لا أعتقد أن هناك حركة أسيرة في التاريخ نالت هذا القدر من المكانة الوطنية والسياسية بقدر ما نالته الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة.
إن الأسرى الفلسطينيين من زنازينهم قد صنعوا ظاهرة وطنية يصعب على الكيان أن ينهيها برغم كل جبروت وأدوات بطشه وأسلحة التعذيب لديه، واستحالت هذه الظاهرة الاجتماعية الوطنية إلى بركان متأجج لا ينطفئ، كلما وُضع فيه أسير، صار اشتعالاً أقوى وطال زمنه...
لقد تميزت الحركة الوطنية الأسيرة عن غيرها من سرديات الأسر حول مفهوم الأسر وطبيعة الأسر ارتباطاً بكونها حركة لصيقة بشعب يملك عناداً أبدياً، فصار الأسر تعبيراً عن شعب يكافح من أجل حقوقه بطاقة عناده وإيمانه، "وهو تجلٍ لسيرورة كفاحية ممتدة لا تتوقف"، وليست نتاجاً أو إفرازاً لحرب بين جيشين أو معركة عسكرية تم فيهما أسر من الجانبين وفق شروط التعريف الدولي للأسير: "من يقع في قبضة العدو من أفراد القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة أثناء الحرب"، ويمكن أن ينتهي الأسر فور انتهاء الحرب. إنما هي حركة شعب بأكمله يخوض مقاومة شاملة في مواجهة كيان استيطاني وعنصري متوحش يملك من أدوات القوة والأمن والبطش ما لا تملكه دول كبرى.. وبهذا المعنى فإن كل الشعب أمام إمكانية الأسر والتحول من السجن الجغرافي الكبير إلى زنازين السجن الصغير، وبهذا المعنى أيضاً نحن أمام ظاهرة / حركة ثورية تم تسميتها بـ"الحركة الأسيرة" ليس اعتباطاً وإنما لمأسسة كفاح الأسرى وطنياً، وبصمود الحركة الأسيرة وديمومة حضورها قد أعطت بعداً آخر لمعنى الأسر ومقارباته مع نماذج أسر مختلفة في العالم، وهو البعد الشعبي الشامل التواصلي زمانياً ومكانياً، والبعد الزمني هنا بمعنى السيرورة. كما اتسمت هذه الحركة ببعدها السياسي الوطني والاجتماعي كجزء من م.ت.ف وذراع كفاحي من وسط الشعب، وبمعنى اتساع عمليات الأسر التي تتجاوز التعريف الدولي وشروطه، فاعتقال الأطفال والنساء والشيوخ جسّد هذا البعد الاجتماعي. فالأسير الفلسطيني تجاوز جدران الزنازين وتجاوز شروط وتعريف الأسير قانونياً وبات مقاوماً داخل ساحة المعتقلات كما خارجها، وفتح جبهة أخرى للمقاومة في أضيق حيز جغرافي.
السجون "وبأدوات لا تمت للبندقية بصلة، أدوات الوعي"، لكنها أمضى من الرصاص وأصعب على الاحتلال أن يكسرها. فالانتقال من السجن الكبير إلى السجن الصغير، ولكلٍ له قوانينه في النضال والمواجهة، هي عملية صراعية تحكمها سوسيولوجيا شعبية مقاومة وآليات دفاع ذاتية لا يدرك طبيعتها النازي الصهيوني.
• سياسات صهيونازية مغايرة لمفهوم وحقوق الأسير
النازية الصهيونية الجديدة غيرت مفهوم الأسر من تعريف قانوني دولي إلى مفهوم تخريبي وإرهابي: "سجناء أمنيون". فأسمت الأسير بالمخرب ولاحقاً بالإرهابي استجابة للغة التحديث الاستعمارية في صناعة الأعداء وتغيير شروط الحروب. وفق هذا المفهوم لا يخضع الأسير الفلسطيني للقوانين الدولية أو اتفاقيات جنيف التي تمنع التعذيب والترهيب وتسمح بالرعاية الصحية والأكل ...الخ، وعليه لا تنطبق عليه حقوق الأسر كونه مخرباً وإرهابياً، ويمارس عليه الاعتقال الإداري والاعتقال المتكرر والدائم دون تهم ودون محاكمات. وفي السياق وصلت الاعتقالات الإدارية إلى مائة وخمسين ألف مواطن مدني، وعليه فالأسير الفلسطيني ليس بالضرورة أن يؤسر على أثر معركة، وإنما يؤسر على أثر رأي أو تصريح أو انتماء سياسي أو تحريض اجتماعي...
*إن الحركة الأسيرة قد تحولت من مجرد أعداد من الأسرى المقاومين إلى مؤسسة كفاحية منظمة داخل السجون تعنى بشأن كل الأسرى في السجون الإسرائيلية، ترعى نضالاتهم وإضراباتهم وترعى ثقافتهم وبرامج المواجهة مع جلادي الكيان، لها تقاليدها ونظمها الكفاحية، وبرامجها الثقافية والفكرية، ولها اسمها المعبر عنها "الحركة الأسيرة" كتعبير كفاحي وسياسي في داخل السجون وخارجها، كنادي الأسير ومؤسسة الضمير في غزة والضفة ولجان الأسرى في أماكن عديدة.. أي أن الأسرى مأسسوا حركتهم ونضالاتهم داخل وخارج المعتقل...
*إننا لا نتحدث عن بضعة أسرى بقدر ما نتحدث عن مئات آلاف الأسرى على مدى زمني يقارب النصف قرن. إننا بصدد شعب كامل يمارس عليه الأسر، فإذا كانت تعبيراته هي السجون الإسرائيلية المنتشرة في كل فلسطين، فإن تعبيره الأشمل هو السجن الكبير في غزة والسجون الكبيرة في مدن الضفة المسيجة بجدار أكبر من جدار برلين، ولكن دلالاته الكبيرة تشي بأن الشعب الفلسطيني كله يقاوم ولم تثلم نصل عناده لا من طول المواجهة ولا من عنف وبطش ونازية الاحتلال.
ومن المفارقات أيضاً أنه خلال هذه الفترة من الاحتلال صدر "أكثر من مليون حكم عسكري وملايين من سنوات الأحكام منها المؤبدة المضاعفة التي تفوق عمر الإنسان مرات ومرات على المناضلين"، وذلك لإقفال أي أمل لدى الأسير بالإفراج عنه تحت أي ظروف، وهذه مفارقة وفرادة العنصرية الصهيونية في كسر وتحطيم الأمل.
• تجدد الحركة الأسيرة
إن الحركة الأسيرة على مدار تاريخها كان يتوالد من رحمها مناضلون أشداء يعاودون الكرة في كفاحهم مرات ومرات دون أن تلين لهم قناة أو تفتر عزيمة، ولا يمر يوم واحد إلا وعشرات المناضلين يدخلون السجون بتهم الإرهاب. وتشير التقديرات الموثقة أن عدد المقاومين الذين دخلوا السجون الإسرائيلية منذ عام ١٩٦٧ يفوق المليون مواطن، وعلى مدى خمسين عاماً كان معدل الأسرى اليومي في السجون أكثر من خمسة آلاف مناضل، وهذا رقم له دلالاته الوطنية والسياسية مقارنة مع العدد القليل من السكان في الضفة والقطاع. ومن المفارقات الرقمية في الأحكام على المناضلين، أن الاحتلال أصدر خلال هذه الفترة أكثر من مليون حكم عسكري على المناضلين، وقد بلغت الأحكام ملايين السنين في ظاهرة نازية يصعب تصورها في التاريخ.
*ولكن الأهم أن الحركة الأسيرة تحولت إلى "مدرسة ثورية" تخرج منها أكاديميون وأدباء ورواة وكتاب وشعراء ملأوا الفضاء الثقافي الفلسطيني بعظيم الأعمال الفكرية والثقافية تحت عنوان "أدب السجون"، وأضافوا سردية أدبية وكفاحية اخترقت وتجاوزت حدود فلسطين إلى الفضاء العالمي، وحتى الفضاء اليهودي ذاته.
بدون مجازفة يمكن القول إن أكبر فصيل فلسطيني يقدم التضحيات المتواصلة هو فصيل "الحركة الأسيرة"، فهو أكبر الفصائل وأكبر الفصائل عدداً، وأكثر من يجدد في عضويته وبناه، وأكثر من يخرج من الكفاءات الأدبية والسياسية، وأكثر من يعاني ويتحمل عصابات الاحتلال. وإذا كانت كل الفصائل لها يوم لانطلاقتها، فالحركة الأسيرة لها يومها الرمزي كما كل الفصائل، وهانحن نحتفي بالأسرى في هذا اليوم المجيد. والحركة الأسيرة هي أكثر الفصائل تجسيداً للوحدة الميدانية: وحدة حياة الأسر ووحدة المعاناة ووحدة الوجدان والإرادة.
*والحركة الأسيرة هي أكثر الفصائل اختراقاً وتوظيفاً للرأي العالمي لقضية فلسطين، وكم من متضامن غربي ويهودي عمل على إعلاء قضية الأسرى عالمياً وربطها بالقضية الفلسطينية. ولعل المحامية فليسيا لانجر والمحامية ليئا تسيمبل قد أسهمتا في رفع قضية الأسرى إلى الرأي العام العالمي أكثر من الدور العربي إعلامياً وسياسياً، وكذلك المفكر الإسرائيلي آلان بابيه في كتابه "أكبر سجن على الكرة الأرضية" قد أماط اللثام على قضية الأسرى وعذاباتهم في السجن الكبير وتحليله العميق لسياسات الاحتلال في تدمير الشخصية الفلسطينية، أكثر من كتابنا العرب أمام الرأي العالمي.
*أخيراً، إن عمليات الاعتقال والأسر لمناضلينا لا تستهدف فقط حرمانهم من الحرية داخل السجون، إنما كل عمليات التعذيب الممنهجة التقليدية والحداثوية تطال الأسير في بنية وعيه وتدمير شخصيته ونفسيته، عبر عمليات ما يسمى بصهر الوعي وتحطيم الأنا الواعية والوطنية وكسر اليقينيات والرموز وتحويلها إلى حطام ومعالم ذل ويأس أمام المجتمع الفلسطيني. ورغم ذلك لم ينجح الكيان في تحقيق غاياته، حيث لجأ إلى التخلص من معضلة قوة الأسرى ومدارسها بقانون الإعدام الجديد يأساً وثأراً من مظاهر الصمود الأسطوري للأسرى.
*لا يمكن الإضاءة على الحركة الأسيرة كعنوان إلا في سياق قراءة لطبيعة "السياسات واستراتيجية السجن الكبير".. وهذا عنوان يشكل أساساً موضوعياً لوجود الحركة الأسيرة..
منذ بدأ الاحتلال للضفة وقطاع غزة، حيث كانت الاعتقالات الإسرائيلية للمواطنين الفلسطينيين أحد أهم مظاهر الاحتلال في أبشع صوره وبطشه، فقد ظلت الاعتقالات سياسة قائمة على مدار ستين عاماً، ولم تتوقف يوماً واحداً. أخذت الشاباك الإسرائيلية مسؤولية تنفيذ الاعتقالات اليومية، فالكل الفلسطيني معرض للاعتقال في أي لحظة بسبب وبدون سبب، بتهمة وبدون تهمة، يكفي أن تكون فلسطينياً حتى يتم اعتقالك. فالاعتقال هو سياسة رسمية أمنية وهي الوجه الأهم لإدارة وحضور الاحتلال.
*إن هذه السياسة العنصرية في ممارسة الاعتقالات لا يمكن فهمها أو قراءتها إلا في سياق "أيديولوجيا العنف للإنسان الفلسطيني"، الأمر الذي يستدعي فك رموز هذه السياسة المرافقة للاحتلال. فالاحتلال لا يلجأ إلى الاعتقالات في سياق قانوني تكون فيه مساحة من الحماية أو الدفاع للمواطن أو المتهم، إنما هي "عملية قهرية عنفية" ذات طبيعة سادية لها سمة الاستمرار والتكرار ضد الفلسطيني.
*في ضوء ذلك لا يمكن الوقوف أمام عنوان الاعتقالات الدائمة دون قراءة تاريخية للاستراتيجية الأمنية في كيفية السيطرة على الأرض والسكان، وهي سياسة مبكرة على احتلال الضفة والقطاع، حيث وضعت خطة "شاكهام" عام ١٩٦٣ تحت عنوان "تنظيم الحكم العسكري في المناطق المحتلة". هذه الخطة كانت مرافقة لخطة عسكرية مبكرة لاحتلال الضفة والقطاع قبل عام ١٩٦٧ بخمس سنوات، أي أن الاحتلال وتنظيم الاحتلال مدبّر سلفاً تحت عنوان "في حال احتلال الضفة والقطاع كيف يمكن إدارتها أمنياً والسيطرة على السكان".
*فالاعتقالات هي ترجمة للحكم العسكري الذي فرض على الضفة والقطاع، وهي ذات التجربة للحكم العسكري الذي فرض على شعبنا في ٤٨ على مدى ١٨ عاماً، عانى فيها شعبنا كل صنوف القهر والاعتقال والتطهير والترحيل ومصادرة الأراضي. وعليه فإن سياسة الاعتقالات ليست إلا مفردة من مفردات "استراتيجية الكيان في السيطرة"، مما يعني أن الوقوف أمام الاعتقالات كسياسة رسمية يعني الوقوف أمام أيديولوجيا واستراتيجية العنف والسيطرة بمرجعيتها الدينية التوراتية التلمودية من جهة والاستعمارية النازية من جهة أخرى، وضرورة القراءة في السياسات التاريخية الممارسة لهذه الأيديولوجيا العنفية، وتمرحل هذه السياسات وفق الظروف المواتية والفرص السياسية وموازين القوى الدولية المتاحة أمام الكيان. فالاستيطان كان بمثابة التأسيس الديموغرافي والاقتصادي، ثم كانت مرحلة إقامة الكيان، وبعد ذلك مرحلة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، تلك السياسات كانت بمثابة بروفة لحرب ١٩٦٧ التي احتلت فيها الضفة والقطاع تحت شعار "استرجاع قلب إسرائيل". أما مرحلة إسرائيل الكبرى فهي مرحلة طويلة التأسيس عبر التوغل وفرض النفوذ في الواقع العربي وتدجين الحالة العربية. وحتى تكتمل المراحل يستلزم ضمان ما حققته المراحل السابقة وهذا لا يتم من وجهة نظر الاستراتيجية الأمنية إلا من خلال السيطرة الأمنية والاعتقالات وإدارة السجون والسيطرة على السكان بالعنف.
*من هنا فإن سياسة الاعتقال هي عملية استكمال للتطهير العرقي الذي مورس على شعبنا منذ عام ١٩٤٨ من القتل والتهجير القسري، ولما كان التطهير العرقي اليوم أمراً يصعب تحقيقه في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، فإن سياسة الاعتقال هي عملية تيئيس ونيل من المعنويات واختراق فيروسي للوعي والإيمان والحلم الفلسطيني، وبالمحصلة هي سياسة الإخضاع والإعياء ومحاولة التنويم المعنوي، والقتل البطيء للفلسطيني معنوياً وجسداً على طريق القتل السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية وقتل الحركة الأسيرة في السياق. وهذه هي الترجمة الحرفية لخطة سموتريتش المعلنة والمطبقة على الأرض...

