Menu

العدوان الصهيوأمريكي على إيران .. والرد المطلوب من طهران والإقليم !..

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (81) (1555)

في زحمة التحولات الجيواستراتيجية المتسارعة، وما اقتضته من مواجهة عسكرية مفتوحة بين إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل " من جهة أخرى، إنها حرب ربما تغيّر موازين القوى، وربما تعيد تشكيل الإقليم.. لكن البعد الأخطر لما يجري يتعدى اللحظة العسكرية فالإدارتان " الأمريكية والإسرائيلية " يتبنيان اليوم منظوراً جديداً للأمن الإقليمي والقومي , يقوم على الهيمنة الإقليمية المطلقة لا الردع فحسب بل استثمار " 7 تشرين أول 2023 " بوصفه فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة عموماً وصولاً إلى ما يسميه الثنائي ترامب ونتنياهو " تغيير وجه الشرق الأوسط " ، ضمن هذا المنظور تسعى واشنطن وتل أبيب إلى إسقاط ملف الدولة الفلسطينية والتهام أراضي قطاع غزة والضفة الغربية وفي القلب منها القدس وتصفية " محور المقاومة " بعد تفكيكه وتحجيم أدواره، فالثنائي ترامب ونتنياهو يتوهمان أن كل الأعداء سقطوا أو جرى تحييدهم، ولم يبق سوى طهران، والضربة القاصمة - كما يظنان - قد تقلب النظام في إيران ,أو تفتح الباب لتفكيكه داخلياً.. طموح تغذيه ثقة مفرطة فيما يظنان أنه " انتصار في غزة " وتحلل الغطاء العربي وتحييده وتراجع الردع الإقليمي !..

فهل تستطيع واشنطن وتل أبيب دفع ثمن هذه المغامرة العسكرية الكبيرة ؟! الجواب رهن بما تحمله هذه الحرب من نتائج مختلفة – عما شهدته الولايات المتحدة و" إسرائيل " من حروب سابقة – وبالتالي تنكشف ملامح الفاتورة الاقتصادية والأمنية والسياسية لهذا العدوان غير المسبوق !..

 

النظام الرسمي العربي ..مع من وضد من ؟ :

يبقى السؤال المركزي الذي يفرض نفسه بقوة على الوعي العربي .. من هو العدو الحقيقي هل هو الجار الإيراني .. أم المشروع الصهيوأمريكي ؟! سؤال تتقاطع فيه سردية الحاضر مع التاريخ .. لنكتشف تلك المفارقة المؤلمة : فالنظام الرسمي العربي يتجاهل العداء البنيوي مع الاحتلال الصهيوني , ويتوهّم بأن إيران هي العدو لردح من الزمن !..

لقد قام المشروع الصهيوني بالأساس على نفي وجودنا واحتلال أرضنا واستيطانها وتبديد هويتنا – منذ نكبة عام 1948 – حيث مارس اقتلاعاً وتهجيراً ممنهجاً وقتلاً منظماً وتوسعاً مدروساً , ضد شعوب المنطقة وبالمقدمة الفلسطينيين والسوريين والمصريين واللبنانيين والعراقيين ..إلخ .. فعداؤه لنا جوهري لا ظرفي .. في المقابل لم تبنِ إيران سرديتها على إبادة شعب عربي آخر , ولم يكن مشروعها السياسي يوماً قائماً على تصفية وجودنا , بل حظيت ثورتها عام 1979 , التي خرجت من المعامل والجامعات والمساجد , دعماً شعبياً عارماً .. ولم ينسَ الإيرانيون إطاحة الولايات المتحدة بحكومة محمد مصدّق عام 1953 , بعد تأميمه للنفط الإيراني , وجاءت الثورة الإسلامية ردة فعل تاريخية على الهيمنة الغربية , لكن توجّس النظام العربي الرسمي من الخطاب الإيراني الراديكالي دفعته إلى التكتل والتقاطع مبكراً مع المصالح الأمريكية , لتصبح إيران هدفاً مباشراً للشيطنة والعزل !..

لست بصدد الدفاع عن إيران , بل هي محاولة لتوصيف واقع مفاده أن النظام الرسمي العربي اختار العداء لا التفاهم والحوار مع الجار الإيراني , بل الخصومة والتعامل مع نتائجها وكأنها قدر لا راد له !..

حتى بعد نهاية الحرب العراقية – الإيرانية عام 1980 -1988 واستقرار النظام الإيراني .. لم يجد النظام الرسمي العربي فرصة لمراجعة النهج العدائي، بل حوّل تخوّفه إلى قطيعة دائمة .. وعندما تمكنت إيران من دعم بعض فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان، اتهمت بالتمدد والتوسع , حيث تم تجاهل الفراغ والتقاعس العربي الذي سبق التمدد الإيراني !..

نعم نحن نرفض استقطاع إيران للجزر الإماراتية " طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى " وندعو إلى إعادتها للسيادة العربية لكنها لا تتساوى مع الاحتلال الصهيوني القائم على الاقتلاع والضم والتهجير والتوسع والتطهير العرقي .. لا أبرر بذلك شيئاً .. لكنها دعوة لفتح نافذة للحوار والتفاهم والمراجعة .. ربما نحمل مع الشعب الإيراني في داخلنا جرحاً متبادلاً , جرح الخطاب المتشنج , وسوء الفهم المتراكم .. ففي الوقت الذي يجرّم فيه الحوار مع إيران , تفتح عواصم عربية عديدة أبوابها للتطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني , الذي لا يكتفي بالاحتلال , بل يسعى لشرعنته .. وتسويق نفسه شريكاً إقليمياً للأمن الإقليمي ضمن نظرية " عدو عدوي صديقي " فصدّقتها بعض الأنظمة العربية !.. لكن السؤال السياسي والأخلاقي : لماذا يصبح الحوار والتفاهم مع إيران تخاذل وتبعية , بينما التطبيع والشراكة مع العدو الصهيوني واقعية سياسية ؟!..

 

الاستدارة الإيرانية منذ عام 2023 :

راجعت إيران سياستها في المنطقة خلال ولاية الرئيس ابراهيم رئيسي عام 2023 , فبدأت المصالحة مع المملكة العربية السعودية - بواسطة صينية – وتوقفت الهجمات الحوثية على دول الخليج , وفتحت قنوات التفاهم , وفي بداية عهده دعا الرئيس مسعود بزشكيان: " أبناء الجغرافية الواحدة إلى التكاتف من أجل حياة رغيدة " ومن أجل إعادة هيكلة المنطقة وفق قوة المنطق وليس منطق القوة , قائلاً:" معاً لبناء منطقة قوية ومزدهرة " لكن هذا المسار لم يكتمل , بسبب التحفظات الأمريكية والعرقلة الإسرائيلية , ورهان أعمى على واشنطن من قبل بعض الأنظمة العربية لـ " ضمان الاستقرار " فهناك من يرى في أي تقارب وتفاهم مع طهران " تهديداً لشرعية النظام الرسمي العربي "!..

في هذه الجولة من الحرب الصهيوأمريكية على إيران تفطن بعض الأنظمة العربية أن "الشعب الإيراني تحت حكم الملالي ", فيبادرون إلى دعوة الجيش الإيراني للانقلاب على النظام واستبداله بـ ابن الشاه المخلوع رضا بهلوي " الثاني " بذريعة أن " نظام ولي الفقيه " قد جرّ إيران إلى حرب مع الولايات المتحدة و"إسرائيل " وليست واشنطن وتل أبيب هما من أعلنتا الحرب الثانية في أقل من عام , وتسببتا في إشعال حرب إقليمية المتضرر الأكبر منها هم شعوب المنطقة والإقليم بأسره !..

صحيح أن النظام الإيراني الحالي يتعامل مع القضية الفلسطينية برؤية براغماتية .. لكنه لم يخضع لإملاءات المصالح الصهيوأمريكية , فبنى وأشاد الجمهورية الإسلامية وطوّرها بقدراتها الذاتية رغم الحصار والعقوبات الغربية الجائرة .. ومن دون أن تدفعه "البراغماتية " إلى فتح أبواب التطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني , أو إلى إفساح المجال للاستثمارات الأمريكية والغربية للسيطرة على مقدرات الشعوب وثروات دول الخليج العربي .. أما ديمقراطية إيران الناقصة , فهي أفضل بما لا يقاس من الغياب الكلي للديمقراطية في معظم الأنظمة العربية التي فرّطت وتخلت عن فلسطين وحرية الشعوب وحقها في تقرير المصير !. قطعاً النظام الإيراني ليس بريئاً من الدم العربي , كما أن النظام الرسمي العربي ليس بريئاً من الدم الإيراني , لكن إيران تبقى جاراً تاريخياً يمكن التفاهم والحوار وسياسة حسن الجوار معه , أما الكيان الصهيوني فهو مشروع استيطاني إحلالي كولونيالي , لا يتوقف إلا بالسيطرة والهيمنة الكاملة على كامل الإقليم .. وقبل أن يتمنى البعض من العرب سقوط إيران , وهزيمتها أمام العدوان الصهيوأمريكي لنتساءل : ماذا سيكون حال المنطقة والإقليم بعد ذلك ؟! هل سيتوقف الكيان الصهيوني عن أطماعه بالسيطرة والهيمنة على " الشرق الأوسط بكامله " ؟ بل يصبح عدواً أكثر شراسة وأشد توسعاً وفاشية ووحشية بعد زوال آخر جدار إقليمي أمامه ؟!.

 

أهداف الحرب الصهيوأمريكية على إيران :

في الأيام الأولى للعدوان الصهيوأمريكي أعلنت واشنطن وتل أبيب أنهما تهدفان من وراء هذه الحرب إلى تفكيك – تدمير – برنامج إيران النووي وصواريخها الباليستية بعيدة المدى .. والقضاء على فرصها في الحصول على " القنبلة النووية " في محاولة للاحتفاظ بوضع "إسرائيل " بوصفها القوة النووية الحصرية في المنطقة , وفي إطار سياسة مكنت الكيان الصهيوني سابقاً من تدمير البرنامج النووي العراقي عام 1981 , وتفكيك البرنامج النووي الليبي عام 2003 , لكن يبدو من طبيعة الأهداف التي حددها العدوان - حتى كتابة هذه السطور – فإن واشنطن وتل أبيب تسعيان بعد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتدمير البرنامج النووي و الباليستي , إلى إسقاط النظام في طهران , عبر تقويض شرعيته وكسر مكانته وهيبته الداخلية وهو هدف صريح ومعلن دأب كل من ترامب ونتنياهو على تبنيه وإقناع دول حلف الناتو به , كما دعيا صراحة في تصريحاتهم وخطاباتهم للشعب الإيراني للنزول إلى الشارع والثورة على النظام , ويتضح أن استهداف العدوان للبنية التحتية المدنية الاقتصادية والصحية والتعليمية والنفطية , علاوة على الجزر ومضيق هرمز يصب في هذا الاتجاه , وذلك بهدف إثارة الفوضى والتذمر في الداخل الإيراني وتشديد الخناق على النظام وتعظيم الضائقة على المجتمع الذي يعاني أصلاً من عقوبات وحصار شديد فرضته واشنطن والعواصم الغربية !..

فهل تظن واشنطن وتل أبيب أنهما حقاً يستطيعان أن يسيطرا على منطقة تضم أكثر من " 600 " مليون مواطن وعلى امتداد بقعة جغرافية مترامية الأطراف؟ وهل تعتقدان أنهما يستطيعان إلحاق الهزيمة بدول كبرى ذات عناد عقائدي وأيديولوجي وحضاري عميق؟! وهما اللتان لم تستطيعا قهر قوة مقاومة صغيرة نسبياً بعد " 26 " شهراً من عدوانهما الهمجي على قطاع غزة وتدمير " 90%" من مؤسساته ومنازله وإبادة وجرح وتشويه مئات الآلاف من سكانه !..