Menu

حين يتحوّل العداء إلى شعار، وتُدمَّر الأوطان باسم الحرية

عمر فارس

بوابة الهدف

ليس أخطر على الشعوب من الكذب السياسي، ولا أوقح من نظام يرفع راية العداء لأمريكا وإسرائيل فيما هو يمارس القمع على شعبه، ولا أخبث من قوى عالمية تدّعي الدفاع عن الحرية بينما لا ترى في شعوبنا سوى أدوات تخريب وتفكيك. وبين هذا وذاك، دفعت الأمة ثمنًا باهظًا من دمها، وجيوشها، ودولها.

نعم، كثير من الأنظمة التي أعلنت عداءها لأمريكا وإسرائيل كانت أنظمة قمعية، فاسدة، نهبت مقدرات شعوبها، ومنعت أي إصلاح سياسي حقيقي، وحوّلت الدولة إلى جهاز أمني يخاف شعبه أكثر مما يخاف عدوه. هذه حقيقة لا يجوز الهروب منها ولا تبريرها بشعارات “الصمود” و“الممانعة”. فالشعب الذي يُقمع لا يمكن أن يكون شريكًا في التحرير، والدولة التي تُدار بالخوف لا تبني قوة حقيقية.

لكن الحقيقة الأخطر، التي يتعمّد الإعلام الغربي وبعض النخب العربية تجاهلها، أن أمريكا وإسرائيل لم تكونا يومًا معنيتين بحرية شعوبنا، ولا ببناء دول ديمقراطية مستقلة في المنطقة. لو كان الأمر كذلك، لما دمّرتا العراق، ولما حوّلتا ليبيا إلى ساحة ميليشيات، ولما حاصرتا سوريا، ولما فرضتا العقوبات الخانقة على إيران، ولما دعمتا عشرات الأنظمة الاستبدادية طالما كانت مطيعة.

المعادلة واضحة: ما تريده واشنطن وتل أبيب ليس شعوبًا حرّة، بل دولًا ضعيفة، وجيوشًا مدمَّرة، ومجتمعات منشغلة بلقمة العيش بدل الانشغال بالسيادة وفلسطين. لهذا كان تدمير الجيوش العربية هدفًا مركزيًا: الجيش العراقي سُحق، الجيش الليبي حُلّ، الجيش السوري استُنزف، وكل جيش كان يُنظر إليه كخطر محتمل على إسرائيل جرى تحييده أو تفكيكه.

ولنكن صريحين: صدام حسين، بكل ما عليه من جرائم واستبداد وفساد، هو الزعيم العربي الوحيد الذي أطلق 35 صاروخًا على إسرائيل. هذه ليست دعوة لتقديس النظام، بل تذكير بحقيقة تاريخية تُرعب إسرائيل حتى اليوم: أن وجود دولة عربية قوية، حتى لو كانت استبدادية، كان أخطر عليها من عشرات الكيانات الضعيفة “الديمقراطية شكليًا”.

الفساد؟ نعم، كان موجودًا وبقوة. لكنه لم يكن استثناءً، فالفساد موجود في كل أنظمة العالم، بما فيها أمريكا نفسها. الفرق أن الفساد في دولنا كان بلا محاسبة، بلا مؤسسات، وبلا أفق إصلاح. ومع ذلك، لم تكن بعض الشعوب تعيش الفقر المدقع كما يُصوَّر اليوم. ليبيا مثال صارخ: لم يكن الليبي جائعًا زمن القذافي، بل أصبح كذلك بعد “التحرير”. اليوم، لا دولة، لا أمن، لا كرامة، ولا سيادة. هذه هي نتيجة الفوضى التي صُدّرت باسم الحرية.

أما إيران، فالقضية فيها تُحرّف بوقاحة. نعم، للشعب الإيراني الحق الكامل في الحرية والعدالة ورفض الفساد والقمع. هذا حق لا نقاش فيه. لكن هل إسرائيل وأمريكا تريدان ل إيران أن تصبح دولة ديمقراطية قوية؟ بالطبع لا. ما تريدانه هو إنهاكها، تفجيرها من الداخل، وتحويلها إلى دولة فاشلة. العقوبات الخانقة، والعمل عبر العملاء، والتحريض الإعلامي، ليست أدوات دعم للشعوب، بل أدوات حرب ناعمة يدفع ثمنها المواطن الفقير أولًا.

العقوبات الأمريكية ليست أخلاقية، بل سلاح قذر. هي حصار جماعي يدمّر حياة الناس، ويُستخدم لاحقًا كدليل على “فشل النظام”، بينما الفشل الحقيقي هو فشل النظام الدولي الظالم الذي يعاقب الشعوب بدل محاسبة الحكّام.

والفضيحة الكبرى أن بعض الأنظمة التي صدّعت رؤوسنا بشعارات العداء لإسرائيل كانت تتعامل معها في الخفاء، أمنيًا واقتصاديًا، وتنسّق معها تحت الطاولة، بينما تُقمع أي معارضة داخلية باسم “الخطر الصهيوني”. هذا النفاق السياسي دمّر الوعي، وشوّه مفهوم المقاومة، وحوّل القضية الفلسطينية إلى ورقة ابتزاز داخلي لا أكثر.

الموقف الوطني الحقيقي ليس في الدفاع عن أنظمة، ولا في التصفيق للفوضى. الموقف الوطني هو رفض الاستبداد ورفض التدخل الخارجي في آن واحد. هو الإيمان بأن الإصلاح يجب أن يكون من داخل الدولة لا عبر تدميرها، وأن الحرية لا تُبنى على أنقاض الجيوش، ولا على جماجم الأطفال، ولا عبر العقوبات.

لقد أثبتت التجربة أن سقوط النظام لا يعني سقوط الظلم، وأن إسقاط الدولة هو الجريمة الكبرى. وأن إسرائيل وأمريكا ربحتا ليس لأن الأنظمة كانت قوية، بل لأن الشعوب حُشرت بين خيارين قاتلين: الطغيان أو الخراب.

إن أخطر كذبة في تاريخنا المعاصر هي أن الفوضى طريق الحرية، وأن أخطر خيانة هي تحويل مطالب الشعوب المحقة إلى أدوات بيد أعدائها. من يريد فعلًا كرامة الشعوب، فليبدأ ببناء دولة قوية عادلة، لا دولة منهارة تُدار من السفارات.

هذه ليست معركة أنظمة، بل معركة وعي. ومن لا يفهم ذلك، سيبقى يصفّق لكل “ثورة” تنتهي بدولة مدمَّرة، وجيش مكسور، وإسرائيل أكثر أمنًا من أي وقت مضى.