Menu

نزول عن الشجرة أم حفظ لماء الوجه قراءة في التهدئة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران

د. إبراهيم يوسف عبيد

بوابة الهدف

في لحظات الصراع الحاد الذي يقترب من حافة الهاوية، تتكشّف حقيقة السياسة بوصفها "فنّ الممكن"، لا مجال للمثاليات أو الشعارات. وفي سياق الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يمكن قراءة اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت باعتباره حدثًا عابرًا، بل هو تعبير عميق عن نمط متكرر في إدارة الصراعات الدولية الكبرى، وهو: التراجع المحسوب المغلّف بخطاب الصلابة.

وفي ضوء هذه المقاربة، وبعيدًا عن شعارات الانتصار أو الهزيمة، يأتي السؤال الذي يفرض نفسه: كيف استطاع الطرفان إعادة إنتاج موقفيهما بطريقة تتيح لهما التهدئة دون دفع كلفة الاعتراف بالتراجع؟

تأسيسًا على ما تقدم، نسعى في هذا المقال للوقوف على العوامل والأسباب التي دفعت الولايات المتحدة و إيران للوصول إلى هذا الاتفاق الذي قد يمثل بداية لنهاية الحرب، مع الاعتراف بأهمية دور الوساطة الإقليمية لا سيما الباكستانية، وذلك من خلال التالي:

أولاً- التراجع المحسوب مقابل الحفاظ على الهيبة:

يشكّل مفهوم النزول عن الشجرة في العلاقات الدولية استعارة سياسية دقيقة لحالة تصل فيها الأطراف إلى سقف تصعيدي لا يمكن تجاوزه دون مخاطر وجودية. غير أن هذا النزول، في العلاقات الدولية، نادرًا ما يأتي في صورة مباشرة أو صريحة، بل يُعاد تشكيله ضمن خطاب يحفظ للدولة مكانتها وهيبتها. بمعنى أدق، أن تتراجع الدولة عن موقف متشدد أو قرار قوي بشكل ذكي يحفظ كرامتها، دون أن تظهر وكأنها انهزمت.

في المقابل، فإن "حفظ ماء الوجه" لا يعني فقط تجنب الإحراج، بل هو عنصر بنيوي في السلوك السياسي للدول، حيث ترتبط الشرعية الداخلية -وأحيانًا الردع الخارجي- بصورة القوة والثبات. ومن هنا، يصبح التحدي الحقيقي ليس في اتخاذ قرار التهدئة، بل في كيفية تسويقه.

ثانيًا- منطق الكلفة حين تفرض الواقعية نفسها:

إذا ما تجاوزنا الخطاب إلى مستوى التحليل الواقعي، نجد أن التهدئة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران تعكس إدراكًا متبادلًا بأن كلفة المواجهة المفتوحة تفوق أي مكسب محتمل. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن الانخراط في صراع واسع في منطقة معقّدة سيستنزف مواردها ويزيد من أعبائها الاستراتيجية.

وفي إطار هذه الكلفة، تجاوزت الحرب حدود المعركة الميدانية والعسكرية إلى حرب اقتصادية باهظة الكلفة تتكبدها واشنطن بدفع عشرات المليارات من الدولار الأمريكي، وسلّطت مجلة "لكسبريس الفرنسية" الضوء على تدمير طائرة مراقبة أمريكية متطورة من طراز "أواكس" في ضربة إيرانية استهدفت قاعدة الأمير سلطان في السعودية أواخر مارس الماضي. وأشارت إلى أن قيمة الطائرة تقارب 500 مليون دولار، في واحدة من أبرز الخسائر الرمزية والمادية لواشنطن، بيد أن هذه الحادثة ليست معزولة.

ويكشف تقرير تحليلي نشره موقع "ذي أتلانتيك" الأمريكي للكاتب "جيمس فالوز" أن سلاح الجو الأمريكي تكبّد سلسلة خسائر في طائرات رئيسية خلال أيام قليلة، من بينها مقاتلات وقاذفات دعم لوجستي. وبحسب التقرير نفسه، فقد خسرت الولايات المتحدة 4 مقاتلات من طراز "إف 15 إي سترايك إيغل"، 3 منها في حادث "نيران صديقة" في الأيام الأولى للحرب، وأخرى أُسقطت بنيران إيرانية، وتُقدّر كلفة الطائرة الواحدة بنحو 90 مليون دولار.

كما أشار التقرير إلى خسارة ما لا يقل عن 4 طائرات تزويد بالوقود جوًا من طراز "كي سي 135"، إحداها تحطمت بعد تصادم جوي أدى إلى مقتل جميع أفراد طاقمها، في حين تعرضت أخرى لأضرار نتيجة ضربات صاروخية إيرانية، وتبلغ كلفة الطائرة الواحدة نحو 80 مليون دولار. وفي الهجوم ذاته الذي أشار إليه تقرير "لكسبريس"، دُمّرت أيضًا طائرة الإنذار المبكر "إي-3 سنتري" (E-3 Sentry)، والتي قد تصل كلفة استبدالها إلى نحو مليار دولار، وفق تقديرات نقلها "ذي أتلانتيك"، ما يعادل تقريبًا كلفة يوم واحد من العمليات العسكرية.

أما إيران، فهي تدرك أن التصعيد المباشر قد يعرّضها لضغوط قاسية تتجاوز قدرتها على التحمل في المدى الطويل. هنا، لا يكون التراجع خيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بل ضرورة تفرضها معادلة الكلفة والعائد. فقد استنزفت الحرب بشكل واسع قدرات إيران العسكرية وبنيتها الاستراتيجية، بعدما تكبّدت خسائر فادحة شملت تراجعًا في ترسانتها الصاروخية، وأضرارًا واسعة في بنيتها العسكرية والمدنية. لا سيما أن العمليات العسكرية- حسب مصادر استخباراتية- استهدفت أكثر من 10 آلاف موقع عسكري إيراني منذ بدء الحرب، أدت إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 66% من منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن، إضافة إلى إغراق نحو 92% من السفن الحربية الكبيرة التابعة للبحرية الإيرانية، ناهيك عن الخسائر البشرية والاقتصادية التي يصعب حصرها في الوقت الراهن.

ثالثًا- التهدئة تمثل إعادة تموضع لا نهاية صراع، وهدوء في الميدان، وتصعيد في الخطاب:

من منظور تحليلي رصين، لا يصح التعامل مع هذا الاتفاق باعتباره لحظة ختامية في مسار الصراع، بقدر ما ينبغي قراءته كحلقة ضمن دينامية مستمرة من التفاعل الاستراتيجي بين الأطراف المعنية. فالصراعات ذات الجذور العميقة -خصوصًا تلك التي تتقاطع فيها محددات النفوذ، والهوية، والهواجس الأمنية- نادرًا ما تجد تسوياتها في ترتيبات مرحلية أو تفاهمات ظرفية، بل تميل إلى إعادة إنتاج نفسها في صور جديدة تتلاءم مع تحولات البيئة المحيطة. هذا التحليل يؤكده الكاتب والناشط السياسي السريلانكي "موكينثان ثورايراجسينغام" بالقول: "أمريكا لا تستطيع إيقاف الحرب حتى لو أرادت! هل تعلم لماذا؟ لأن عواقب التوقف أسوأ من الاستمرار. إذا أوقفت أمريكا الحرب اليوم وذهبت للتفاوض مع إيران، ماذا ستطلب إيران في المقابل؟ ستطالب بانسحاب كامل من الشرق الأوسط، كل قاعدة، كل سفينة، وكل جندي يجب أن يغادر. وستطالب بتعويضات بمليارات الدولارات. قد تتساءل: ماذا لو خضعت أمريكا وغادرت؟ سيكون ذلك المسمار الأخير في نعش الإمبريالية الأمريكية" ويردف موكينثان: "القوة الحقيقية لأمريكا ليست جيشها، بل الدولار. اليوم، تجارة النفط العالمية تقوم على الدولار. الاقتصاد الأمريكي قائم على ما يُعرف بـ”البترودولار”.

إن تحليل وتصور موكينثان قد يبدو منطقياً، وأتفق فى بعض جوانبه؛ بوصف التهدئة بأنها بمثابة عملية إعادة تموضع أكثر منها تسوية نهائية. إذ تتيح هذه التهدئة للأطراف الفاعلة مساحة لالتقاط الأنفاس في لحظة ضغط مرتفع، بما يحدّ من احتمالات الانفجار غير المحسوب الذي قد يترتب عليه كلفة استراتيجية باهظة. كما تشكّل أداة تكتيكية لكسب الوقت، يُعاد خلالها ترتيب الأولويات، وإعادة بناء القدرات، وتقييم موازين القوى في ضوء المعطيات المستجدة.

علاوة على ذلك، تسهم التهدئة في تأجيل الانخراط في مسارات تصعيدية قد تكون نتائجها غير مضمونة، خاصة في بيئات تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين. فهي، بهذا المعنى، لا تُنهي الصراع، بل تعيد تشكيله ضمن حدود أقل حدة، مع إبقاء عناصره البنيوية قائمة وقابلة للانبعاث في أي لحظة تتغير فيها شروط التوازن.

وعليه، يبدو الاتفاق في جوهره أداة لإدارة الصراع وليس لتفكيكه؛ أي أنه يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ"إدارة الصراع" بدلًا من "تسويته". وهذه الإدارة لا تلغي التناقضات الأساسية، بل تُعيد تنظيمها ضمن أطر زمنية وسياسية مختلفة، بما يسمح للأطراف بالحفاظ على مواقعها أو تحسينها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

أضف إلى ذلك، واحدة من أبرز سمات هذا النوع من الاتفاقات هي الازدواجية الواضحة بين الفعل والخطاب.

ففي الميدان، هناك تهدئة، ضبط للنفس، وربما تفاهمات غير معلنة. وفي الخطاب، تبقى لغة التحدي والصمود حاضرة بقوة. هذه الازدواجية ليست تناقضًا، بل هي جزء من آلية إدارة الأزمة. فالدول لا تتحدث فقط إلى خصومها، بل إلى شعوبها وحلفائها أيضًا، ما يفرض عليها الحفاظ على صورة متماسكة حتى وهي تتراجع تكتيكيًا.

باعتقادي، إن قراءة التهدئة يجب أن تنفصل عن أوهام الحسم النهائي، وتتجه نحو فهمها كجزء من لعبة استراتيجية مفتوحة، حيث تستمر عملية إعادة التموضع كآلية مركزية في سلوك الفاعلين، في انتظار لحظة أخرى قد تُعيد إنتاج الصراع بأشكال جديدة، وربما أكثر تعقيدًا.

رابعاً- البعد الداخلي والخارجي (السياسة الخارجية امتداد للداخل):

لا يمكن فهم سلوك الولايات المتحدة أو إيران دون النظر إلى السياق الداخلي لكل منهما. فالقيادات السياسية، في كلا البلدين، تعمل تحت ضغط الرأي العام، والتوازنات السياسية، والتحديات الاقتصادية. ومن هنا، تصبح التهدئة خيارًا يسمح بتجنب حرب يرفضها الداخل، دون الظهور بمظهر الضعف، وحفظ ماء الوجه هنا لا يتعلق فقط بالعلاقات الدولية، بل بإدارة السياسة الداخلية. ففي عام 2015م، وقعت إيران والولايات المتحدة الاتفاق النووي، والواضح أن إيران وافقت على الاتفاق لتخفيف العقوبات الاقتصادية التي كانت شكلت ضغطاً ثقيلاً على الشعب الإيراني، بينما فضّلت الولايات المتحدة الحل الدبلوماسي لتجنب حرب لا يريدها الداخل الأمريكي، وهكذا يبدو اتفاق التهدئة جاء نتيجة ضغوط داخلية إيرانية وأمريكية، مما يؤكد أن السياسة الخارجية هي امتداد للوضع الداخلي. ويأتي الاتفاق أيضًا في بيئة دولية تميل إلى احتواء الأزمات بدل تفجيرها. فالقوى الدولية الأخرى، سواء الكبرى أو الإقليمية، لا ترى في التصعيد مصلحة مباشرة، بل تخشى من تداعياته الواسعة. هذا المناخ يخلق نوعًا من الضغط غير المباشر نحو التهدئة، ويجعل من الاتفاق المؤقت خيارًا مقبولًا ومرغوبًا.

باعتقادي، أن تهدئة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران ليست حدثًا يمكن اختزاله في ثنائية التراجع أو الانتصار. إنها تعبير عن لحظة إدراك مشتركة لحدود القوة، وعن قدرة السياسة على إيجاد مساحات وسطية بين المواجهة والتسوية. وهنا، يمكن القول: إن ما حدث هو نزول محسوب عن الشجرة، أُعيدت صياغته بعناية ليبدو كوقوفٍ أكثر صلابة. وهذا، في جوهره، هو منطق السياسة الدولية: أن تتراجع حين يجب، لكن دون أن تسمح لأحد بأن يراك تفعل ذلك.