ليس من السهل أن تُختصر حياة رجلٍ اختزل في تفاصيلها تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ فمنذ أزقة مخيم المغازي التي شهدت صرخة ميلاده الأولى، وحتى لحظة ارتقائه شهيداً في الثالث من آذار/مارس 2026، ظلّ الرفيق علي الصلحات (أبو الحسن) يكتب بدمه وعرقه وسنوات عمره فصلاً ناصعاً من فصول العنفوان الوطني الذي لا ينكسر.
جسّد أبو الحسن معنى "المناضل الشامل" كما يُفهم في الواقع لا في الكتب. نشأ لاجئاً، وفقيراً، ولكنه لم يستسلم للواقع، بل زاده صلابة. تعلّم منذ وقت مبكر كيف يُحوّل الحرمان إلى دافع، وكيف يجعل من الألم قوة تدفعه إلى الأمام.
في بيته المتواضع داخل المخيم، كانت الأبواب مفتوحة للفدائيين؛ مكانًا للراحة، وملاذاً لكل من اختار هذا الطريق. ومع مرور الوقت، لم يعد يكتفي بأن يكون قريباً من المشهد، بل صار جزءاً منه، حيث حمل مسؤوليته بيده، واشتغل بالفعل قبل الكلام، فكان حاضراً في الميدان، وسنداً حقيقيًا لرفاقه في أصعب اللحظات.
التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1969، وكان انتماؤه قراراً عميقاً نابعاً من قناعة، وليس مجرد إطار تنظيمي؛ فانضم مبكراً إلى العمل العسكري، وسرعان ما أصبح من الأعمدة في اللجنة العسكرية الأولى في المنطقة الوسطى. ومع رفاقه، شكّلوا حالة نضالية مؤثرة، تركت بصمتها في الميدان عبر كمائن دقيقة وعمليات جريئة، رغم قلة الإمكانيات وضيق الحال.
ومن المحطات التي لا تُنسى في حياته، مشهد اعتقاله وعدد من رفاقه في منطقة "المغراقة" عام 1970، حيث وجد نفسه محاصراً من كل اتجاه. كانت لحظة فاصلة: اختار أن يُؤسر واقفاً، مرفوع الرأس، وبدأ من تلك اللحظة فصلاً جديداً من النضال، هذه المرة من داخل السجن.
في غرف التحقيق، لم تكن المواجهة سهلة. لكنها شَكلّ له اختبارًا للإرادة، وصمته كان موقفاً، وثباته كان فعل مقاومة بحد ذاته. وصمد، وحمى رفاقه، وحافظ على ما كان يجب أن يبقى مصوناً، وتحوّل إلى نقطة ارتكاز، وانكسرت على صلابته محاولات الإخضاع، ليترك خلفه درساً حياً في معنى الصمود.
خمسة عشر عاماً قضاها في السجن، لم تضعفه، وإنما أعادت تشكيله؛ فخرج أكثر وعياً، أعمق تجربة، وأشد ارتباطًا بقضيته، مشاركاً في معارك "الأمعاء الخاوية"، التي كانت دفاعاً عن الحقوق والكرامة، وإعادة رسم للعلاقة بين الأسير والسجّان.
وحين تحرر في صفقة "الجليل" عام 1985، لم يبحث عن راحة، ولم ينسحب من الطريق. عاد إلى مخيم المغازي بروحٍ جديدة، يحمل همّاً مختلفاً: بناء الوعي؛ فصار قريباً من الناس، من الشباب تحديداً، يحدّثهم، يوجّههم، ويزرع فيهم فكرة بسيطة وواضحة: الأرض هي معنى وذاكرة وهوية.
كان يدرك أن المواجهة لا تُحسم بالبندقية وحدها، وأن الوعي جزء أساسي من أي معركة، وكان يرى أن الاحتلال يحاول كسر الإنسان من الداخل، وأن الرد يكون بالثبات، وبالعقل الذي يرفض الهزيمة، وبالذاكرة التي لا تُمحى.
يرحل أبو الحسن في وقت صعب، والبلد يمر بمرحلة ثقيلة، تتكاثر فيها التحديات وتضيق فيها المساحات؛ لكن ما تركه خلفه هي نهج حياة، وطريق واضح، وتجربة نضالية غنية تقول "إن هذا الشعب، مهما اشتد عليه الضغط، قادر أن يقف من جديد".
حياة أبو الحسن هي تجربة تُفهم وتُكمل، ونستخلص العبر منها من أن طريق النضال طويل، وأن الحرية لا تعطى جاهزة، بل تنتزع بالمقاومة وبالصبر والإصرار، وأن من عاش على مبدأ، لا يخاف النهائية، لأنه يعرف أن ما يتركه بعده هو الأهم.
نم قرير العين يا أبا الحسن؛ أديت ما عليك، وحافظت على ما آمنت به حتى النهاية. سيبقى اسمك حاضراً بين رفاقك والجماهير، وفي المخيم، وفي الذاكرة.
المجد للشهداء.. الحرية للأسرى.. وإنا على دربك يا أبا الحسن لسائرون.

