Menu

الحكاية الشعبية الفلسطينية من الحكايات الخرافية إلى حكايات المقاومة

أمينة عباس

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

لم يكن إدراج الحكاية الشعبية الفلسطينية بشكلها السردي كأحد عناصر التراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو ضمن القائمة التمثيلية في عام 2008، واعتبارها واحدة من روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية، إلا شهادة دولية وعالمية تبرز قيمتها الإنسانية والفنية وأهمية المحافظة على هذا التراث الفلسطيني الثقافي الشفهي وتوثيقه عالمياً، وهو الذي يؤكد أن الشعب الفلسطيني شعب متجذر عريق، وصاحب تراث أصيل.

سرد شفهي ينسجه الخيال

تعتبر الحكاية جزءاً من التراث اللامادي الفلسطيني، وكانت خطوة إدراجها على قائمة اليونسكو أمراً ضرورياً لحماية التراث الشعبي الفلسطيني من الضياع، لأن ضياعه يعني فقدان الهوية، وحرمان أبنائنا من معرفة تراثهم من خلال توثيق ما هو محفوظ في ذاكرة المعمِّرين قبل رحيلهم، وهي دعوة لأبناء الشعب الفلسطيني لحفظ تراثهم وحكاياتهم لتبقى ذاكرتهم لوطنهم حية. وتنتمي الحكايات الشعبية الفلسطينية للفنون القولية، وهي تحتل المكانة الأهم في الأدب الشعبي، وهي سرد شفهي لقصص ينسجها الخيال الشعبي، كانت تمارسه في الغالب النساء الفلسطينيات كبيرات السن، وعادة ما كان يتم سردها باللهجة الفلسطينية في المنزل خلال أمسيات الشتاء أمام مجموعات صغيرة من النساء والأطفال، بقدرة تعبيرية عالية لتشكيل صورة مرئية خيالية عن الأحداث عبر التأكيد وإيقاعات الكلام والتصريفات الصوتية لنقلهم بنجاح إلى عالم الخيال، وقد يروي راوٍ الحكاية نفسها أكثر من مرة، وفي كل مرة تختلف عن سابقتها.

العراقة

ويرى الباحثون أن أهم سمات الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني العراقة، أي أنها ليست من ابتكار لحظة معروفة أو موقف معروف، ثم الانتقال بحرية من شخص لآخر عن طريق الرواية الشفوية، وأخيراً المرونة التي تجعلها قابلة للتطور في الشكل والمضمون تبعاً لمزاج الراوي أو مواقفه أو ظروف بيئته الاجتماعية. وقد أجمعت المصادر على أن هذه الحكايات متوارثة من قديم الزمان، منها ما هو عمره 3 – 4 آلاف سنة ومنشؤها يعود إلى وسط آسيا بين الهند شمالاً والصين، ومن ثم جاءت من هناك للشرق الأوسط، ومن ثم ذهبت بدورها لأوروبا ومن ثم أفريقيا، وهي متشابهة من بلد إلى بلد، لكن الفرق مرتبط بنكهة الحكي والقص.

الحكايات الخرافية

تتنوع الحكايات الفلسطينية وتشتمل على قيم عدة: اجتماعية، وجمالية، وثقافية، وتتشابه مع بعض الحكايات الأوروبية واليونانية القديمة، ويأتي في مقدمة هذه الحكايات القصص الخرافية التي تتميز بطابعها السحري وغير الواقعي، وهي تركز على الصراع بين الخير والشر، واستخدام السحر، والحديث عن العلاقات العائلية. وتروى بطريقة مسلية، يبدأ بها الراوي بالقول "كان يا ما كان في قديم الزمان" دعوة منه لترك الواقع، وينهيها بإعادة المستمع إلى الواقع قائلاً "هاي حكايتي حكيتها وعليكو رميتها" للتأكيد على أن الحكاية غير الحقيقة. وتطرح هذه الحكايات قضايا مجتمعية وحياتية، وهي تعبر عن الصراع الذي يدور داخل العائلة العربية الممتدة، حيث تقدم توصيفاً للخلافات الاجتماعية وكيفية إدارتها وحلها داخل إطار العائلة الفلسطينية، وتمتاز هذه الحكاية بابتعادها عن الواقع في شخوصها الهوائية التي لا أبعاد لها، ولا وصف، فهي قد تتخذ الشكل الإنساني، ولكنها تبتعد عنه إلى عالم موازٍ، له مقاييسه وأطره المختلفة، فهو عالم خاص لا حدود ولا أبعاد له، كما أنها تمتلئ بالقوى الخارقة والغيبية، وأحداثها تمتد أو تقصر حسب سير البطل، إذ أن البطل هو محور الحكاية وليس الحدث، فالحدث يذكر لأنه ذو صلة وثيقة بالبطل. والحكاية الخرافية تخدم غرضاً نفسياً واحداً هو الكشف عن تجارب اللاشعور، وصراعه مع الشعور من أجل الوصول بالإنسان إلى شخصيته الكاملة.

أشهر الحكايات الفلسطينية الخرافية

حكايات الغول

احتل الغول جزءاً كبيراً منها، وللغول أهمية كبيرة في الدراسات الشعبية والوجدان الشعبي، "فهو قوة غامضة مضطربة، تتراوح بين البطش الخارق أحياناً، وبين الطيبة المسببة باستعلاء وتفوق ذلك البطش أحياناً أخرى، وقد تصل هذه المراوحة المرعبة إلى شكل ثالث أشد إيلاماً وشذوذاً يأخذ صورة «التلاعب» بالإنسان وإخضاعه لحال من الهزء والسخرية والذعر مما يكون ذروته الجنون". ويبدو التصور الشعبي للغيلان على هيئة بشرية متوحشة، فهي تأكل وتتكلم وتحب وتكره، إلا أن شكلها يبدو مرعباً، بشعر كثيف وأظافر طويلة جداً، وحجم ضخم، وعيون لامعة، وقدرة فائقة على الحركة والدهاء والمعرفة غير المحدودة. وهناك حكايات فلسطينية كثيرة تتحدث عن (الغول) وعلاقته بالإنسان، مثل حكاية (الحطاب والغولة) وحكاية (أم بدور والغول) و"سرايا بنت الغول" التي تتحدث عن غول خطف فتاة صغيرة تبناها وأسكنها قصره المشيَّد في أعالي جبل ما. الفتاة الصغيرة التي كانت مشهورة بامتلاكها جدائل طويلة ظلّ ابن عمها يبحث عنها في البراري منادياً إياها: "سرايا، يا بنت الغول، دلّي لي شعرك لأطول"! فسمعته، ثمّ دست مخدِّراً في شراب الغول فنام، فمدّت جديلتها لابن عمها فصعد عليها ثمّ انسلت معه وعادت إلى قريتها. وقد كتب الأديب الفلسطيني إميل حبيبي رواية مستوحاة من هذه القصة حملت عنوان "سرايا بنت الغول" نُشرت لأول مرة في عام 1991 متناولاً فيها موضوعات الهوية الفلسطينية والمعاناة في ظل الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة، وهي آخر أعماله الروائية المنشورة في حياته.

نص نصيص

ومن أهم الحكايات التي روتها الجدات والأمهات لأبنائهن الصغار في جلسات المساء «نص نصيص»، حيث تبدأ الحكاية الفلسطينية عندما تزوج 3 إخوة في يوم واحد، وقد رزق اثنان منهم "بالصبي"، ولم يرزق الثالث، وبقيت زوجته في حزنها حتى سمعت في يوم ما بائعاً متجولاً يبيع تفاحاً على حماره وينادي "دوا للحبل"، فاشترت تفاحة لكن زوجها الذي عاد للبيت جائعاً أكل نصفها ولم يتبق لها سوى النصف. مرت الأيام وحملت وأنجبت صبياً صغير الحجم سموه "نص نصيص"، والذي كبر وأصبح رغم حجمه الصغير جداً أقوى وأذكى من أبناء أعمامه.

جبينة

تتحدث عن امرأة حامل ترى قرص جبنة أبيض، فتنجب ابنة بيضاء مثله، فتكيد لها العبدة، وتعمل على طلاء وجهها بتراب أسود لتحولها إلى عبدة، وتطلي وجهها باللون الأبيض. وبعد فترة يتزوج ابن السلطان العبدة، وجبينة صارت ترعى الغنم وتغني:

يا طيور طايرة ويا وحوش سايرة

قولي لامي وابوي جبينة صارت راعية

ترعى غنم وترعى نوق

وتقيّل تحت الدالية

وعندما سمعها ابن السلطان قرر أن يذهب إليها ليستمع لحكايتها، وعندما فعل فهم منها الحقيقة واللعبة التي قامت بها العبدة، فيترك العبدة ويتزوج جبينة التي تصبح سيدة القصر.

تحولات الحكاية بعد الاحتلال

بعد الاحتلال شهدت الحكاية الشعبية الفلسطينية تحولات عديدة، فلم يعد سردها للتسلية بل لتوثيق تفاصيل الحياة اليومية، مثل طقوس الزواج، الأغاني الفلكلورية، وأسماء الحقول والعيون، لإثبات أن الأرض كانت عامرة بالثقافة، فاستبدلت الحكايات الخيالية بقصص عن القرى المدمرة وحكايات العودة، وبالتالي لم تعد الحكاية الشعبية الفلسطينية انعكاساً للخيال الجمعي فقط، وإنما وسيلة لتناقل التجارب والمقاومة والنصر، لتصبح جزءاً من "الهوية السردية" وأداة للمقاومة الثقافية وتثبيت الهوية، حيث ركزت على الأرض، والعودة، والتمسك بالمفاتيح كرمز للحق، وصبر المظلوم مقابل تحدي المحتل. فاشتهرت قصص تعكس الواقع، مثل قصص العودة والمفاتيح حيث تداول المهجرون قصصاً عن بيوتهم ومفاتيحهم التي احتفظوا بها، تعبيراً عن يقينهم بالعودة. واستخدمت رموز القصص الشعبية الخرافية مثل قصص الغول للحديث عن المحتل الغريب الذي يجب التغلب عليه بالذكاء والشجاعة. بالإضافة إلى القصص الواقعية: مثل قصص الصمود في القرى التي هُدمت، أو حكايات عن شجاعة قادة الثورة، وقصص العودة والمقاومة حيث تركزت حول "عنترة الفلسطيني" واستخدمت حكايات جحا للتهكم والسخرية من المحتل.

حكاية ظريف الطويل

ومن أهم حكايات الشجاعة والمقاومة حكاية ظريف الطويل حيث تقول الحكاية:

كان «ظريف الطول» قوياً صارماً، ألهب قلوب الصبايا بوسامته وخصاله النبيلة، لكن «ظريف الطول» كان مشغولاً بشراء البنادق للدفاع عن قريته ضد هجوم العصابات الصهيونية. وفي كل معركة يخوضها كان يغيب لشراء البنادق ويعود للقتال. وفي إحدى المعارك الكبرى، وبعد دحر العصابات، قام أهل القرية بحصر شهدائهم والتعرف إليهم، فلم يجدوا «ظريف الطول» لا بين الأحياء ولا بين الشهداء، اختفى بعد أن أجمع أهل القرية على قوته وجرأته وهو يقاتل المعتدين بشراسة، حتى صرع منهم أكثر من عشرين صهيونياً، وكان يستخدم بندقيتين في آن واحد. وتحولت قصة اختفائه إلى أسطورة، حيث قيل إنه ظهر في معارك مختلفة (يافا، غزة، بورسعيد، بيروت). وهكذا أصبحت قصة ظريف الطول رمزاً للمقاومة والشجاعة.

أطفال غزة يروون قصصهم

بعد الحرب على غزة، لم تعد القصص تروى من قبل الجدات والأمهات، فقد تحول الأطفال الذين كانوا يستمعون للقصص إلى رواة يروون قصصهم وما حدث في غزة، وذلك ضمن حملة دولية أطلقها مسرح عشتار في فلسطين تهدف إلى قراءة نصوص كتبها أطفال وشباب من غزة عن حيواتهم ومتغيراتهم النفسية وأحلامهم في ظل الحروب والهجمات المتكررة على غزة سنة 2010 – 2014 – 2023. وكلها نصوص تجسد بطولات المقاومة رغم المآسي المتكررة، وتوثق لملحمة شعب شجاع لا يستسلم، ومنها ما يتحدث عن الفقدان واستشهاد الأصدقاء والإخوة والأهل، وعن دمار المدارس والبيوت والجثث التي تتطاير بفعل القصف وتتحول إلى أشلاء وأكوام في المشافي، وعن المقابر الجماعية وإنذارات جيش الاحتلال بإخلاء البيوت، وعن الشوق للأصدقاء الذين رحلوا. وقد قرئت هذه النصوص في جميع أنحاء العالم بعد أن أطلق مشروع عشتار دعوة عالمية على صفحات التواصل الاجتماعي لقراءتها، في كل عام بالتزامن مع "اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني" في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر وشارك بهذه الدعوة العام الماضي أكثر من 3000 فنان ومجموعة مسرحية بأكثر من 42 دولة وبلغات مختلفة، خاصة أن النصوص مفتوحة على موقع مسرح.

وهكذا نرى أن الحكاية الفلسطينية بكل أنواعها تجاوزت الحدود الزمنية والجغرافية وهي تراث استطاع أن يعيد إنتاجه في تحويل الثقافة والتراث إلى أدوات للمقاومة والحفاظ على الهوية ليكون وثيقة سياسية وثقافية تمثل أحد أعمدة الصمود الفلسطيني في مواجهة المحتل وسياسات التهويد، إذ تظل الحكاية إعلاناً يومياً بأن الأرض لها أصحابها الحقيقيون.