساء جيلها وما بعدهن ، فقد كانت المتفوقة والسباقة الأكثر التصاقاً ن الفلسطيني بكل أبعاده، وساهمت في تكوين هوية المرأة الفلسطينية المحاربة على شتى الأبعاد ضد كل تهويد وتشريد.
لن ينسى التاريخ قول الشهيدة: "من أجل الثورة في دمائك والحق يجري سيولاً في أضلعك والصدق والإيمان رمز اخلاصك من أجل الحرية تحيطها بمن حولك والسر يسكن في سرداب أعماقك لأجل روعة الباب فيك اشتقت لك"
تلك العبارات المحمومة بالتوق للحرية والثورة رسمت ملامح نساء أقسمن على نيل حرية الوطن نساء مثل شادية أبو غزالة قدسن الشهادة وسط عشق ممزوج برائحة أشجار الزيتون الفلسطيني عشق لا يتخفى وراء عمليات شادية الفدائية من اعداد القنابل وتفجيرها في سيارات الإسرائيليين وأبنيتهم والتاريخ لن ينسى كيف فتحت شادية باب الشهادة لتنتقل بالمرأة من المشاركات الشعبية والعمل خلف الكواليس إلى العمل العسكري وجهاً لوجه مع العدو، ضمن عمليات أتقنتها النساء الفلسطينيات حتى اليوم أينما كن وكيفما كن، فما زلن يستقبلن شهداءهن بالزغاريد ويقسمن ألا تخل الأرض من ليمون أطفالهن المقاوم مهما خلت البطون وقست السنون، فليمون فلسطين دوماً ينجب آلاف المقاومين إلى أن تزغرد العصافير بكل شبر من أرض كنعان.

