Menu

الروائية مي جليلي: أكتب لأتنفس... نحن لا نموت بسهولة

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (80) (1554)

أولَ الوجع كانت فلسطين، وليس آخرها مخيم اليرموك. في سلسلة الحوارات التي تنشرها مجلة (الهدف) نلقي الضوء على كتّاب وأدباء ولدوا في مخيم اليرموك وشردتهم المنافي إلا أنّ جذورهم بقيت عالقة فيه. وهذا هو حال الكاتبة والروائية مي جليلي المغتربة في بلاد الغرب، ورغم الغربة الإجبارية، تطلّ برواية جديدة تتحدث فيها عن شقاء البعد وذل المنافي مقابل حياة بسيطة آمنة وهي من آمنت بعودة الروح إلى بيوت المخيم وشوارعه... وكانت لنا وقفة معها أثناء زيارتها لدمشق مؤخراً.

 

عشتِ في مخيم اليرموك ولك الكثير من الذكريات. ما أهم محطات ذكرياتك في هذا المخيم؟

المخيم كان كل حياتي المؤقتة التي أعيش بها، ليس لأنه الأمل الذي لا يخبو، بل هو بداية المشوار الطويل والصعب. المخيم ليس مكاناً للخيال ولا أرضاً صالحة للتذكر.. هو بالنسبة لي محطة انتظار للعودة إلى بلدتي لوبية في طبريا. ربما هذا وجودي كله وأمنية الأمنيات.. وما زال حقي بالحياة في وطني يسرح في الأفق البعيد، لكن هذا الحق سينزل يوماً على الأرض ويمشي بيننا ويأخذنا إلى الحقيقة المطلقة، نحن لنا وطن ينتظرنا.. ربما لا يسعفني الزمن وأدركه لكنه ينتظر أولادي وأحفادي... المخيم سيعود كما كان بل أكثر وجوداً.. سينهض من تحت التراب، وسوف يعود النور إلى نوافذه والشجر البهي إلى أرصفته... سنقف أمام محلاته وتحت شرفاته.. المخيم سيعود كما كان وأجمل.. لقد رأيته يفتح أبوابه للقادمين، ويضمهم بقلبه الكبير.

 

ساعدتك يد القدر في الانتقال من مكان إلى آخر حتى وصلت إلى بلد اللجوء (هولندا). هل شعرتِ بالامتنان إلى أحدٍ ما؟

كانت رحلة اللجوء شاقة، مهما قلت لا أستطيع شرح العذاب والحزن الذي لقيته، ومهما كان ومهما جرى لن أعيدها أبداً.. لقد كنا نحن اللاجئين نساعد بعضنا.. لكن الامتنان هو للبلد المضيف هولندا التي دعمت وجودنا على أراضيها، وعاملتنا وكأننا أصبحنا مواطنين، يحق لنا كل ما يحق للسكان الأصليين.

 

لو لم تسعفك الظروف، ما الذي كنتِ ستفكرين فيه بشأن مستقبلكِ ومستقبل عائلتك مع أنك لم تتوقفي عن الكتابة رغم الغربة القاسية؟ ما الدافع الذي جعلك تستمرين في الكتابة؟ وتصدرين الكتب حتى الآن؟

كان من حقي أن أبحث عن الأمان لأسرتي.. كنت أخشى عليهم من الحرب والاعتقال.. وسوف أحاول دائماً حماية أولادي وأحفادي.. لن أجلس مكتوفة الأيدي.

لا يوجد ما يوقف يدي عن الكتابة بأي مكان أو زمان، ليس عندي دوافع للكتابة.. هي أصلاً ولدت معي وعاشت في قلبي ودائماً تتجول في أفكاري.. وتتعبني ولا تكفّ إلا حين أحطّ رحالها على الورق.. الكتابة بالنسبة لي ليست طارئة ولا ترفاً ولا دوافع.. إنها حياتي.

 

كيف استقبل النقاد أعمالك الروائية؟ لنتحدث عن (قناديل الجليل) مثلاً.

لا أستطيع حصر ما كُتب عن رواياتي من قبل النقاد أو القراء.. لكن كانت الآراء تدعوني للأمل والاستمرار... رواية (قناديل الجليل) هي رواية بلدتي في فلسطين.. رواية أخذتها من ذاكرة جدتي وأبي وأمي.. لقد كانت فلسطين على قيد الحياة في قلوبهم.. فكتبتها كما هي، تضج بالحياة وكأنني كنت هناك.. وقد استغربَ أبي حين قرأها وقال لي: ما أدراك أن هذا هو الذي حدث؟! فعرفت أن روايتي من حبر روحي.

 

كيف تصفين علاقتك بالكتابة وموقعها على خارطة الأدب الفلسطيني والإبداع الروائي؟

علاقتي بالكتابة معقدة متعبة مبهجة مدهشة... لا يمر يوم دون أن تكون هناك فكرة تتكون كالجنين في رأسي.. لا تتصوري حفاوتي حين أرضى عن جملة كتبتها أو حين يعجبني مقطع في رواية.. أشعر بالفرح الخفي وأقرأ لنفسي بصوت عالٍ، وأثني على ما كتبت.. وأحياناً كثيرة لا أرضى، فتكون سلة القمامة هي المكان الأخير لما كتبت.

أما عن موقعي على خارطة الأدب الفلسطيني، فأنا لا أعرف.. هو الزمن فرامة لا ترحم.. أدعو الله أن أنجو من هذه الآلة التي لا تجامل.

 

في رواية (حجر الزار) حلمتِ أن المخيم عاد كما كان، مع أهازيج الفرح والسعادة والبناء، وعودة الأبناء، وتصالح المخطئين مع من أخطؤوا في حقهم. لو تحقق هذا الحلم، هل كنت ستعودين إلى المخيم؟ وما أول شيء كنت ستفعلينه؟

حلمت أن يعود المخيم كما كان... حلمت أن تأتي الجرافات وتحمل الردم والهدم.. حلمت كثيراً بالأيدي المسالمة بالنفوس الحرة بالقلوب النظيفة أن تعود وتبني المخيم من جديد.. ليس المخيم وحسب بل كل وطني ونبض قلبي سوريا، وسوف تكون الأيام القادمة أجمل.. تجبرنا الأقدار أحياناً على الرحيل لكن ربما أعود إلى اليرموك، وإن لم أستطع العودة سيظل قلبي هناك ..

 

مي جليلي روائية وقاصة فلسطينية من مواليد مخيم العائدين في حمص، انتقلت للدراسة والعمل في دمشق وسكنت مخيم اليرموك منذ زمن بعيد، تقيم حالياً في هولندا. من أشهر أعمالها الروائية: قبضة غبار- قناديل الجليل- براري النرجس- جلد الثور.. والمجموعة القصصية (حراب القصب). نالت العديد من الجوائز أشهرها: جائزة المزرعة - السويداء عام 2009 عن روايتها (براري النرجس).