صحيح أنه لم يبقَ من عمر حكومة نتنياهو سوى بضعة أشهر قليلة قبل أن تُكمل سنتها الرابعة والأخيرة، إلا أنها وصلت إلى نهايتها الحتمية، في ظل جملة من التحولات الدراماتيكية على صعيد الداخل الصهيوني، وكذلك على الصعيد الإقليمي.
هناك من يعتبر أن ذهاب الائتلاف الحكومي إلى تقديم طلب حلّ الحكومة في الكنيست الصهيوني هو تعبير عن قدرة نتنياهو على إدارة دفّة العمل السياسي داخل الكيان، بوصفه صانع السياسات الأول دون منازع، لكن المؤكد أن هذا الذهاب جاء في لحظة حرجة جدًا لنتنياهو وحكومته، فكل استطلاعات الرأي ترجّح فوز الطرف الآخر، ولا تمنح نتنياهو حظوظًا كبيرة للعودة إلى الحكم من جديد.
المراقب للحدث يجد أن هناك عدة محاولات مستميتة سعى إليها نتنياهو قبل الوصول إلى حلّ الحكومة، من ضمنها الضغط على القضاء الصهيوني في جملة ملفات، كان من أبرزها محاولته الحصول على عفو رئاسي في قضايا الفساد المنسوبة إليه منذ سنوات، بالإضافة إلى تشريع جملة من القوانين التي قد تكسبه شعبية جديدة، إلا أنه لم يستطع الوصول إلى نتائج إيجابية في هذا المسار.
فالمأزق الذي عاشته وتعيشه حكومته أكبر من أن يُختزل بتلك الخطوات، فهو يطال البنيان العام للمسرح السياسي. فكما هو معلوم، جمع نتنياهو في حكومته متناقضات لا تُحصى ولا تُعد، حاول إدارتها بالمجاراة والمساومات حتى وصل إلى نقطة اللاعودة .
بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرب المفتوحة التي ما تزال مستمرة حتى هذا الوقت ساهمت في انكشاف وضعية الكيان ككل، فعلى الرغم من كل الإنجازات التي تحققت في هذا المضمار، إلا أنها وفق معظم المحللين لم تتجاوز حدود الإنجازات التكتيكية التي لم تتوّج بتحقيق انتصار استراتيجي واضح على مختلف الجبهات.
من هنا، فإن إعلان الانتخابات الجديدة بعد ثلاثة أشهر لا يعني أن نتنياهو وأحلافه وخصومه ذاهبون إلى توسيع مروحة الخيارات السياسية، فلا تلك الانتخابات ستكون محطة لإعادة التقييم، ولا ستكون أيضًا فرصة لالتقاط الأنفاس لجميع القوى السياسية المختلفة. فوفق كل القراءات للمشهد السياسي الصهيوني، تشير المعطيات إلى أن نتنياهو أجهز بشكل واضح على أصول العمل السياسي، وأضعف كذلك القواعد الناظمة له، دون أن يستطيع تمرير قواعده الجديدة التي جاء بها مع مطلع حكومته المستقيلة.
نتنياهو والمراهنات الخاسرة
يمكن وصف يوميات نتنياهو في حكومته المستقيلة بأنها مجموعة من المراهنات الخاسرة، عندما راهن بعد السابع من أكتوبر على تغيير وجه الشرق الأوسط، من خلال إطلاق يد الآلة الحربية الصهيونية لتفعل فعلها في غزة والضفة ولبنان وعموم المنطقة، دون أن يحصد النتائج التي أرادها. بل على العكس من ذلك، أصبح مطلوبًا دوليًا لارتكابه جرائم حرب موصوفة، الأمر الذي وضع دولة الاحتلال أمام مساءلة دولية.
صحيح أن البعض يشكك في قدرة المجتمع الدولي على إنجاز آلية محاسبة قانونية لدولة الاحتلال، إلا أن هذا التشكيك لا يعني أن دولة الاحتلال تعيش الظروف ذاتها التي عاشتها طوال العقود السابقة، فالأصوات التي نسمعها اليوم، وخاصة من الغرب، لم تعد أصواتًا هامشية، بل أصبحت تمتلك تأثيرًا في صناعة القرار وإعادة التموضع في العلاقة مع دولة الاحتلال.
أما في الداخل الصهيوني، فكانت لعبة نتنياهو السياسية تقوم على اللعب على تناقضات القوى السياسية الصهيونية، سواء داخل ائتلافه أو داخل أروقة المعارضة. لكن اللعب على التناقضات ليس فعلًا سياسيًا بحد ذاته، بل هو خروج عن صناعة الفعل السياسي، الأمر الذي أدى إلى حالة من فقدان أي شكل من أشكال الإجماع الصهيوني، باستثناء استجلاب مزيد من القتل والنهب والاستيطان في عموم أرضنا المحتلة.
في المقابل، تبدو القواعد الناخبة الصهيونية معنية بإيجاد خارطة طريق تتضمن أجوبة فعلية على كل ما جرى طوال السنوات الأربع الماضية، وهو أمر تعجز عنه كل القوى الصهيونية مجتمعة. وهنا يمكن القول إن تلك الرهانات التي حملها نتنياهو طوال هذا الوقت لم تكن سوى لعبٍ في الفراغ السياسي، سواء كان ذلك عن وعي وإدراك أو من دونهما.
الانتخابات القادمة: مؤشرات عامة
أمام كل ذلك، يجد المراقب والمعاين للحالة السياسية الصهيونية أنها، وعلى الرغم من كل ما حدث، تعيش لحظة انكفاء لا صعود. فالقوى السياسية المختلفة تستعد اليوم لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة دون وجود برامج انتخابية واضحة، بينما يتمحور المشهد الانتخابي بأكمله حول قاعدة واحدة: فوز نتنياهو أو فوز المعارضة، دون وجود أي إجابات حقيقية على أسئلة المستقبل والمصير.
فها هي المعارضة بدأت تكشف بالأرقام حجم الخسائر البشرية والاقتصادية في سنوات حكم نتنياهو الأخيرة، لتقول لجمهور الناخبين إن كل الإنجازات التي وعدكم بها نتنياهو ليست سوى أوهام، وإن الحقيقة تكمن في تلك الأرقام التي تعرضها أمامهم. وهذا مؤشر على أن المعارضة لا تملك تصورات سياسية شاملة بقدر ما تملك قدرة على التقاط خسائر نتنياهو، وبالتالي فإن نتنياهو أصبح محور العملية السياسية، سواء كان رابحًا أو خاسرًا.
كلمة السر في واشنطن
من الواضح أن الإدارة الأمريكية اليوم تمتلك ثقلًا سياسيًا مؤثرًا في خيارات ووجهة الحكومة الصهيونية القادمة، فالتصريحات الأمريكية أصبحت أكثر وضوحًا في هذا المضمار. ومن أبرز مؤشراتها مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة رئيس دولة الاحتلال بإصدار عفو عن نتنياهو قبل الانتخابات، في محاولة لإعطائه دفعة معنوية تساعده على رفع أسهمه في الانتخابات القادمة.
لكن الرفض الداخلي، وخاصة من رئيس دولة الاحتلال، أراد المحافظة فيه على شعرة الاستقلال والسيادة الواهية التي يتغطى بها الكيان الصهيوني منذ نشأته وحتى هذا اليوم.
صحيح أن نتنياهو يراهن خلال الأشهر الثلاثة القادمة على أمل حدوث متغيرات محلية وإقليمية، إلا أن هذا الرهان يبدو ضعيفًا، خاصة أن قوى المعارضة الصهيونية أعدّت عدتها، لأنها تعتبر أن الانتخابات القادمة انتخابات مصيرية، سواء على صعيد الداخل الصهيوني بشكل عام، أو على صعيد حظوظها في البقاء بعد أن ابتلع نتنياهو المسرح السياسي طوال العقدين الماضيين.
لكن المؤكد أن دولة الاحتلال دخلت في مسار جديد؛ فإما أن تكون دولة منبوذة، ملتفّة على ذاتها وتتآكل من الداخل، أو دولة لديها الاستعداد لاتخاذ قرارات أكثر عقلانية وفق مقتضيات المجتمع الدولي، وفي كلتا الحالتين فهي تسير في طريق أفول تدريجي.
السيناريوهات المحتملة لنتائج الانتخابات القادمة
السيناريو الأول: عودة نتنياهو بأغلبية هشة
يقوم هذا السيناريو على قدرة نتنياهو على إعادة تجميع معسكر اليمين الديني والقومي المتطرف، مستفيدًا من المخاوف الأمنية والحرب المستمرة، إضافة إلى ضعف البديل السياسي داخل المعارضة.
في هذه الحالة سيعود نتنياهو إلى الحكم، لكن بأغلبية ضعيفة ومتفجرة داخليًا، ما يعني استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، وتواصل الصدام مع القضاء والمؤسسات الأمنية، إلى جانب تعميق عزلة دولة الاحتلال دوليًا.
السيناريو الثاني: فوز المعارضة وتشكيل حكومة انتقالية
يفترض هذا السيناريو نجاح قوى المعارضة في استثمار التآكل الشعبي الذي أصاب نتنياهو بعد الحرب، وتشكيل ائتلاف واسع يهدف أساسًا إلى إبعاده عن المشهد السياسي.
لكن هذه الحكومة، إن تشكلت، ستكون حكومة اضطرارية أكثر من كونها حكومة مشروع سياسي متكامل، ما يجعلها عرضة للتفكك السريع بسبب التناقضات الأيديولوجية بين مكوناتها، خاصة في ملفات الحرب والاستيطان والعلاقة مع الفلسطينيين.
السيناريو الثالث: مأزق سياسي وانتخابات جديدة
وهو السيناريو الأكثر تعبيرًا عن حالة التشظي داخل النظام السياسي الصهيوني، بحيث لا يتمكن أي معسكر من تشكيل أغلبية مستقرة، فتدخل دولة الاحتلال في حالة شلل سياسي جديدة تقود إلى انتخابات مبكرة أخرى خلال فترة قصيرة.
هذا السيناريو يعني تعميق أزمة النظام السياسي، وتراجع ثقة الجمهور الصهيوني بمؤسساته، إضافة إلى تصاعد الانقسامات الداخلية بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية، الأمر الذي قد يدفع الكيان إلى مرحلة أكثر حدة من التفكك والتآكل الداخلي.

