Menu

جيفري إبستين عميل المخابرات الصهيونية

علي زيدان

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

 

أحدثت الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية من ملفات جفري إبستين دوياً هائلاً لما احتوته من فضائح طالت شخصيات نافذة على مستوى العالم في شتى المجالات. لقد وردت أسماء شخصيات بارزة، سياسية ورجال أعمال وعلماء وأكاديميين ومشاهير من أميركا والعالم العربي، ودول مختلفة حول العالم. لقد شملت تلك الأسماء شخصيات سياسية مثل بيل كلينتون و دونالد ترامب وإيهود باراك، وشخصيات ملكية مثل الأمير أندرو، أمير ويلز وشقيق الملك البريطاني، وأمراء عرب معروفين، وشخصيات اقتصادية مثل الملياردير الأمريكي ليون بلاك صاحب شركة أبولو جلوبال، وبيل غيتس، وليزلي ويكسنر، والمحامي الشهير آلان ديرشوفيتز. ولم يسلم منها بعض الأسماء العلمية والفكرية البارزة، مثل نعوم تشومسكي المفكر اليساري والناقد الشرس للإمبريالية الأمريكية، وعالم الفيزياء النظرية البريطاني الشهير ستيفن هوكينج الحائز على جائزة نوبل، ومارفن مينسكي رائد الذكاء الإصطناعي. في أوائل عام 2026 نُشر المزيد من الوثائق عن قضية إبستين، وقيل أن هذه الوثائق التي سوف تُنشر تباعاً بلغ عددها ثلاثة ملايين وثيقة (من أصل ستة ملايين) متنوعة ما بين رسالة الكترونية أو أفلام مصورة، وما بينهما. وقد بَينت تلك الوثائق خطورة ما كان يقوم به إبستين من عمل مُنظم، من خلال دعوة الأشخاص النافذين إلى حفلات ماجنة وتصويرهم بمواقف مُخِلة، ومن ثم إبتزازهم إذا استدعى الأمر ذلك. اليوم، أصبحت هذه الوثائق الشغل الشاغل للناس على مستوى العالم، لما تحويه من معلومات تقشعر لها الأبدان. وصرنا نرى شخصيات كثيرة مشهورة تتنحى عن مواقعها بسبب ورود أسمها في تلك الوثائق. فقد استقال مدير معهد العالم العربي في باريس (جاك لانغ ) من موقعه، بسبب تورطه وإبنته في فضائح إبستين، وقدم اعتذاراً للشعب الفرنسي. بيل جيتس أيضاً أعرب عن ندمه لما حدث. وبعض الشخصيات العربية التي لمع اسمها مثل سلطان بن أحمد سليم، مدير شركة موانئ دبي العالمية، والدبلوماسية الإمارتية، هند عويس في الأمم المتحدة، قد تم إقصائهم عن مواقعهم بصمت مريب بسبب تورطهم المُشين في تلك الوثائق. لكن هنالك شخصيات أخرى أشد وقاحة لم تزل تبرر لنفسها دوافع تلك العلاقات، وتدافع عما قامت به. وفي هذا السياق نستطيع أن نفهم الأن ما حصل لماذا حصل، وسر صمت الكثيرين من الشخصيات النافذة حول العالم خاصة فيما يتعلق بالقضايا العربية عموماً، وبمجريات القضية الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص أبان حرب الإبادة على غزة. عندما كان الناس يستغربون من مواقف بعض القادة السياسيين المنحازة كُلياً إلى الكيان الصهيوني، كان أول ما يتبادر إلى الذهن، بأن ذلك الشخص قد يكون عليه ممسك ما (كما يُقال)، ولا يستطيع أن يتخذ موقفاً مخالفاً، خوفاً من فضيحة أو من وجود أوراق ضغط أو ملفات سوداء يملكها الأطراف المشاركين بشبكة إبستين. الآن الفضائح بدأت تظهر إلى العلن، وتبين أن هنالك الكثير من الشخصيات المُؤثرة، على مستوى العالم، ورد أسمها في وثائق إبستين، وثائق تفضح أدوارهم المشينة. أيضاً، من جملة ما كان يُقال في محاولات فهم ما يجري من أحداث وتفسير ما يجري، تَصدر البعض بوصف تلك التحليلات بأنها لغة خشبية أو بأنها جزء من نظرية المؤامرة. الآن، تبين أن المؤامرة كانت واقعة فعلاً وقولاً، ولم تكن مجرد نظرية وحسب. كما أن البعض وصفوا كتاب بروتوكولات حكماء صهيون بأنه وثيقة وهمية وليس لها أساس. اليوم يتبين لنا، أن ما كشفته وثائق إبستين كان تطبيقاً حرفياً لما ورد في تلك البروتوكولات. من هو إبستين، إذن؟ تُبين الوثائق المفرج عنها، أن جيفري إبستين (1953) ليس مجرد رجل ثري جداً، بل هو مجرم خطير كان يدير شبكة منظمة تمارس الإتجار الجنسي بالقاصرات، وتمارس النفوذ السياسي. هو يهودي أمريكي من نيويورك، بدأ حياته المهنية كمدرس للرياضيات في مدرسة خاصة للنخبة. ثم أسس شركة خاصة لإدارة الأموال (1989) بدعم من الملياردير ليزلي ويكسنر مالك شركة فيكتوريا سيكريت، الذي منحه صلاحيات مطلقة للتدخل في شؤون عائلته وأعماله، ووكله بصرف الشيكات والتبرع بأمواله، مما أكسبه ثروة هائلة ونفوذ واسع، وهذا ما جعله يتقرب من الشخصيات العالمية ذات النفوذ. غير أن الفضائح المشينة بدأت تتكشف، على الأقل منذ عام 2008، عندما أدين إبستين بتهم تتعلق بالدعارة في ولاية فلوريدا. لكن تم تخفيف الحكم عليه وخرج من السجن من خلال صفقة مشبوهة أثارت غضباً واسعاً لاحقاً. ثم أقفلت القضية بسبب وجود صلات بين إبستين والمخابرات الصهيونية. مهندس الصفقة المشبوهة هو ألكسندر أكوستا، المدعي العام الأمريكي للمنطقة الجنوبية آنذاك (2005 - 2009)، والذي عين لاحقاً وزيراً للعمل (2017 - 2019) في ولاية ترامب الأولى. وقد ذكرت الصحفية فيكي وارد في مقال نشرته في صحيفة ديلي بيست عام 2019 أن أكوستا أبرم الصفقة مع محامي إبستين لأنه طُلب منه التساهل مع إبستين وتركه وشأنه، لأنه ينتمي إلى المخابرات دون تحديد الجهة المعنية. أيضاً اتهم المحلل السياسي الأمريكي تاكر كارلسون إبستين بأنه كان عميلاً استخبارياً للحكومة الصهيونية، وقال أنه لا يسمح لأحد أن يقول ذلك بسبب الترهيب. على كل حال، كان إبستين يمارس عمليات الإغواء والإبتزاز من خلال شبكة دولية يديرها للإتجار بالقاصرات والإستغلال الجنسي، مع شريكته غيسلين ماكسويل التي كانت تقوم بتجنيد الفتيات القاصرات والإتجار بهن من خلال وعود بفرص العمل في مجال عرض الأزياء، والمنح الدراسية. والجدير قوله، أن إبستين امتلك قصوراً فاخرة في نيويورك وولايات أمريكية أخرى، بالإضافة إلى طائرة خاصة (لوليتا إكسبرس) لنقل الفتيات القاصرات بين قصوره وجزيرة ليتل سانت جيمس التي كان يمتلكها في البحر الكاريبي. وينبغي القول أن تلك القصور والجزيرة، كانوا تحت مراقبة شديدة وسيطرة كاملة سواء بالتصوير أو التسجيل، حيث وضع إبستين كاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة في كل غرفة من غرف قصوره ومنازله. وقد شهدت تلك الأوكار أبشع عمليات الإستغلال والإجرام الجنسي وممارسة الطقوس الشيطانية، واللقاءات المشبوهة بحضور لفيف من الشخصيات العالمية التي تدعي العفة والشرف وتحاضر في الأخلاق وحقوق الإنسان. في عام 2019، أُعيد إعتقال جيفري إبستين بتهم الإتجار بالجنس مع الفتيات القاصرات. وفي شهر آب/ أغسطس من نفس العام قيل أنه انتحر، وعُثر على جثته في زنزانته في سجن نيويورك. غير أن هذه القصة ما زالت غامضة وغير مؤكدة. لكن، من المؤكد أن إبستين كان على علاقة وثيقة بأجهزة الإستخبارات ودوائر صنع القرار الصهيونية، بينما يتجنب الكثيرون الحديث عنها. وينبغي القول هنا، أن الوثائق التي ما زالت تنتشر وتتتالى، تؤكد أن تلك الشبكات التي كان يديرها إبستين، لم تكن للدعارة فقط، بل كانت أيضاً أداة خطيرة لجمع المعلومات والإبتزاز السياسي، وقادرة على إنهاء مسيرة أي شخص لا يمتثل للأوامر والتعليمات، كما إنها قادرة على هز استقرار عواصم كبرى. لم تكن الممارسات والطقوس الشاذة المصورة والموثقة إلا الأداة الفعالة لإبتزاز تلك الشخصيات. وتجدر الإشارة إلى أن علاقة إبستين الوثيقة مع الأجهزة الإستخبارية الصهيونية (الموساد وآمان) وفرت له الحماية، خاصة وأن تلك الأجهزة كانت شريكة في ملكية الوثائق والملفات والأدلة التي كانت توثق كل تلك الأعمال الشاذة والممارسات الشيطانية. لقد ارتبط اسم جيفري إبستين بشكل وثيق بأجهزة المخابرات الصهيونية عبر واجهات متعددة، تراوحت بين الشراكات التجارية، والعلاقات الإجتماعية، وإدارة عمليات الإبتزاز السياسي لصالح الكيان الصهيوني. ويمكن تلخيص أبرز هذه الواجهات، كما يلي:

العلاقات الإجتماعية: ارتبط جفري إبستين بعلاقة اجتماعية وثيقة مع القطب الإعلامي البريطاني روبرت ماكسويل منذ ثمانينات القرن الماضي. وكان ماكسويل معروفاً على نطاق واسع بأنه كان عميلاً للموساد الصهيوني. وقد كتب عنه الصحفي الإستقصائي غوردون توماس كتابه "روبرت ماكسويل الجاسوس الإسرائيلي الخارق: حياة ومقتل قطب إعلامي". توفي روبرت ماكسويل في ظروف غامضة عام 1991، وأقيمت له جنازة رسمية في جبل الزيتون في القدس المحتلة، حضرها رؤساء وزراء صهاينة وقادة أجهزة المخابرات. وصفه رئيس الوزراء آنذاك إسحق شامير بأنه قدم خدمات جليلة لدولة الكيان الصهيوني خلال ثمانينيات القرن الماضي، شملت علاقات سياسية وإستثمارات مالية ضخمة. ابنته غيسلين ماكسويل تعتبر شريكة إبستين وكاتمة أسراره، ويُمكن القول أن إبستين ورث شبكة العلاقات الاستخباراتية التي بناها ماكسويل، واستخدم ابنته غيسلين لإدارة هذه العمليات.

العلاقات السياسية والأمنية: لقد ارتبط إبستين بعلاقة وثيقة مع إيهود باراك، رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، ورئيس أركان الجيش الصهيوني سابقاً. لقد كان باراك شريكاً تجارياً مقرباً لإبستين، ويزوره بانتظام في منزله في نيويورك لمناقشة أمور تجارية وأمنية، ويلتقي به شهرياً بين عامي 2013 و2017، وشُوهد أكثر من مرة يغادر مقر إقامة إبستين وهو يُغطى وجهه لتجنب كاميرات المراقبة. ساهم إبستين في تمويل شركة كارباين (Carbyne)، وهي شركة إتصالات صهيونية مرتبطة بقطاع الأمن والتجسس، أسسها باراك، وكانت تضم في طاقمها شخصيات أمنية صهيونية رفيعة المستوى، وكانت التقنيات التي تطورها متعلقة بالأمن السيبراني وتحديد المواقع والمراقبة، وميزتها كونها أدوات استخباراتية مغلفة بطابع مدني. وقد كان لباراك دور بارز في هندسة شبكة المراقبة والسيطرة على منازل إبستين وجزيرته الخاصة من خلال أجهزة التصوير والتنصت والتسجيل. ويتبغي الإشارة هنا إلى الدور الذي قام به إبستين لإقناع دولة الإمارات ودول عربية أخرى للإستثمار في هذه الشركة والإستفادة من تقنياتها. كما أن إبستين قام بترتيب لقاءات سرية بين إيهود باراك وسلطان بن سليم من أجل بناء علاقات أمنية وثقة متبادلة بين الكيان الصهيوني ودبي.

مجموعة ميجا (Mega Group)، وهي مجموعة سرية من المليارديرات اليهود الأمريكيين، أسسها ليزلي ويكسنر صاحب شركة فيكتوريا سيكريت الشهيرة وتشارلز برونفمان، الملياردير الكندي صاحب شركة سيغرام للمشروبات الروحية الم قطر ة، ومالك نادي مونتريال إكسبوز للبيسبول من عام 1968 إلى عام 1990. ارتبط إبستين بهذه المجموعة (Mega Group) من خلال ويكسنر، وهو أحد كبار مموليه. هذه المجموعة كانت تركز على حماية الهوية اليهودية، من خلال الإيمان بدولة الكيان الصهيوني والولاء لها. وتسعى لتعزيز مصالح الكيان الصهيوني في واشنطن. كما تعاون إبستين مع مجموعة روتشيلد، التي تديرها أريان دو روتشيلد (الرئيسة التنفيذية للمجموعة) من أجل تمويل شركات الأمن السيبراني في الكيان الصهيوني. ويُعتقد أن إبستين كان يعمل كـمنفذ أو ممول لبعض الأنشطة غير الرسمية لهذه المجموعات التي تتقاطع أهدافها مع الأهداف الأمنية الإسرائيلية.

مصيدة العسل (Honey Trap). تشير بعض المراسلات والتقارير الاستقصائية إلى أن شبكة إبستين لم تكن مجرد شبكة للاستغلال الجنسي فقط، بل كانت عملية استخباراتية تهدف إلى الإبتزاز السياسي.حيث استخدمت جزيرة ليتل سانت جيمس وقصوره في نيويورك وفلوريدا لجمع معلومات مادية محرجة ضد سياسيين أمريكيين وشخصيات من دول أخرى. وتشير رسائل البريد الإلكتروني إلى أن إبستين وغيسلين أدارا ما يُعرف بـمصائد العسل، لصالح الموساد لعقود، بهدف التحكم في السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال الكبار من خلال تصويرهم في أوضاع مخلة مع قاصرات. والهدف من هذه العمليات، هو ضمان ولاء النخب العالمية للسياسات الصهيونية أو الحصول على معلومات حساسة.

يتضح مما سبق أن جيفري إبستين لم يكن مجرد ممول ثري، بالإضافة إلى كونه مجرما يتاجر بالجنس مع القاصرات. بل كان عميلاً لأجهزة الإستخبارات الصهيونية على مستوى عالٍ جداً، حيث عمل على توثيق العلاقات بين رأس المال العالمي والتكنولوجيا الأمنية الصهيونية والدعم السياسي والدبلوماسي للكيان الصهيوني وسياساته الإجرامية. لقد ساهم من خلال شبكته التي أدارها مع شريكته وعشيقته غيسلين ماكسويل بتحقيق مكاسب مهمة للكيان الصهيوني سواء من كسب التأييد السياسي لجرائم الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، أو من خلال إبرام الصفقات الأمنية مع دول خليجية ودول عربية أخرى أدت إلى بناء علاقات وثيقة كانت فيها التكنلوجيا الأمنية الصهيونية هي الوسيلة التي دفعت اللقاءات الدبلوماسية إلى الأمام وأدت إلى تطبيع العلاقات والتوقيع على الإتفاقيات الإبراهيمية. لقد غاب إبستين اليوم عن المشهد العام بسبب وفاته في ظروف غامضة، بينما شريكته غيسلين ماكسويل تقبع في السجن لمدة عشرين عاماً؛ لكن الوثائق التي تدين الشركاء الأخرين ما زالت بأيدي أجهزة المخابرات التي كانت توفر الحماية لإبستين.