Menu

شذرات من "سحب الجحيم" الرفيق خليل خليل يروي ملامح البطولة في حياة رفيق الرعيل الأول علي الصلحات

خليل خليل

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

في زمن صعب، عندما كانت البطولة تُقاس بالفعل وليس بالكلام، رحل الرفيق التاريخي علي الصلحات "أبو حسن". مضى بهدوء يشبه حياته؛ حياة رجل حمل روحه على كفّه منذ البدايات، وسار في طريقه وهو يعرف تماماً ما ينتظره.

كان من رفاق الرعيل الأول، أولئك الذين تعاملوا مع النضال كحياة كاملة، وكان الفعل عندهم يسبق الكلام، والتجربة تُقاس بما يُدفع من ثمن، لا بما يُقال عنها.

رحيل الرفيق "أبو حسن"، أحد أعمدة مجموعات القائد محمد الجحاحة "أبو النصر" في قطاع غزة، يعيدنا إلى مرحلةٍ قاسية وناصعة من تاريخ المقاومة في قطاع غزة بعد عام 1967؛ مرحلة تشكّلت فيها ملامح العمل الفدائي تحت الضغط المباشر للاحتلال.

 

فلسفة الصمت عند "أبو حسن"

في غمرة الوفاء لهذا الرفيق المناضل، التقت "مجلة الهدف" بالرفيق خليل خليل، أحد معدّي كتاب "سحب الجحيم" ومسؤول لجنة الرقابة بفرع غزة، ليفتح لنا الصندوق الأسود لذاكرة المنطقة الوسطى، وتحديداً تلك الشذرات التي جمعته بالرفيق الراحل علي الصلحات "أبو حسن" أثناء رحلة توثيق العمل الفدائي بين عامي 1967 و1973.

 

رجلٌ يترك الفعل يتحدث

يستذكر الرفيق خليل لقاءه الأول بأبي حسن، واصفاً إياه بـ "صاحب فلسفة الصمت". يقول خليل: "حين جلسنا معه لننبش في تفاصيل الكفاح المسلح، لم نجد رجلاً يبحث عن مجدٍ شخصي، وإنما وجدنا فدائياً حقيقياً يترك ما فعله يتحدث عنه. كان قليل الكلام، لكنه حين يتحدث، يفعل ذلك بهدوء واتزان، يحلل التجربة الكفاحية بإنصاف، يذكر النجاحات ولا يخجل من الإشارة إلى الأخطاء، وكأنه يضع بين أيدينا أمانة للتاريخ لا مجرد حكايات."

ويضيف خليل: "أكثر ما أثر فينا هو وفاء أبي حسن لرفاقه الذين استشهدوا أو غيّبتهم السجون؛ كان يستحضر أسماءهم بروحٍ تقية، وكأنهم لا يزالون يحيطون به في الغرفة. لقد تعلم في مدرسة الجبهة الشعبية أن العطاء يبدأ دون انتظار مقابل، وهذا ما جعل ملاحظاته حول التواصل والإرث نابعة من حرصٍ وجودي على هوية الجبهة."

 

ملحمة "الجمّيزة": حين يبتلع المخيم غزاته

ينتقل بنا الرفيق خليل في حديثه إلى إحدى أهم محطات الكتاب، وهي "عملية نادي خدمات النصيرات" (1 يوليو 1970)، التي كان الرفيق الراحل أحد أبرز منفذيها. يروي خليل نقلاً عن أبي حسن، كيف تحّولت شجرة جميزة عتيقة قرب "قهوة البرابرة" إلى شاهد ملك على انكسار هيبة الاحتلال.

يقول: "أخبرنا أبو حسن أن التعليمات كانت واضحة لهم: وضع حدٍ لاقتحامات الدوريات الليلية. اجتمع أكثر من خمسة عشر مقاتلاً من مغاوير النصيرات والبريج، بتنسيق عالٍ بين رفاقٍ مثل الصلحات، وأبو سلطان، ومحمد فارس ياسين (أبو العز). وُزعت المجموعات بدقة؛ مجموعة احتمت بجذع الجمّيز السميك، وأخرى تمركزت في الغرف المطلة على الشارع لتأمين الإحاطة."

ويصف خليل لحظة الصفر كما رواها الراحل: "بعد ساعات من الانتظار في الظلام الدامس، وقعت المجنزرة والجيب العسكري في الشرك. وبأمر عملياتي متزامن، انهمر الرصاص والقنابل اليدوية من كل اتجاه. يصف أبو حسن المشهد بارتباك الجنود ومحاولاتهم اليائسة للنجاة، حتى انتهى الموقف بقنبلة مباشرة حسمت التفاف الجيب، لتنتهي الدقائق القليلة بخسائر فادحة للعدو وبنصرٍ معنوي كبير للمخيم."

ولم تكن عملية "الجمّيزة" إلا حلقة في سلسلة طويلة، فهي واحدة من عشرات العمليات النوعية التي نفّذها الرفيق الراحل مع رفاقه، والتي تقف اليوم شواهد حية على جرأته الفريدة وتاريخه المثقل بالصلابة والشجاعة الفدائية التي لا تلين.

 

"سحب الجحيم": حماية الذاكرة من الاندثار

وفي حديثه لـ "مجلة الهدف"، يؤكد الرفيق خليل خليل أن رحيل "أبو حسن" هو دعوة متجددة لقراءة كتاب "سحب الجحيم" بعيون مغايرة. يوضح قائلًا: "هذا الكتاب الذي يوثق تجربة العمل العسكري في قطاع غزة، هو محاولة لحماية الذاكرة الوطنية وتفنيد افتراءات الاحتلال.

ويختم خليل كلماته بلمسة وفاء: "أبو حسن وأمثاله هم الذين وضعوا الأساس وفتحوا الطريق بصدورهم. رحل أبو حسن تاركاً لنا إرثاً من الالتزام والصبر، ونحن خلال إعدادنا لكتاب (سحب الجحيم) حاولنا أن ننقل قصص هؤلاء الطلبة الذين صاروا مقاتلين، لنقول للعالم إن فدائيينا لا يغيبون، بل يبقون مناراتٍ على طريق التحرير."

تجدر الإشارة، إلى أن الرفيق المناضل علي الصلحات (أبو حسن) هو فدائي من الرعيل الأول للجبهة الشعبية، وأحد أبطال مجموعات "النصيرات" الذين أربكوا الاحتلال بعمليات نوعية أبرزها "عملية الجمّيزة" عام 1970، ليمضي بعدها 15 عاماً صامداً في الأسر حتى تحرره عام 1985. والذي غادرنا بتاريخ 3/3/2026، بعد حياة نضالية حافلة.

ينحدر من عائلة لاجئة ومناضلة جعلت من بيتها في مخيم المغازي قلعةً للثورة، وقد عُرف بترُفعه عن الذات وإيثاره للفعل الصامت، مُحولاً أزقة المخيم إلى خنادق مواجهة، وظل متمسكاً بالنهج الكفاحي وهويته الوطنية حتى رحيله.

من الجدير بالذكر إلى أن كتاب "سحب الجحيم" من إعداد وتوثيق الرفيق خليل خليل، مسؤول لجنة الرقابة في فرع قطاع غزة، والرفيق قاسم بركات، عضو اللجنة المركزية الفرعية. وتقديم الأمين العام للجبهة الشعبية الرفيق أحمد سعدات، ويؤرخ الكتاب لتجربة الجبهة الشعبية العسكرية في قطاع غزة بين عامي 1967 و1973، مركزاً على "المنطقة الوسطى" ومخيماتها كنموذج لحرب العصابات التي خاضها مقاتلو الجبهة الغوار ضد الاحتلال الصهيوني.

يستعرض الكتاب، عبر فصوله الثلاثة، نشأة الجهاز العسكري وبطولات قادته مثل جيفارا غزة ومحمد أبو النصر، موثقاً دور المرأة، والبيارات كقواعد ارتكاز، والعمليات النوعية التي استهدفت آليات العدو.

كما يهدف الكتاب إلى حماية الذاكرة الوطنية من النسيان وتفنيد افتراءات الاحتلال، عبر سرد قصص الفدائيين الطلبة الذين تحولوا إلى مقاتلين أشداء، معتمدًا على شهادات حية لمن عاصروا تلك الحقبة الزاخرة بالتضحيات.