Menu

الصراع في المنطقة .. صراع على الهوية والسيادة والمستقبل

عمر فارس

بوابة الهدف

إنه صباح حزين، صباح يثقل فيه القلب بالألم، رغم أن كل من يختار طريق المقاومة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل يدرك مسبقًا أنه يضع روحه على كفه. فهذه ليست معركة عادية بين دولتين، بل صراع إرادات ومشاريع، يدفع فيه القادة والمقاتلون أثمانًا باهظة، قد تصل إلى حياتهم نفسها.

لقد تمكن الحلف الإسرائيلي–الأمريكي من استهداف المرشد وعدد من القادة العسكريين، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى سابقًا مع الشهيد حسن نصر الله وقيادات حزب الله. حينها، كما اليوم، كان الهدف واضحًا: ضرب رأس المشروع المقاوم، وإيصال رسالة بأن كل من يقف في وجه الهيمنة سيدفع الثمن.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: لماذا يُستهدف هؤلاء؟ هل لأنهم اعتدوا على أحد؟ أم لأنهم اختاروا الاصطفاف إلى جانب فلسطين، ورفضوا الاعتراف بشرعية الاحتلال، وقرروا أن يكونوا جزءًا من معادلة ردع لا تقبل بالخضوع؟ الحقيقة أن الموقف من فلسطين كان ولا يزال معيارًا فارقًا في رسم التحالفات والعداوات في المنطقة.

لو أن قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية سارت في الاتجاه المعاكس، وسلكت الطريق ذاته الذي سلكه الشاه محمد رضا بهلوي، وبنت علاقات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، لربما اختلف المشهد كليًا. كان يمكن ل إيران أن تتحول إلى شرطي إقليمي يحظى بالحماية الغربية، وأن تمارس نفوذها بهدوء تحت المظلة الأمريكية، دون أن تتعرض لهذا النوع من الاستهداف المباشر. لكن خيار القطيعة مع المشروع الأمريكي في المنطقة، والوقوف في صف القوى المناهضة لإسرائيل، جعلها في موقع المواجهة الدائمة.

هناك من يحاول تبسيط الصورة إلى حد السذاجة، فيقول: “إسرائيل مثل إيران”، أو يردد عبارة “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين”. هذه المقاربة تتجاهل الفوارق الجوهرية بين مشروع احتلال استيطاني توسعي، وبين دولة ترى نفسها في حالة صراع مع هذا المشروع. قد نختلف في تقييم سياسات هذه الدولة أو تلك، لكن تجاهل طبيعة الصراع واختزاله في معادلة أخلاقية سطحية يطمس الحقائق ويخلط الأوراق.

إن من يقف في مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية يدرك أنه يدخل ساحة صراع غير متكافئ، حيث التفوق العسكري والتكنولوجي والغطاء السياسي الدولي ليس في صفه. ومع ذلك، يختار المواجهة بدافع قناعة أيديولوجية وسياسية، أو بدافع اعتقاد بأن كلفة الاستسلام أكبر من كلفة المقاومة.

التاريخ في منطقتنا مليء بالتحولات الدراماتيكية، حيث تسقط قيادات وتنهض أخرى، وتتغير التحالفات، لكن تبقى القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا يعيد تشكيل الاصطفافات. لذلك فإن ما يحدث اليوم، مهما كان قاسيًا ومؤلمًا، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق الأوسع.

إنه صباح حزين بالفعل، لكنه أيضًا صباح يكشف من جديد طبيعة الصراع في المنطقة: صراع على الهوية والسيادة والمستقبل. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي الانفعال أو الشعارات، بل يجب التفكير العميق في مآلات الأمور، وفي الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تتحول أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية.