Menu

مجلس ترامب للسلام: مسرحٌ لتعظيم الذات الترامبية وحصانةٌ لجرائم الإبادة

جمال كنج

بوابة الهدف

 

أكثر من خمسة وسبعين ألف فلسطيني ارتقوا شهداء في غزة، وعشرات الآلاف ما زالوا تحت ركام منازلهم. لم يُقتلوا لبناء بيتٍ جديد، ولا لتحويل شواطئهم إلى منتجعات استثمارية مغلقة. كانت لهم بيوت عامرة، وكانت لهم شواطئ جميلة مفتوحة لعامة الناس. وحياة نابضة رغم الحصار الذي فرضته دولة الاحتلال. كانت غزة مدينة حيّة قبل أن تُمحى معالمها على يد أعتى آلة إرهاب عرفها العصر الحديث؛ آلةٍ مدججة بالسلاح، ممولة بسخاء، ومحمية سياسيًا من إدارات أمريكية متعاقبة.

 

هذه الحقيقة غابت بالكامل عن الاجتماع الافتتاحي لما سُمِّي بـ«مجلس السلام» في واشنطن. سُوِّق اللقاء بوصفه مبادرة دبلوماسية، فإذا به عرض مسرحي يشرعن جرائم دولة الكيان، ويُدين الضحية، ويعيد تسويق الاحتلال بعبارات منمّقة عن السلام. كانت الرمزية فاضحة: استهلّ دونالد ترامب الجلسة بالترحيب برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وكأن المشهد احتفال رياضي لا مأساة إنسانية. تقدّمت البروتوكولات على الضحايا، واستُبدلت العدالة بالإستعراض.

 

وكعادته، أغرق ترامب خطابه بتمجيد ذاته، وكرّر النغمة نفسها: تجريم المقاومة الفلسطينية، مقابل صمت مطبق عن الخروقات المتواصلة لوقف إطلاق النار من جانب دولة الكيان. وفي واحدة من أكثر لحظات خطابه استخفافًا، أعلن أن الحرب في غزه انتهت ولم يبقَ سوى «نيران صغيرة».

تلك «النيران الصغيرة» كانت أرواح أكثر من ستمئة فلسطيني قتلتهم قوات الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار. ستمئة إنسان أُزهقت أرواحهم بينما تُختزل المأساة في استعارة لغوية باردة.

لم تتضمّن كلمات المجتمعين، ولا سيما العرب منهم، أي إشارة إلى الإبادة الجماعية أو إلى المجازر التي ارتُكبت على مرأى العالم. ساد صمتٌ ثقيل، دم الأطفال ليس إلا تفصيل يمكن تجاوزه في خطابٍ احتفالي. مع العلم إن العضوية الدائمة ( التي تنافس عليها العرب) في مجلس ترامب دفع ثمنها مسبقا: مليار دولار لقاء مقعدٍ وكلمةٍ في مديح ترامب.

ووفقًا للنظام الأساسي الموقَّع، ينفرد ترامب وحده بكامل الصلاحيات في إدارة أموال المجلس والتصرّف بها، بلا شريكٍ في القرار ولا آلية مساءلة أو رقابة. هكذا يتحوّل ما يُسمّى «مجلس سلام» إلى صندوقٍ خاص تُدار موارده بإرادة فرد، فيما تُختزل القضايا المصيرية لشعبٍ تحت الاحتلال في بروتوكولٍ مدفوع الثمن.

وفي مفارقةٍ ساخرةٍ أخرى، اعتلى مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، المنصّة ليُغدق عبارات الشكر على رئيس وزراء دولة الكيان، بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم إبادة، وكأنّ الامتنان يُمنح على ركام الضحايا. وخصّ حديثه بما سماه معاناه الأسرى الصهاينة وحدهم. و لم يتطرق إلى آلاف الأسرى في سجون الاحتلال، ولا عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين، ولا المقابر الجماعية، ولا العائلات التي تُركت للجوع، ولا الأطفال الذين انتُشلوا بلا حراك من تحت الأنقاض. تكلم بعاطفيه عن "ضحايا" الكيان فقط، أما الألم الفلسطيني فغُيِّب كأنه تفصيل عابر.

غزة لا تحتاج إلى مشاريع إعمار تخدم أصحاب المصالح العقارية، بل إلى اعترافٍ صريح بحقوق شعبها التاريخية. القضية ليست إسكانًا ولا مساعدات إغاثية؛ إنها قضية حرية وكرامة وتقرير مصير. اختزال غزة في “ملف إنساني” يُدار، بدل شعبٍ يُنصف ويُحرر، هو السياسة ذاتها التي تشرعن الاحتلال وتجعل المقاومة ضرورة وجودية لا خيارًا ظرفيًا.

يتكلم ترامب عن رعايته للسلام، بينما يواصل دعمه لدولة الاحتلال التي دمّرت أو عطّلت أكثر من تسعين في المئة من مستشفيات غزة، وسوّت كل جامعاتها و معظم مدارسها بالأرض، واستهدفت الأفران ومحطات المياه، وقتلت مئات الصحفيين، ومنعت الإعلام الدولي من الدخول للتعتيم على جرائمها. يُدين ترامب مقاومة الاحتلال، ويُبرّئ الأسباب البنيوية التي تجعل المقاومة حتمية. يتحدث عن الاستقرار، فيما يُكرّس نظامًا من القهر. في معجم ترامب السياسي، السلام ليس إلا تكريسًا لإخضاع الضحية وترسيخًا لميزان قوى مختلّ.

وفي مشهدٍ كاشف، اصطفّ عدد كبير من قادة الدول العربية والإسلامية لإضفاء شرعية رمزية على هذا السيرك. و في نفس الوقت، كان من الحياء ما دفع قادة آخرون، غير عرب أو مسلمين، لعدم تلبية الدعوة. فرئيسة المكسيك مثلا، اعتذرت عن الحضور لعدم توجيه الدعوة إلى فلسطين. كما تغيب الفاتيكان وجهات أخرى بعد أن أُقصي ممثلو الشعب الواقع تحت الاحتلال. حتى الدول الأوروبية المتورطة في دعم دولة الكيان في حرب الإبادة لم ترغب في أن تُحسب على مهرجانٍ سياسي فارغ يكرس المأساة تحت لافتة السلام.

منذ إعلان وقف إطلاق النار، واصلت سلطات الاحتلال سياسة التجويع الممنهج، وتقنين الغذاء والدواء والوقود، وقتلت مئات الفلسطينيين. هذه الوقائع موثقة لدى منظمات إنسانية وهيئات دولية. ومع ذلك، جرى التقليل من شأنها وتصويرها كمناوشات عابرة. ففي مجلس ترامب الممول من العرب يُمحى الحصار من السرد، ويُجعل الاحتلال غير مرئي، ويُنكَر نظام الفصل العنصري، وتُنتزع المقاومة من سياقها القانوني والتاريخي لتُقدَّم كإزعاج أمني لا كحق مشروع لشعبٍ واقع تحت الاحتلال.

 

خطر هذا “المجلس” لا يكمن في اختلال توازنه فحسب، بل في سعيه إلى منح دولة الكيان صكّ براءة من الإبادة، وإضفاء شرعية على القتل الجماعي تحت راية السلام. اعتبار انتهاكات الاحتلال أمرًا مقبولًا، وتجريم مقاومة شعبٍ يُسلب وطنه، ليس مجرد ازدواجية في المعايير؛ بل تعبير عن ارتهان سياسي لنفوذ جماعات الضغط المنحازة للكيان داخل الولايات المتحدة والذي قد يترجم قريبا في الحرب على إيران.

لن يفشل هذا المجلس لأنه يفتقر إلى الدقة أو العمق، بل لأنه لم يُنشأ أصلًا لمواجهة الظلم. إنه منصة لتلميع الصورة، وأداة لتبرئة الجلاد وتأديب الضحية، وتخدير رأي عام اعتاد رؤية الدم الفلسطيني كخبرٍ عابر في أسفل الشاشة.

 

حين يُمنح الجلاد حصانةً أخلاقية، وتُلام الضحية على مقاومتها، يستمر الظلم و تستمر الحرب بأسماء جديدة. وحين يُختزل القتل في توصيفات بلاغية باردة، تصبح المقاومة واجبًا أخلاقيًا. التاريخ علمنا ان الشعوب القابعة تحت الاحتلال لا تنال حريتها بالتخلي عن حقها في الدفاع عن وجودها.

مجلس ترامب ليس مشروعًا للسلام، بل محاولة لإعادة هندسة الوعي لتحويل الاحتلال إلى أمر مقبول، والمقاومة إلى تهمة، والكارثة الإنسانية إلى ملف إداري يُدار بالأموال لا بالحقوق بل أداة سياسية ممولة عربيًا لتسويق العدوان ومنحه غطاءً أخلاقيًا زائفًا. هو منصة لإعادة تعريف الجريمة بوصفها «دفاعًا»، ولتجريم الضحية حين تطالب بحقها في الحياة والحرية. ليس إطارًا لوقف النزيف، بل آلية لتطبيع الدم، وإضفاء حصانة سياسية لمرتكبي جرائم الإبادة.