منذ عام 2017م وأنا أكتب عن شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذه الشخصية المتقلبة، غير المستقرة، المتذبذبة، النرجسية، والغوغائية..إلخ لكن، ما استدعاني لصياغة هذا العنوان الساخر، هو التقلب المفاجئ في سلوك وتصريحات رئيس أقوى دولة في العالم، هذا التقلب دفعني للبحث عن تسميات لهذه الشخصية في العلوم الاجتماعية والطبيعية، وكأننا أمام ظاهرة تتحدى التصنيف، وتختبر قدرة المصطلحات على الصمود أمامها.
يُعتبر ترامب من أكثر الشخصيات السياسية المعاصرة إثارةً للجدل، والدراسة، ليس فقط بسبب قراراته السياسية غير التقليدية، وإنما بسبب أسلوبه المتقلّب في الخطاب والتعامل مع القضايا الداخلية والخارجية. فقد تميّزت شخصيته بدرجة عالية من التذبذب في المواقف؛ فسرعان ما ينتقل من التهديد والتصعيد إلى التهدئة والتفاوض، الأمر الذي يجعل المتابع أمام مشهد سريع التحوّل، يصعب تثبيته ضمن إطار أو تفسير واحد.
في علم السياسة يُوصَف هذا النمط من السلوك بمفهوم (التقلّب السياسي)، وهو تغيّر المواقف والقرارات بصورة دراماتيكية متسارعة تبعًا للظروف والوقائع. حيث تتجاور نبرة التصعيد مع التهدئة بشكل سريع، ما يجعل تتبع ثباتها أمرًا معقدًا.
ومن منظور علم النفس، فإن شخصية ترامب ترتبط بعدة مفاهيم، أبرزها (الاندفاعية) و(عدم الاستقرار الانفعالي). فالاندفاعية تشير إلى إطلاق تصريحات، أو اتخاذ قرارات سريعة دون مسار ثابت، بينما يعكس عدم الاستقرار الانفعالي التغير السريع في نبرة الخطاب والمواقف تحت تأثير الضغوط الإعلامية، أو السياسية. وقد ساهم حضوره الإعلامي المكثف وخاصةً على منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا النمط التفاعلي السريع.
أما في علم الاجتماع، فيمكن تفسير هذا التقلّب بوصفه شكلًا من أشكال (التكيّف) مع جماهير متعددة ومتباينة. فقد اعتمد ترامب على خطاب يتبدل بحسب طبيعة الجمهور والسياق السياسي، وهو ما يُعرف أحيانًا بـ(إزدواجية الخطاب)، حيث تتعدد الرسائل السياسية، وتتناقض ظاهريًا بهدف الحفاظ على التأثير الشعبي والإعلامي.
وفي العلوم الأخرى، تظهر الفكرة ذاتها تحت مسميات مختلفة. ففي الرياضيات والفيزياء يُستخدم مفهوم (التذبذب) للدلالة على الحركة المستمرة بين حالتين متعاكستين دون استقرار، بينما يشير علم المنطق إلى هذه الحالة بمفهوم (اللااتساق) أو (التناقض).
نستطيع رصد هذا النمط من سلوك الرئيس ترامب عبر عدة أمثلة، على سبيل المثال، لا الحصر:
1- الملف الإيراني، تبنّى ترامب في مرحلة مبكرة خطابًا شديد التصعيد، وانسحب من الاتفاق النووي عام 2018م، وفرض عقوبات قاسية. لكن في مراحل لاحقة ظهرت تصريحات أكثر مرونة تشير إلى إمكانية التفاوض، أو الوصول إلى اتفاق جديد، وهو تحول سريع بين الضغط والتهدئة. ثم انتقل في فترة قصيرة جداً من تصريح شديد اللهجة يتحدث عن إمكانية محو إيران إلى تصريحات لاحقة أكثر هدوءًا تشير إلى وجود فرصة جيدة للتوصل إلى حل، وهو ما يعكس انتقالًا سريعًا بين أقصى درجات التصعيد، وأقصى درجات الانفتاح داخل الملف نفسه.
2- ملف كوريا الشمالية، انتقل ترامب من خطاب شديد اللهجة وصل إلى التهديد باستخدام القوة في اخضاع "بيونغ يانغ"، إلى عقد قمة تاريخية مباشرة مع الزعيم "كيم جونغ أون"، في تحول لافت من منطق التصعيد إلى منطق الحوار الشخصي المباشر.
3- الصين، أطلق ترامب حربًا تجارية واسعة، وفرض رسوم جمركية مرتفعة، رافقها خطاب تصعيدي واضح، ثم عاد لاحقًا إلى اتفاقات مرحلية، وإشارات تفاوض، وزار قبل أيام الصين، وقال إنه صديق للرئيس الصيني "شي جين بينع" ما عكس تقلباً واضحاً في شخصيته.
4- حلف الناتو، انتقد بشكلٍ حاد بعض الدول الأعضاء واتهامها بعدم دفع حصتها، وعدم المشاركة في فتح مضيق هرمز بالقوة، مقابل تصريحات أخرى تؤكد أهمية وجود الحلف، ودوره الاستراتيجي، ما يعكس ازدواجية واضحة في التصريحات.
5- السياسة الداخلية الأمريكية، حيث تغيّرت مواقفه من قضايا مثل: الهجرة، والإغلاق الحكومي، والرعاية الصحية بين التشدد، والمرونة وفقًا للظروف السياسية، والضغط الإعلامي، وتوازنات الكونغرس.
اجمالاً، أستطيع القول: إن شخصية ترامب أصبحت نموذجًا لقيادة تقوم على عنصر المفاجأة والتغيّر المستمر، وهو ما جعلها موضوعًا غنيًا للدراسة والتحليل في مجالات السياسة وعلم النفس والاجتماع والإعلام، وغيرها من العلوم.

