Menu

العقيدة الاستخباراتية الألمانية الجديدة وتحولات الفضاء الأوروبي تجاه الوعي الحقوقي والرمزي لفلسطين

د. سعيد سلاّم

بوابة الهدف

تشهد المقاربة الأمنية والسياسية الرسمية في ألمانيا الاتحادية تحولاً بنيوياً حاداً وجذرياً، يتجاوز في حقيقته وأبعاده الجيوسياسية مجرد ردود الفعل المؤقتة أو التكتيكية على الأزمات الإقليمية المستعرة في منطقة الشرق الأوسط، ليلج عميقاً في جوهر وآليات العقيدة الأمنية للدولة، ويعيد صياغتها المعرفية والسياسية لمفهوم "أمن الذاكرة" وضوابط الحيز العام. ويتجلى هذا التحول بشكل صارخ وفج في الوثيقة الاستخباراتية السنوية والملفات الملحقة بها، الصادرة عن "المكتب الاتحادي لحماية الدستور"، وهو جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية، والتي قضت بجرأة تشريعية وأمنية غير مسبوقة باستحداث تصنيف أمني وجنائي جديد في تاريخ الرقابة الأوروبية الحديثة تحت مسمى "التطرف الفلسطيني العلماني" وإدراجه رسمياً ضمن دوائر التهديد الداخلي. إن هذا الإجراء الاستخباراتي المستحدث لا يمثل فحسب توسيعاً عرضياً لدوائر الاشتباه الأمني، بل يؤسس لنمط جديد وخطير من الرقابة المعرفية والسياسية الاستباقية التي تحاول بكل أدواتها تجريم وسائل التعبير السلمي، وشيطنة الحراك التضامني الحقوقي والمؤسساتي، وعزل الفضاء الثقافي والرمزي ل فلسطين ومؤيدي القضية الفلسطينية عن السياق التحرري والتاريخي، وتحويله قسراً إلى ملف جنائي وأمني خاضع لآليات التقييد والمحاكمة الإدارية والقانونية والملاحقة القضائية الصارمة، ليكون هذا التحول الطليعي بمثابة مقدمة دالة ومؤشر قوي على تحولات أعمق وأوسع قد تنسحب على الفضاء الأوروبي بأكمله، مرفوداً بموجة تسييس الأمن العام، وصعود التيارات اليمينية والمحافظة المتشددة الساعية لفرض هندسة بنيوية جديدة تضمن السيطرة على الحيز العام، واحتواء التحولات السوسيولوجية وتتابع الأجيال المتسارع الذي تموج به القارة.

وتتبدى الخطورة الاستراتيجية والفكرية لهذا التصنيف الأمني المستحدث في كونه ينقل العقيدة الاستخباراتية والتشغيلية الألمانية نقلة نوعية؛ من الفضاء التقليدي القائم على ملاحقة الكيانات المصنفة كـ"تنظيمات إرهابية" بموجب التشريعات الأوروبية، أو مراقبة جماعات "الإسلام السياسي" بهياكلها التنظيمية وشبكاتها الحزبية المستقرة التي دأبت الأجهزة الأمنية الغربية، والألمانية على وجه الخصوص، على تتبعها لعقود وفق آليات روتينية واضحة، مثل حظر الشبكات التابعة لجماعة "الإخوان المسلمين"، وملاحقة الجمعيات والمراكز المرتبطة بتمويلات خارجية، ورقابة التيارات السلفية والجهادية، وهي كلها كيانات تمتلك أدبيات فكرية مدونة وهياكل مكشوفة يسهل رصدها وتصنيفها قانونياً وأمنياً، إلى حقل أمني مستحدث ومغاير تماماً يتجاوز ملاحقة التنظيمات ليقمع الفكر الحقوقي والوعي الرمزي اللامركزي العابر للأيديولوجيات والتيارات السياسية.

بالتركيز الأمني المكثف والممنهج على أدوات تعبيرية شعبية وبصرية بسيطة مثل رسمة "البطيخ" الدلالية، وشخصية "حنظلة" الكاريكاتورية التي أبدعها الشهيد ناجي العلي كأيقونة تاريخية تلخص مأساة اللجوء والمقاومة والتمسك بالحقوق، وشعار "من النهر إلى البحر"، تكشف المنظومة الأمنية الألمانية عن ضيق أفق استراتيجي يتعمد خلط المفاهيم والحدود الفاصلة بين التضامن الإنساني والحقوقي المكفول دستورياً وبين التهديد الوجودي والأمني للنظام العام، حيث تهدف محاولة تأطير هذه الرموز ونزع جذورها التاريخية وسياقها النضالي إلى هندسة وعي عام قسري يتسق حصراً وبشكل أعمى مع الرواية الرسمية الصهيونية التي تتبناها برلين، وتجريد الجاليات العربية والمنظمات التضامنية المستقلة من إرثها الثقافي وأدوات احتجاجها الرمزية التي نشأت تاريخياً في أعقاب حرب عام 1967 كآلية للتحايل على قرارات المنع والأوامر العسكرية الإسرائيلية الصارمة التي جرّمت رفع العلم الفلسطيني آنذاك، وهو التقييد الذي يقدّم اليوم للحكومات الأوروبية الأخرى، لا سيما في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، والتي تواجه تحديات واستقطابات مجتمعية شبيهة حول ملفات الهجرة والاندماج وتصاعد حضور الجاليات في الفضاء العام، مسوغاً أمنياً وتفسيرياً جاهزاً لتوسيع هوامش التجريم الإداري والقانوني والتحول الجماعي نحو منطق الأمن الاستباقي وحمائية الهوية الوطنية.

إن هذا التوجه الاستخباري المنظم يرتكز بالدرجة الأولى، وفي مساراته الإجرائية، على توظيف مفرط وممنهج يتخذ من التفسيرات الفضفاضة لتعريف "معاداة السامية"، الذي وضعه "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة"، ذريعة لتمرير غاياته، وتحويل هذا التعريف من إطار استرشادي غير ملزم قانوناً إلى مرجعية سيادية وحمائية حاسمة؛ حيث تعمد الأجهزة الأمنية والمؤسسات السياسية الألمانية إلى تمديد هوامش هذا التعريف الجدلي لدمج أي نقد بنيوي وتفكيكي لمنظومة الاحتلال الإسرائيلي، أو سياساته الاستيطانية الإحلالية، وحربة على الشعب الفلسطيني، ووضعه قسراً في خانة "معاداة السامية" المجرّمة، الأمر الذي لا يمثل تضييقاً على حرية الرأي فقط، بل يشكل عملية تسييس حادة للمنظومة القانونية تهدف إلى تجريم الموقف الأخلاقي والإنساني، وتحويل الجدل الفكري والقانوني حول طبيعة الاحتلال والفصل العنصري إلى قضية أمنية ملاحقة ومحاصرة بأدوات القانون الجنائي وآليات الرقابة الإدارية للدولة.

ومن خلال هذا الربط التعسفي والقسري، تحول مبدأ "مصلحة الدولة العليا" في ألمانيا، الذي يربط أمن إسرائيل بالأمن القومي الألماني كالتزام أخلاقي وتاريخي مطلق وعابر للتقلبات الحزبية، من مجرد إطار ناظم وموجه للسياسة الخارجية والدبلوماسية في الساحة الدولية، إلى أداة أمنية - سيادية لضبط وتوجيه الحيز الداخلي وإعادة صياغة شروط المواطنة والاندماج، يتم تسليطها لتضييق الفضاء الديمقراطي، ومنع النقاش الأكاديمي والفكري الحر في الجامعات والمؤسسات البحثية عبر فرض رقابة معرفية صارمة تطارد المصطلحات والمناهج النقدية، وتجريم السلوك الاحتجاجي السلمي في الفضاء العام. إن هذا التحول يكشف عن انحراف خطير وممنهج في المفهوم الدستوري الألماني الكلاسيكي المعروف بـ"الديمقراطية الحصينة" أو القادرة على الدفاع عن نفسها، فبينما صيغ هذا المفهوم تاريخياً لحماية النظام التعددي من صعود الفاشية والنازية، فإنه يُستحضر اليوم بشكل مقلوب لتشريع "ديمقراطية سلطوية إدارية" تحمي الخيارات السياسية والتحالفات الخارجية للحكومة وليس السلم الدستوري، وبذلك ترفع السلطات الألمانية منسوب التهديد وتصنف أي أطروحة فكرية أو سياسية تدعو، على سبيل المثال، لإقامة "دولة ديمقراطية واحدة تضمن حقوقاً متساوية لجميع سكان فلسطين التاريخية" بمثابة تهديد مباشر للنظام الدستوري الحر والسلم الأهلي، ومحفزاً لتقويض أركان الدولة الاتحادية وتفكيك تماسكها المجتمعي، وهو ما يحول مبدأ حمائية الدولة إلى ذريعة لنزع الشرعية عن السرديات المناهضة للاستعمار وحصارها جنائياً، مما ينقل الصراع الداخلي من مستواه السياسي التقليدي إلى صدام قانوني وحقوقي محتدم وفلسفي داخل أروقة القضاء الأوروبي والمؤسسات الدولية، ويضع منطق "الأمن الاستباقي" والحمائية الأمنية الحكومية في مواجهة حتمية وجذرية مع الالتزامات الدستورية الأساسية والاتفاقيات الأوروبية لحقوق الإنسان التي تكفل حرية التعبير السلمي، وتفرض استقلالية المنظومة القضائية الألمانية والأوروبية عن الإملاءات السياسية للحكومات ومراكز الضغط السيادي.

ولم تقف حدود هذه الهندسة الأمنية المتشددة عند ملاحقة الأشكال التعبيرية والرموز البصرية في الشوارع والساحات العامة، بل امتدت لتشمل تسييس المنظومة المؤسساتية والشبكات الحقوقية الدولية الناشطة والمؤثرة على الأراضي الألمانية، بهدف تجفيف منابع الدعم الفكري والمادي للقضية الفلسطينية وتفكيك بنيتها الارتكازية، حيث يظهر إدراج "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)" ضمن فئات التهديد الاستخباراتي والبيئة الحاضنة للتطرف رغبة واضحة ومبيتة في عزل القوى التضامنية الألمانية والدولية عن قواعدها الجماهيرية المتنامية. وتستند الأجهزة الأمنية في هذا الإجراء إلى القرار الجدلي الذي اتخذه البرلمان الألماني، البوندستاغ، في مايو 2019، والذي صنّف الحركة بأنها تستخدم أساليب وشعارات معادية للسامية، وهو قرار حوّلته السلطات التنفيذية من صيغته البرلمانية الاستشارية وغير الملزمة قانوناً إلى أداة ملاحقة إدارية نافذة ومسلطة فوق رؤوس الهيئات المدنية. ويتجاوز هذا التضييق سياقه القديم ليتماهى مع الاستراتيجية الرسمية الحالية القائمة على توجيه الاتهامات المكثفة والمستمرة للمجموعات الحقوقية والمدنية بتقديم غطاء أيديولوجي وتبريري لأحداث السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) وتأطيرها في سياق المقاومة المشروعة. توظيف هذا البند وتوسيع تفسيراته ما هو إلا ذريعة لتشريع وسائل المنع الإداري الاستباقي، والتضييق الممنهج على مصادر التمويل، وإغلاق الحسابات المصرفية للمؤسسات غير الحكومية والجمعيات الأهلية عبر الضغط على المصارف المحلية والأجنبية، وحظر الأنشطة والفعاليات العامة والمؤتمرات الأكاديمية قبل إقامتها بذريعة الاحتمالية الافتراضية للإخلال بالأمن العام، مما يمثل تراجعاً مقلقاً وغير مسبوق في بيئة الحريات العامة، وحق التنظيم، وحرية التعبير التي طالما شكلت الرافعة الأساسية والنموذج الفلسفي للديمقراطيات الغربية، ويهدد بشكل جدي بنقل هذه الممارسات الإقصائية والتضييقات الإدارية والأمنية إلى بقية العواصم الأوروبية التي تواجه تنامياً ملحوظاً في الحراك التضامني، وتسعى جاهدة لاحتواء العمل الحقوقي العابر للحدود وقمع فاعليته السياسية والاجتماعية عبر استنساخ التجربة الألمانية وتعميمها كنموذج قياسي للضبط والرقابة السيادية داخل القارة.

أما على الصعيد السوسيولوجي والسياسي الداخلي، فإن رصد التقرير الاستخباراتي المفرط لما سماه "التقاطعات الهجينة" أو "التحالفات غير المتوقعة"، والروابط العضوية والتشغيلية بين الناشطين المستقلين المؤيدين للقضية الفلسطينية والمجموعات اليسارية وتيارات الإسلام السياسي، يعكس مخاوف بنيوية عميقة لدى النخبة الحاكمة والأحزاب التقليدية من فقدان السيطرة على السردية العامة وتآكل الإجماع السياسي التاريخي حول الاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. وتكشف قراءة السلطات الاستخباراتية الألمانية للحرب على قطاع غزة، باعتبارها مركز استقطاب جامع وجاذب لشرائح واسعة ومتنوعة ومتباينة من المجتمعين الألماني والأوروبي، لا سيما بين الأكاديميين والمنحدرين من أصول مهاجرة وتتابع الأجيال الجديدة، عن مأزق نفسيّ - تاريخي عميق تعيشه الدولة الألمانية؛ إذ تسعى المنظومة الرسمية، في محاولتها للتطهر التاريخي المطلق من إرث الهولوكوست وعقدة الذنب الموروثة، إلى ممارسة إزاحة نفسية وسياسية قسرية، عبر إسقاط هذه العقدة على الجاليات المهاجرة والشرائح الشابة، متجاهلة أن هذه الفئات والتحالفات الناشئة غير مسؤولة تاريخياً عن ذلك الإرث، ومحولةً عملية "التطهر المؤسساتي" إلى آلية ضغط تنفيذي تُفرض على حساب الحقوق الأساسية لمواطنيها. هذا التحول السلوكي يوضح أن الأجهزة الأمنية لم تعد تواجه تنظيماً هرمياً سرياً يسهل اختراقه وتفكيكه بأدواتها التقليدية، بل باتت في مواجهة وعي مجتمعي متنامٍ وحراك فكري لامركزي عابر للحدود، يمتلك القدرة على بناء سردية بديلة ومقنعة تتحدى الرواية الرسمية للدولة، وتكشف بوضوح عن فجوة معرفية وأخلاقية آخذة في الاتساع والعمق بين الأجيال داخل البيئة الأوروبية حول مفاهيم العدالة الدولية وحقوق الإنسان، وهي مفاهيم باتت تتجاوز الخصوصيات السياسية والالتزامات التاريخية الموروثة، مما يثير هواجس أمنية عميقة لدى صُناع القرار في القارة العجوز من تشكل حراكات شعبية ضاغطة قادرة على تحدي الخطوط الحمراء للسياسات الخارجية الموحدة للاتحاد الأوروبي، ومراجعة تموضعاته الاستراتيجية والجيوسياسية في ظل نظام دولي متغير الآفاق والموازين.

وفي المقابل، فإن أخطر وأبرز ما تكشف عنه بنية هذا التقرير الاستخباراتي هو الفجوة الموضوعية والأخلاقية الهائلة، والتي تمثلت في التجاهل المتعمد والكامل والمنظم لحجم الدمار الشامل، والكارثة الإنسانية غير المسبوقة، وحرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة. إن استخدام لغة دبلوماسية مميّعة ومصطلحات مطاطة وخجولة لتوصيف الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية الصارخة، وتبني السردية الرسمية التي تضع الفعل العسكري الإسرائيلي كله في إطار "الحق المطلق في الدفاع عن النفس"، وحصر لفظ "إبادة جماعية" في موضع واحد يتيم وبصيغة استنكارية تعزل اللفظ وتضعه فقط في إطار "الادعاءات والاتهامات غير المؤسسة" الموجهة من الأطراف الخارجية والناشطين ضد دولة الاحتلال، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التقرير الاستخباراتي قد جرى توظيفه وسحبه كأداة سياسية بامتياز، هدفها الأساسي فرض رقابة معرفية صارمة، وحظر أي نقاش عقلاني وموضوعي يستند إلى القانون الدولي الإنساني وقرارات المحاكم الدولية، وهو ما يعكس الانحياز البنيوي المفرط والسعي لصياغة وعي مشوه يفتقر إلى الرصد الشامل لواقع الاحتلال وتداعياته الإقليمية، ويتناقض تناقضاً صارخاً وصادماً مع التقارير والقرارات الصادرة عن هيئات ومؤسسات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

إن المحصلة الاستراتيجية والسياسية لهذه المقاربة الأمنية الألمانية تشير بوضوح إلى مأزق بنيوي عميق، وتؤشر على مشهد أوروبي مستقبلي يسير بسرعات واتجاهات متفاوتة؛ حيث تتشكل نواة صلبة ومحافظة في غرب ووسط القارة، بقيادة برلين وباريس وبمشاركة تشريعية وأمنية موازية ومكثفة من لندن، تتبنى استراتيجيات الملاحقة الاستباقية للرموز والحركات التضامنية كأدوات ضبط بنيوية واجتماعية، وهي ممارسة تتجاوز في حقيقتها الرغبة في الضبط الداخلي لتلامس حسابات جيوسياسية أوسع ترتبط بمخاوف النخب الغربية من فقدان السيطرة على السردية الأخلاقية أمام دول الجنوب العالمي؛ إذ ترى هذه النخب أن تصدع الرواية الرسمية في العواصم الأوروبية يمثل اختراقاً ناعماً يهدد التماسك الأيديولوجي للكتلة الغربية الأطلسية واصطفافها الاستراتيجي في ظل تبلور نظام دولي متعدد الأقطاب. وفي المقابل، تحاول أطراف أخرى في شمال القارة وجنوبها، مثل بلجيكا وإيرلندا والدول الإسكندنافية، الحفاظ على مساحات ممانعة حقوقية وقانونية ترفض الانجرار الأعمى وراء الشيطنة الأمنية وتوفر حماية أوسع للعمل الحقوقي والتعبير السلمي. بينما يبرز الموقف الإسباني كحالة راديكالية متقدمة تتجاوز مجرد الممانعة الإدارية إلى التعارض الكامل والمباشر مع التوجهات الأمنية والسياسية لقطبي الاتحاد الأوروبي، مما يكرس حالة انقسام عميقة في الموقف القاري العام تجاه الموازين الحقوقية والسياسية الدولية.

إن الهروب من استحقاقات العدالة الدولية وضغوط التحول الديمقراطي والديمغرافي الداخلي عبر تسييس المقاربات الاستخباراتية، وتوسيع دوائر التجريم لتشمل الرموز الثقافية والعمل الحقوقي السلمي، لن يؤدي بأي حال إلى تحقيق السلم الأهلي أو حماية الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل، بل سيسهم في تعميق حالة الاغتراب السياسي والاجتماعي لدى ملايين المواطنين والمقيمين، وتكريس ازدواجية المعايير، وتآكل ما تبقى من مصداقية للخطاب الحقوقي والسياسي الرسمي للدول الغربية على الساحة الدولية، لأن الأمن الحقيقي والمستدام لا يمكن تشييده عبر قمع الحيز العام وحظر الرموز الثقافية، بل يتحقق بالموضوعية والتسليم بوحدة المعايير الإنسانية والقانونية في تقييم النزاعات الدولية، وحماية حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وإقامة دولتها المستقلة.