Menu

التفوق الإيراني: لحظة تاريخية مفصلية في هزيمة الإمبريالية والصهيونية

د. محمد عبد القادر

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

لم أندهش حين قرأت على موقع صحيفة "الغارديان" البريطانية مقالاً للمحلل السياسي "سيدني بلومنتال" يقول فيه: "لقد خسر ترامب حربه مع إيران، إنه الآن رهينة في أيدي الإيرانيين، والأمر مختلف عن رهائن السفارة الأمريكية في طهران (بعد سقوط الشاه)، إذ إن ترامب هو من قذف بنفسه في أحضان الإيرانيين. وفي أقل من شهر على بدء رحلة قصيرة المدى إلى إيران، تبَعثَرت أهدافه المعلنة وذهبت أدراج الرياح، لم يتغير النظام ولا حدثت انتفاضة شعبية ولا سيطر ترامب على الثروة النفطية كما حدث في فنزويلا".

 

وإذا كان هذا الاقتباس رؤية محايدة للخسارة الأمريكية في الحرب على إيران، فإن الاقتباس الآتي يشير إلى صعود النجم الإيراني إلى آفاق لم يكن ليتوقعها أكثر المراقبين تفاؤلاً. في مقابلة مصورة مع البروفيسور روبرت بيب قال ما يأتي: "هل ستنضم إيران إلى الصين وروسيا والولايات المتحدة كقوة رابعة أساسية على المسرح العالمي؟ إن صمود إيران في وجه الحرب الأمريكية - الإسرائيلية يغير الآن موازين القوى العالمية. ما يتوافر لدى إيران من جغرافيا متآزرة مع مستوى معين من تكنولوجيا المسيّرات التي تعجز أمريكا عن تدميرها، إنما تبعث برسالة للدول الأخرى مفادها أن باستطاعتكم ألا تظلوا أسرى للهيمنة الأمريكية. ثم ما الذي يجعل الولايات المتحدة تعتقد أنها قادرة على منع إيران من التحول إلى قوة نووية في ستة أشهر قادمة أو حتى في غضون سنة؟ إن إيران أقوى من وضعها قبل (40) يوماً مضت، إذ إنها الآن تتحكم في 20% من نفط العالم، إنها الآن القوة المركزية الرابعة الناهضة على المسرح العالمي. وها هي اليوم أمريكا في جانب لوحدها والمنافسون لها في الجانب الآخر: الصين وروسيا وإيران... وإذا استمرت سيطرة إيران على مضيق هرمز لعدة أشهر أو لعدة سنوات - ولا أستبعد ذلك - فإن إيران ستغير جذرياً النظام العالمي وعلى حساب الولايات المتحدة".

 

 

تعيدنا هذه الآراء والمواقف والرؤى المستقبلية إلى محاولة قراءة المشهد السياسي - العسكري -الاقتصادي التحالفي في سيرته التفصيلية والمركبة في الوقت ذاته، لنُدرك كيف أدارت إيران وحلفاؤها الرد على عدوان أمريكي - صهيوني همجي مدعوم من أطراف "عربية"، واستطاعت أن تكون ندّاً منتصراً على أعتى قوى العدوان والوحشية في التاريخ؟

 

  1. ثقافة عميقة ومبادئ سياسية راسخة

 

تمتعت القيادة الإيرانية منذ الثورة في عام (1979) بوعي تاريخي صائب، وهو أن هذا الوطن الجديد سيكون هدفاً دائماً للإمبريالية الأمريكية والغربية عموماً، والصهيونية عبر كيانها العنصري الجاثم على أرض فلسطين.

ومن هنا حرصت بقوة على الاستقلال السيادي أو السيادة المستقلة الحقيقية، ورأت التحرر ودعم المناضلين في سبيل الحرية واجباً وطنياً وأخلاقياً ودينياً، فكانت ضد قوى الظلم والطغيان والاستعمار القديم والحديث، وآزرت ثورات المستضعفين في كل مكان، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولطالما طالبت دول الإقليم برفض الوجود العسكري الأمريكي وإنهاء قواعده العسكرية، لكن دعواها كانت تلقى آذاناً صماء.

ورأت طهران في قضية فلسطين نموذجاً للظلم والقهر والاحتلال الإجلائي القائم على الطرد والتهجير والإبادة، فقدمت الدعم لقوى الثورة الفلسطينية والعربية، وعززت من دور حلفائها في الإقليم حتى استقر محور المقاومة.

 

 

  1. قيادة رؤيوية وبناء هيكلي متماسك

 

توهم العدو الأمريكي - الصهيوني و(بعض الأطراف "العربية") أن "قطع الرأس" - كما أسموه - سيوقع البلاد في أتون ثورة شعبية مضادة، يترنح فيها النظام برمته إلى أن يسقط، فتنقض أجهزة الاستخبارات مع العملاء المحليين على السلطات والمؤسسات ويأتون (بابن شاه) حاكماً للبلاد. لكن العقل الإيراني المسلح بالوعي ومعرفة طبيعة العدو كان يدرك أن القيادة الجماعية والهيكلية المنظمة والحسابات الدقيقة وتماسك الشعب ووحدته عند الشدائد كانت كفيلة بإجهاض الأحلام الاستعمارية والخيانية الداخلية، وهو ما حدث بالفعل، وما جعل خطط ترامب وقائده النتن مهزلة أمام العالم أجمع.

 

  1. الأداء العسكري: عبقرية إدارة الموارد

 

فوجئ العالم كله بقدرات إيران على مجابهة عدوان أمريكي - صهيوني مركب. إذ انطلقت القيادة العسكرية المتمرسة والخبيرة من التفريق بين النصر التقليدي في حرب تقليدية وأدوات تقليدية، إلى أسلوب الحرب اللامتناظرة أو اللامتكافئة. وأدرك السياسيون والعسكريون أن البلاد وقيادتها وثرواتها وموقعها هي المستهدفة بمجملها، وليست فقط ما يزعمون حول القوة النووية أو الصاروخية أو المضيق: أدرك الإيرانيون أنها حرب ليست عابرة، بل إنها حروب عنقودية في إطار حرب تبدو واحدة. ومن هنا وسّع الإيرانيون نطاق الحرب لتشمل أبعاداً متعددة:

  • هناك البعد العسكري الاستراتيجي.
  • والبعد الملاحي عبر مضيق هرمز.
  • والبعد الإقليمي بشقيه: ضرب القواعد العسكرية الأمريكية المجاورة وتحشيد قوى الحلفاء (لبنان واليمن والعراق).
  • والبعد الطاقوي بوقف مرور 20% من النفط العالمي.
  • والبعد الاقتصادي الذي يعني إحداث شلل في سلسلة التجارة العالمية من الخليج وإليه.
  • أما البعد الآخر فهو البعد الأخلاقي. إذ كانت إيران وحزب الله والمقاومة العراقية تدرك جميعاً أنها تواجه عدواً بلا أخلاق، وسيعمد إلى ضرب المدنيين والمدارس والجامعات والمراكز الطبية ومحطات الطاقة ومنازل المدنيين، وهذا ما تجنبه الإيرانيون وحلفاؤهم، ليحققوا بذلك الهزيمة الأخلاقية لأطراف العدوان مجتمعة.

 

  1. الاستراتيجية الحربية: نمط ردع مختلف

 

خبراء الإدارة الحربية والقتال الميداني يتحدثون عن تبني إيران عدة استراتيجيات في مجابهة الأعداء، لكنها جميعاً كانت تنتمي إلى أنماط الردع، فاستخدمت:

  • أسلوب الردع بالصبر الاستراتيجي وتنشيط المحور.
  • الردع بالعقاب عن طريق المسيّرات والصواريخ.
  • الردع تحت النار، وهذا تجسد في هذه الحرب ليصبح أسلوب الحرب اللامتكافئة المتقدمة القائمة على الاستنزاف والإرهاق والهزيمة عبر إلحاق الأذى العسكري والمعنوي والسياسي والاقتصادي والجماهيري والإعلامي. وهذا ما تحققه إيران اليوم.

 

  1. إدارة التفاوض من موقع المنتصر

 

لم يكن تفاوضاً تقليدياً ذاك الذي أدارته وما تزال تديره إيران مع قادة العدوان، هو تفاوض المنتصر الذي يعترف بنصره العالم كله من دول ومؤسسات ودراسات وكتابات وتقارير صحفية ومحللين استراتيجيين وغيرهم. هذا التفاوض الذي قدم بنوده أو شروطه وقبلها العدو ثم ارتد عنها كعادته لأنه يبحث عن صورة للنصر ما لم يتمكن من تحقيق نصر واضح ملموس. تبنّت طهران استراتيجية تفاوض قوية لا تنحني ولا تقدم تنازلات مجانية، لأنها تحمي مصالحها الوطنية وحماية النظام في مقدمتها. في إدارتها لعملية التفاوض أسقطت إيران نظرية الإملاءات التي توهم ترامب أن إيران سوف ترضخ لها، فيتقدم بمطالب أخرى للإهانة والهيمنة.

أكثر من ذلك، إنها ربطت الأمن البحري والعالمي بقيم العدالة والتحرر (لبنان وفلسطين) وإنهاء وجود القواعد العسكرية في المنطقة. وما يزال المفاوض الإيراني يفرض أسلوبه ومحتوى المفاوضات على الولايات المتحدة التي أوقعت نفسها في هذه الكارثة.

 

  • إيران ما بعد الحرب

باستثناء الإعلام المتحلل من القيم والأخلاق عربياً كان أم غربياً، يمكن رصد العَديد من النتائج الإيجابية للصمود الإيراني، بل النصر الإيراني بمختلف وجوهه، على مستقبل الدور الإيراني في الإقليم وعلى مستوى العالم وقوى التحرر.

وأبرز هذه النتائج:

· إيران رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

· دور فاعل في تشكيل النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب ومعادلات القوة.

· تأثير مباشر في الاقتصاد العالمي والطاقة والغذاء.

· قادت مرحلة تحول استراتيجي تاريخي.

· إيران نموذج للمقاومة العالمية ضد الإمبريالية والصهيونية.

· دور بارز في تراجع الهيمنة الأمريكية والصهيونية على العالم.

· موقع محترم في الكيان المعروف باسم (الجنوب العالمي).

· الحضارات العريقة لا تنهزم من ممثلي مجتمع إبستين.

· مضيق هرمز تحت الإدارة الإيرانية/ العُمانية بالتأكيد.

· لن تبقى إيران تحت الحصار الذي استمر 47 عاماً.

· لإيران أهمية حاسمة في مجابهة الظلم والعدوان وتعزيز العلاقات الشاملة مع الصين وروسيا.

· إيران ستغير الشرق الأوسط النقيض للتصور الصهيوني الإمبريالي.

· الأداء العسكري والسياسي والتفاوضي والإعلامي دروس غنية لمن يسعى إلى الحرية والخلاص من براثن الإمبريالية والصهيونية.