Menu

عن فائض القوة وتعثر آمال نتنياهو في مشروع "إسرائيل الكبرى"

إبراهيم أبو ليل

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

يبذل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو جهوداً كبيرة لاستثمار الفرصة التي توفرت له في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، من خلال تكريس نموذج "سوبر أسبرطة" وترسيخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية، تتمتع بفائض من القوة والشعور بالتفوق العسكري، على ضوء نتائج الحرب التدميرية وجرائم الإبادة التي ارتكبها في قطاع غزة والمنطقة، وتقديمها على أنها إنجاز عسكري يقربه من تطلعاته وأهدافه الاستراتيجية، متجاهلاً العوائق والتحديات التي تمنعه من ذلك.

مجدداً، يؤكد نتنياهو ارتباطه بفكرة "إسرائيل الكبرى" من خلال الدعوة لبناء "إسرائيل الجديدة"، ويفصح عن عقيدته التوسعية وخلفيته الآيديولوجية الممتدة منذ نشأة تيار الصهيونية التصحيحية الذي أسس "المنظمة الصهيونية الجديدة" في عشرينيات القرن الماضي بقيادة الصهيوني المتطرف فلاديمير زئيف جابوتنسكي الذي أوجد نظرية "الجدار الحديدي" ونشر مقالاً حولها بعنوان (نحن والعرب)، والتي بنيت عليها سياسة التوسع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ودعا جابوتنسكي إلى تشكيل جيش صهيوني يتحالف مع الشيطان من أجل إقامة دولة يهودية تتجاوز حدود فلسطين الانتدابية لتشتمل على الأردن، وفق ما جاء في برنامج منظمته: "إن غاية الصهيونية هي تحويل فلسطين تدريجياً مع شرقي الأردن إلى كومنولث يهودي". وقد ظلت فكرة إسرائيل الكبرى راسخة في السياسة الإسرائيلية منذ إقامة الكيان الصهيوني حتى اليوم، ويتم استدعاؤها بين حين وآخر لتفتح شهية الاستيطان والتوسع على حساب الأراضي الفلسطينية والدول العربية بالاعتماد على الأساطير التوراتية وجعلها مستنداً للسياسة الرسمية، حيث جاء في سفر التثنية (24:11): "كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون ملكاً لكم، من البرية ولبنان. من النهر، نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم"، وفي هذا إشارة إلى أن السياسة الاستيطانية التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية هي سياسة مفتوحة لا تقف عند حدود معينة وهي مرتبطة بمفهوم "التخومية" وما تصل إليه آلة الاحتلال العسكرية. وتتجسد هذه السياسة في عمليات التوسع واحتلال أراضٍ جديدة تحت عنوان المناطق العازلة أو الحدود الآمنة. ذلك أن فكرة الحدود عند قادة الاحتلال لا ترتبط بالترسيم القانوني ولا بقرارات الشرعية الدولية، بل ترتبط بالاستراتيجية الصهيونية ودينامية العمل الصهيوني على الصعيدين العسكري والسياسي.

وتشكل نظرية "الجدار الحديدي" النواة الصلبة التي تدور في فلكها سياسات نتنياهو الداخلية والخارجية، مع تطويعها لتناسب أدوات العصر الحالي وصراعاته التكنولوجية والجيوسياسية. وقد تحولت هذه السياسة لدى نتنياهو إلى استراتيجية شاملة تتجاوز التفوق الأمني والعسكري، لتشمل التفوق التكنولوجي والاقتصادي في إطار تطبيع العلاقات مع المحيط، معتبراً أن "السلام من خلال القوة" هو الرد العملي الوحيد على رفض المحيط العربي، تماماً كما كان يرى جابوتنسكي أن الاعتراف العربي بإسرائيل لن يأتي نتيجة تنازلات أخلاقية، بل نتيجة يأس من إمكانية هزيمتها وعدم المس بأمنها. ذلك أن مفهوم "الأمن" عند نتنياهو يشكل مرتكزاً أساسياً في سياساته، لا يتحقق إلا بالقوة وإملاء الشروط الإسرائيلية؛ مع تغييب الخيارات السياسية التي تتطلب عمليات تفاوض تأخذ بعين الاعتبار واقع الخصم، وتقديم تنازلات تفضي إلى اتفاقات معينة تلبي مصالح طرفي التفاوض، معتبراً أن تقديم التنازلات يؤدي إلى إضعاف إسرائيل استراتيجياً، كما في الحالة الفلسطينية، حيث يرفض نتنياهو مبدأ "الأرض مقابل السلام" ويطرح بدلاً منه مبدأ "السلام مقابل السلام"، أو "السلام من خلال القوة"، ويرى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق إلا ببقاء إسرائيل قوة عسكرية مهيمنة لا يمكن قهرها، وإجبار الأطراف الأخرى على القبول بالأمر الواقع. ويرى نتنياهو أن تحقيق أهدافه يتم دائماً من خلال استخدام القوة، وإذا لم تتحقق أهدافه كما يريد؛ فإنه يلجا إلى استخدام مزيد من القوة، ما يعني أن استراتيجيته تقوم على الإخضاع والاستسلام. وفي حالة وجود خصم قوي ينتهج المقاومة الصلبة ويرفض الخضوع، فإن سياسة نتنياهو تضعه في دائرة مغلقة من العنف والرد عليه بالعنف، أي أنه يرفع سقف المواجهة إلى حده الأقصى ويجعل الحرب التي يخوضها حرباً وجودية.

غير أن التفوق الإسرائيلي في المنطقة لا يعني أن إسرائيل قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالحها؛ اعتماداً على القوة والتفوق العسكري، إذ أثبتت التجربة أن القوة الإسرائيلية كانت دائماً تصطدم بمقاومة شجاعة وإرادة صلبة في المواجهة، تحدُّ من قدرة إسرائيل على فرض هيمنتها المطلقة. كما أن الحرب التي تخوضها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر على جبهات عدة، كشفت عن حدود قوتها ومحدودية قدرتها على ترجمة الانجازات العسكرية إلى انتصارات وإنجازات سياسية بالمستوى ذاته، وفي هذه الفجوة تكمن الأزمة الأساسية لاستراتيجية العدوان الإسرائيلي بين القدرة التدميرية والنتائج السياسية، فكلما لجأ نتنياهو إلى استخدام فائض القوة، اتسعت الفجوة وتعمقت أزمته أكثر. وقد لعب الحضور الفلسطيني دروراً حاسماً في هذه المعادلة، إذ شكل بصموده ومقاومته عائقاً بنيوياً يبدد كل محاولة إسرائيلية لاختراق المنطقة واكتساب شرعية فيها لفترة طويلة. فالعدوان المستمر وتوسيع مساحة الاحتلال والاستيطان، يثير ردود أفعال واقعية ويولّد مقاومة شعبية متجددة، تواجه الاحتلال وترفض التطبيع في أوساط الشعوب العربية مع الحكومات الإسرائيلية ومؤسساتها المختلفة، ما يضعف قدرة إسرائيل على فرض نفوذها بشكل كامل ويجعلها في حالة استنزاف دائم. إضافة إلى ذلك، تنعكس تداعيات العدوان والسياسات الإسرائيلية على المشهد الإسرائيلي عموماً، جرّاء الدخول في مواجهات وحروب طويلة لم يعتد عليها جيش الاحتلال ولا يحتملها الجمهور الإسرائيلي، ما يجعل تكلفتها عالية ويثير التناقضات الداخلية والانقسامات التي تحول دون تحديد استراتيجية موحدة للإسرائيليين، وتضعهم أمام مستقبل غامض وتسيطر عليهم حالة من عدم اليقين.

وبعد، إن النتيجة التي خلص إليها نتنياهو بعد حرب الإبادة في غزة وما تلاها من حروب في المنطقة، وحدود القوة الإسرائيلية التي وصلت إلى ذروتها، دفعته للتفكير بأنه قادر على إعادة بناء الشرق الأوسط وفق المصلحة الإسرائيلية، وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى" في ظل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب. وهذه النظرة تنطلق من تصور أحادي الجانب، يرى فيه إسرائيل قوة إقليمية متفوقة؛ ولا يرى خصومها وقدراتهم الذاتية، مما يجعل نتائج الحروب سياسياً تأتي معاكسة لجرائم الإبادة وعمليات التدمير العبثية. وكلما أوغل في العدوان مستلهماً نموذج "دولة سوبر أسبرطة"؛ ازدادت التحديات أمامه، كما يزداد حجم استنزاف القدرات الإسرائيلية، ما يجعله يبتعد أكثر عن أي إنجاز سياسي يكافئ الكلفة الباهظة للعدوان.