مع حلول شهر رمضان المبارك، تقفز تساؤلات عديدة إلى ذهن المواطن العربي المنتبه: ماذا ستقدم الدراما العربية في هذا الشهر؟ وعلامَ سيكون الصراع بين الدراما السورية والمصرية والخليجية؟ وهل سيكون ثمة حضور للإبادة في غزة؟ وهل سيكترث أحدٌ من صنّاع الدراما لدماء أطفال غزة فيحكي عن هند رجب وأخواتها في هذه الدراما؟ هل هناك مادة حية ومؤثرة توازي في الإقناع والحضور ما يحدث في غزة والمنطقة؟ أية مادة درامية متخيلة تعادل ما جرى ويجري؟ أم أنّ مصير غزة في رمضان هذا العام سيكون التجاهل من طرف الدراما العربية جرياً على سنة العامين المنصرمين؟ ولا ندري ما سيكون عليه حال الدراما العربية في هذا الرمضان بل نخشى أن يكون مشابهاً لما سبقه من رمضانات؟
أمام مشاهد الدم، والإبادة التي يتعرض لها الفلسطيني في قطاع غزة منذ أكثر من عامين، تجاهلت الدراما والسينما والمسرح والفن العربي سيل الدم المتدفق، في سبيل عرض قضايا هامشية، وكان المهم هو إشغال العقل العربي بما يجنّبه الخوض أو الحديث عن احتلال "إسرائيل" مزيداً من الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية، الأمر الذي يعبّر عن إشكالية الهوية والانتماء لدى النظم الشمولية وأقطاب المؤسسات الإعلامية العربية الكبرى، وهو ما كان قد عبّرت عنه الصحفية الصهيونية (سمدار بيري) التي أعربت عن سعادتها بعدما اطلعت على مضمون سبعة وثلاثين عملاً عُرض في رمضان الماضي، فلم تجد أياً منها يتحدث عن الإبادة الجارية في فلسطين أو لبنان، لتعلن فرحتها بهذا التحول الكبير.
وفي العودة إلى تاريخ الدراما العربية، فإنها كانت قد شرعت منذ بداية الحروب مع الاحتلال الصهيوني في إظهار طبيعة الصراع ومدى وحشية العصابات الصهيونية المدججة بالحقد، وسلوكها الإجرامي بحق المدنيين والأسرى كما في أفلام عدة صارت تزرع في وعي المواطن العربي مدى أهمية الحروب الاستخبارية ضد الاحتلال من خلال العديد من الأفلام والمسلسلات التي أُنتجت مما لا يمكن حصره في هذا المقام (رأفت الهجان على سبيل الذكر). إلا أنه ومنذ ما يزيد عن عقد من الزمن، انحسرت الأعمال الأدبية والفنية التي تناقش القضية المركزية الجوهرية المتمثلة في القضية الفلسطينية، للخوض في قضايا الحياة اليومية للمواطن العربي، إذ تم إلهاؤه بجدليات هامشية في سبيل نسيان الواقع المزري الذي يعيشه أخوة اللغة والعِرق والتاريخ والدين والهوية، كما تم التركيز بشكل كبير على الدراما والسينما التي تناقش الثورات وأسبابها وتداعياتها بشكل يروق للمنتج أو الجهة التي ترعى تلك الأعمال، لأجل خلط الحابل بالنابل، وصولاً إلى مرحلة مؤلمة من تاريخ الفن العربي، حيث بدأ كثير من المنتجين يذهبون إلى إنتاج أعمال تدعو إلى التطبيع مع الاحتلال وتجاهل الكارثة الفلسطينية، في أعمال أثارت الجدل لأنها حاولت إظهار جانب أخلاقي لهذا الاحتلال الإحلالي أو (شيطنة الفلسطيني (يقف في مقدمة تلك الأعمال المسلسل الخليجي "أم هارون" الذي قامت بإنتاجه قناة MBC عام 2020) في محاولة لتدجين الوعي والروح العربية من أنّ اليهود أخوة وأصدقاء يمكن التطبيع معهم، علماً أنّ القناة ذاتها هي التي أعدّت جملة تقارير تسعى لتشويه صورة المقاومة بل وتحقير رموزها إبّان حرب الإبادة. بالإضافة إلى بعض الأفلام الوثائقية والمقابلات التي أجرتها بعض وسائل الإعلام العربية مع شخصيات صهيونية سمحت بإعطاء مساحة كبيرة للدعاية الصهيونية، وكأن القائمين على تلك القنوات والمنتجين والفنانين يسعون لنيل رضى الصهيو- أميركي من أجل الحصول على جائزة هنا أو المشاركة في فيلم عالمي هناك.
إعادة تشكيل الأعداء
لقد كشفت الحرب الإجرامية على غزة زيفَ كثير من القضايا والمفاهيم وكذلك الأفراد، إذ لم تعد المعركة مع مشروع "إسرائيل" الكبرى محصورة بالسلاح أو الجيوش، بل تسللت إلى وعي أبنائها في محاولات حثيثة للسيطرة على العقل العربي من خلال صهينة التفكير وإعادة تعريف المفاهيم وكذلك إعادة تشكيل الأعداء، ففي زمن الهزائم الكبرى يصبح الوعي هو ساحة المعركة الحقيقية، وإنّ احتلال العقول يشكل الخطر الأعظم للأوطان، إذ لا يمكن للأرض أن تتحرر طالما عقول أبنائها محتلة؛ وهنا تبدأ السيطرة من خلال استغلال أدوات التكنولوجيا الحديثة لغزو الوعي فتبدأ السيطرة على وسائل الإعلام التقليدي والرقمي، ثم تنحو باتجاه صناعة الدراما وصولاً إلى توجيه نشطاء الإعلام نحو قضايا ذات أبعاد هامشية، من خلال استغلال الدراما والسينما والمسرح، وإعادة صياغة الخطاب الديني والسياسي بل وحتى الاقتصادي. وقد أشار بعض المراكز البحثية في الغرب مؤخراً بأنّ الاهتمام بالقضية الفلسطينية تراجع إلى ما نسبته 75% على صعيد وسائل الإعلام العربي كافة، كما ويمكن مقارنة تغطية الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014 مثلاً والإبادة التي تتعرض لها غزة اليوم، كي ندرك كيف يتم توجيه الشارع العربي؟ وفي الوقت ذاته، تمكن ملاحظة تركيز بعض وسائل الإعلام على إظهار الفلسطيني بأنه بحاجة إلى مساعدات إنسانية لا غير، مع تغييب خطاب التحرر الوطني وحق العودة، في الوقت الذي تقود فيه ذات المؤسسات والشركات الإعلامية حملات شرسة لتبرير الإبادة وتحميل المقاومة المسؤولية عن كلّ الدماء التي تُراق في فلسطين.
ولعل خطاب السلام الزائف الذي تحاول بعض الدراما العربية أن تقدمه، يؤكد العمل الحثيث على كي الوعي للمواطن العربي المضطهد من أجل القبول بدولة الاحتلال في المنطقة، وهذا يوضح إلى أي حال وصلت الأنظمة الشمولية التي تدير التطبيع الإعلامي والثقافي والفني بالإضافة إلى التطبيع الأكاديمي، وهو ما يؤكد أنّ العمل يجري على قدم وساق لصهينة العقل العربي، وأنّ التدخلات والمحاولات مستمرة من أجل إعادة كتابة السردية التاريخية بشكل كاذب، بحيث يظهر الاحتلال كشعب مسالم يؤمن بالآخر، ويسعى إلى صناعة السلام مع دول الجوار، في الوقت الذي يقود فيه هؤلاء حملات شعواء ضد المقاومة؛ يبرز ذلك من خلال مشاريع تزييف الوعي تحت بند التطبيع الفني حيناً والتطبيع الديني الذي تديره منظمات صهيونية بمشاركة شخصيات دينية عربية في أحيان أخرى، وما حوار الحضارات والثقافات عن ذلك ببعيد.
وأمام كلّ ما يقوم به مثقفو الأنظمة الشمولية المتماهية مع الاحتلال ونخبها المهترئة الذين لا يهاجمون فلسطين بشكل فجّ، لدسّ السمّ في العسل، ولا يلومون الاحتلال أو يحملونه مسؤولية الدمار والإبادة، لكنهم يحاولون إظهار قوة الاحتلال الفكرية والثقافية والتكنولوجية وكذلك الأمنية، كجزء من كي الوعي وإرهاب المواطن العربي وتغييبه عن ضعف هذا الجسم الوظيفي الطارئ، فنجد بعض "المهزومين" فكرياً وثقافياً في أوساط المثقفين العرب الذين يطالعوننا ليل نهار بمقالات ومقابلات ومواقف على الإعلام ضد المقاومة وضد ثقافة المقاومة تحت ذريعة أنّ الحرب دمّرت غزة والضفة ولبنان وتحت ذريعة حماية المدنيين، وهذا بالضبط هدف العدو من التدمير وقتل الأبرياء أن يخرج هؤلاء ويلقون باللوم على المقاومة عوضاً من تحميل المسؤولية للعدو الذي يقتل ويدمّر، ويتناسى هؤلاء أنّ المنازل التي تدمّر هي منازل أهل المقاومة وحاضنتها، وبعض هؤلاء "المهزومين" كانوا طوال الوقت يشكّكون بالمقاومة سواء في غزة أو سواها، ويستمر هؤلاء المهزومون في مهاجمة المقاومة، فبعض هذه الأقلام مأجور وبعضها الآخر متآمر على وطنه والبعض الآخر مدفوع بعصبية طائفية عمياء دون أن يفقه شيئاً. وهذا كلّ ما يريده العدو أن تنشط وتستمر هذه الأقلام في الترويج لسرديته المسمومة التي تخدم مشروعه من حيث تدري أو لا تدري، والأرجح أنّ بعضها يدري، والأخطر وجود ثلة أخرى من هؤلاء "المهزومين" تلتزم الصمت وتختفي من المشهد بشكل كامل وتصمت أقلامها، وبعضها الآخر يكتب ويدوّن أشياء كأنه يعيش على كوكب آخر متجاهلاً كلّ ما يحدث في انتظار انتهاء المعركة.
دراما الضد
إنّ مقاومة صهينة الوعي اليوم هي أول الطريق نحو مقاومة هذا الاحتلال، ويمكن تحقيقها من خلال الإعلام والأدب والفن والسينما والمسرح وكلّ أشكال التعبير الأخرى، وكذلك من خلال الخطاب الديني المتزن الذي يؤمن بالتعددية المذهبية والفكرية داخل جسم الأمة العربي والإسلامي؛ لأنّ الاحتلال الإحلالي بكافة أدواته لا يتوقف عن غسل أدمغة جيل الشباب، للزجّ بهم في أتون معارك جانبية، للابتعاد عن مقدرات السيطرة التي يسعى الاحتلال الصهيوني بوصفه دولة وظيفية في منطقتنا إلى امتلاكها، وهنا يجب الانتباه جيداً إلى تغيير الأولويات الإعلامية التي ركّزت على الخلافات الطائفية والحروب الأهلية، في الوقت الذي يتم فيه إغفال القضية الفلسطينية، بل وربما شيطنتها ووصم مقاومتها بالإرهاب. إنّ كلّ هؤلاء المتصهينين بحاجة إلى وقفة حقيقية من خلال صدّهم ومحاربتهم وكشف زيفهم بذات الأدوات والفعل، ولا يمكن لذلك أن يحدث إلا من خلال إعادة بناء الخطاب الثقافي الإعلامي الفلسطيني الذي يشرعن المقاومة وينبذ كلّ من يعاديها، ثم كشف النوايا الحقيقية للجهات الداعمة لهؤلاء المتصهينين وفضحهم، ثم استثمار وسائل الإعلام كافة لرفض التطبيع الذي يتم تحت شعار الدين الإبراهيمي، وإلا فإنّ مشروع تفكيك الهوية العربية وتفجير الخلافات الداخلية قادم لا محالة، وسيدفع ثمنه الجميع.
وعلى مرّ التاريخ من الصراع مع العدو شكّلت المقاومة على مختلف مشاربها ومنابعها هوية إنسانية اكتسبت احترام كلّ أحرار العالم وبرزت رموزها من خلال شخصيات عظيمة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه ليس لأنها شخصيات عظيمة بذاتها بل لأنها تحمل قضية إنسانية عظيمة عاشت وماتت لأجلها، في المقابل لا يتوقف العدو عن تحديث أساليبه ووسائله لطمس سردية المقاومة خلف سرديته الكاذبة التي يتوجه بها لمخاطبة الجمهور العالمي، لكنه فشل في الحرب الأخيرة فشلاً ذريعاً، وبات العالم بأسره يعرف حقيقة هذا الكيان المحتل، وليس أدلّ على ذلك ما شهده العالم من تحركات وتظاهرات عارمة في مختلف أنحاء المعمورة؛ وبالتالي فإنّ شعوب العالم تعي ما يحدث وتعرف أنّ المقاومة في غزة لا تواجه جيشاً يعترف بالقوانين الدولية للحرب بل تواجه وحشاً مسعوراً هائجاً بكلّ معنى الكلمة، يرتكب أفظع المجازر التي لم تشهد الإنسانية لها مثيلاً على الإطلاق وهذا ما لن تقبله شعوب العالم وسيكون لذلك تداعيات كبيرة في المستقبل على الكيان.
إنّ الأمة بحاجة إلى مثقف وأديب وفنان يدفع عمره ثمناً لقضاياه العادلة، وماتزال مقولة: إنّ المثقف هو أول من يقاوم وآخر من ينهزم، صالحة لكلّ زمان، وعلى المقاومة أن تستمر بثقافتها التي تترفع عن الأحقاد وتمضي إلى هدفها الأسمى متسلحة بالحق والإيمان والصبر، ولتكن الحياة دون ذلك لهؤلاء "المهزومين" الأذلاء الذين لا يعرفون معنى العيش بعزة وكرامة. ويبقى السؤال الجوهري قائماً هنا: أين المثقف والفنان الملتزم بقضايا أمته، الساعي نحو التأثير والتغيير للأفضل؟ أين الدراما العربية البديلة التي تنقل الإبادة في غزة وتضع في مقدمة أعمالها دم الأطفال والنساء وكلّ الأبرياء؟ أين الدراما التي ترفض الخنوع وتحاول الصراخ في وجه دعاة التطبيع مع عدو الإنسانية؟ لتكرّس وتبلور رواية ثقافة المقاومة التي تتشكّل في مسارات متعددة من الاشتباك الثقافي والفني والفكري والإعلامي.

