Menu

كيف خسر ترامب ونتنياهو الحرب رغم الدمار؟

عمر فارس

بوابة الهدف

منذ اسابيع، والعالم يسمع يومياً تصريحات متناقضة ومتخبطة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول الحرب الدائرة في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإيران. ففي يوم يهدد بمحو إيران من الوجود، وفي يوم آخر يتحدث عن حصار الموانئ الإيرانية، ثم يعود ليتحدث عن انهيار النظام الإيراني أو عن “ثورة داخلية” قريبة. هذه التصريحات المتضاربة لا تعكس قوة أو ثقة، بل تعكس حالة ارتباك عميقة داخل الإدارة الأميركية، وعجزاً عن تحقيق الأهداف التي رُسمت لهذه الحرب منذ بدايتها.

الحقيقة التي بات يدركها كثيرون اليوم أن ترامب لم يكن يتوقع أن تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف سياسية وعسكرية بهذا الحجم. لقد دخل المعركة تحت تأثير وضغط حكومة الاحتلال الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، الذي رأى في الحرب فرصة للهروب من أزماته الداخلية، ومحاولة فرض وقائع جديدة في المنطقة بالقوة العسكرية. لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً عما خطط له نتنياهو وحلفاؤه.

إيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بالتهديدات الإعلامية أو بالعقوبات الاقتصادية فقط. إنها دولة ذات حضارة تمتد لآلاف السنين، وشعبها يمتلك تجربة تاريخية طويلة في مواجهة الحروب والحصار والتدخلات الخارجية. يكفي أن نتذكر أن إيران تُعد ثالث دولة في العالم من حيث الاحتياطي النفطي، وأن أول بئر نفطي في المنطقة اكتُشف فيها عام 1908، لتدرك أهمية هذا البلد في معادلات الطاقة والسياسة العالمية.

لكن قوة إيران الحقيقية لا تكمن فقط في النفط أو في الجغرافيا أو في حجمها السكاني، بل أيضاً في طبيعة المجتمع الإيراني نفسه. الإيرانيون معروفون بالصبر والدقة والنفس الطويل، وهذه الصفات لا تظهر فقط في السياسة، بل حتى في الثقافة والفنون. يكفي أن ننظر إلى السجاد الإيراني الشهير، الذي يحتاج أحياناً إلى شهور وربما سنوات من العمل المتواصل والدقيق، لندرك طبيعة العقلية الإيرانية القائمة على الصبر والتخطيط والتفاصيل.

ورغم الضربات العنيفة التي تعرضت لها إيران، سواء من خلال الهجمات الأميركية أو الإسرائيلية التي استهدفت منشآت مدنية وعسكرية، ورغم الخسائر الكبيرة التي طالت قيادات بارزة، وعلى رأسهم المرشد العام وعدد من القادة العسكريين والعلماء، فإن الدولة الإيرانية لم تنهَر، ولم تدخل في حالة فوضى كما كان يتوقع خصومها.

على العكس تماماً، استطاعت القيادة الإيرانية إدارة المعركة بحنكة سياسية وعسكرية واضحة. فقد حافظت على تماسك مؤسسات الدولة، وأظهرت قدرة كبيرة على امتصاص الصدمة، ثم الرد بطريقة مدروسة. كما تمكنت من توجيه ضربات مؤلمة لمواقع إسرائيلية حساسة، بالإضافة إلى استهداف قواعد أميركية في المنطقة، ما أدى إلى خسائر عسكرية وسياسية كبيرة للطرف الآخر.

ولعل أخطر ما واجهه نتنياهو وترامب خلال هذه الحرب هو سقوط صورة “الردع الإسرائيلي” التي طالما حاولت إسرائيل تسويقها للعالم. فالمشاهد التي خرجت من المدن الإسرائيلية، وحالة الخوف والشلل التي أصابت قطاعات واسعة من المستوطنين، كشفت أن إسرائيل ليست القوة التي لا تُهزم كما كان يُروَّج دائماً.

أما على المستوى الدولي، فقد بدأت صورة الولايات المتحدة نفسها تتعرض لاهتزاز واضح. فالكثير من الشعوب باتت ترى أن واشنطن لم تعد تقود العالم من موقع القوة الأخلاقية أو السياسية، بل أصبحت شريكاً مباشراً في الحروب والدمار ودعم الاحتلال. كما أن استمرار الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل أثار غضباً واسعاً حتى داخل المجتمعات الغربية، وخرجت مظاهرات ضخمة في عواصم عديدة تندد بالحرب وتطالب بوقف العدوان.

وفي المقابل، أظهرت إيران قدرة لافتة في إدارة الجانب السياسي والدبلوماسي من المعركة. فرغم كل الضغوط، لم تتخلَّ عن خطابها الأساسي، ولم تقدم تنازلات جوهرية، بل دخلت أي مفاوضات وهي تدرك أن عنصر الوقت قد يعمل لصالحها. وقد تعامل المفاوض الإيراني بهدوء وصبر، في وقت كان فيه ترامب يطلق التصريحات الانفعالية والمتناقضة بشكل شبه يومي.

الحقيقة أن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل هو صراع على شكل الشرق الأوسط القادم. فهناك مشروع يريد فرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة بالقوة العسكرية والتطبيع والإخضاع، وهناك شعوب وقوى ترفض أن تتحول المنطقة إلى ساحة خاضعة بالكامل للمشروع الأميركي الإسرائيلي.

لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراعات الكبرى، وأن الشعوب التي تمتلك الإرادة والصبر قادرة على الصمود حتى في أصعب الظروف. وربما لهذا السبب تحديداً يشعر ترامب ونتنياهو اليوم بأنهما لم يحققا ما وعدا به جماهيرهما. فلا إيران سقطت، ولا المنطقة استسلمت، ولا المقاومة انتهت، بل على العكس، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة مختلفة تماماً عما كان قائماً قبل الحرب.

الشرق الأوسط الذي سيخرج بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. التحالفات تتغير، وصورة القوى الكبرى تتبدل، والشعوب أصبحت أكثر وعياً بحقيقة ما يجري. وربما تكون أهم نتيجة لهذه الحرب أنها كشفت حدود القوة الأميركية والإسرائيلية، وأثبتت أن المنطقة لا يمكن إخضاعها بالكامل مهما بلغ حجم القصف والدمار.

لقد أراد نتنياهو وترامب شرق أوسط جديداً يخضع بالكامل للإرادة الأميركية والإسرائيلية، لكن ما يحدث اليوم قد يقود إلى شرق أوسط مختلف تماماً، أكثر تعقيداً، وأكثر استقلالاً عن الهيمنة التقليدية، وربما أكثر قرباً من مرحلة تاريخية جديدة تعيد رسم موازين القوى في العالم كله.