Menu

الحرب على إيران.. قراءة في مشهد لم يكتمل

رضي الموسوي

نشرفي مجلة الهدف العدد (83) (1557)

تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني أنهما تمكنتا من نقل المعركة إلى الداخل الايراني بعد أن كانت ساحاتها بعض دول الإقليم ينفذها تحالف ما يعرف بـ"محور المقاومة" الذي يضم، بالإضافة إلى إيران، كل من حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق، بدعم من النظام السابق في سوريا. تؤكد واشنطن على هذا الرأي ومعها تل أبيب بعد أن شنتا حرب الإثنا عشر يوما في يونيو/ حزيران 2025 وألحقاها بالحرب التي شنت على طهران منذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، رغم وقف إطلاق النار الذي تم في السابع من إبريل / نيسان الماضي وخرق الولايات المتحدة له في الخامس والعشرين من مايو/ أيار المنصرم.

صحيح أن التحالف الأمريكي الصهيوني تمكن من قتل الصف الأول في القيادة الايرانية وعلى رأسهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وتم تدمير جزء مهم من القدرات العسكرية بما فيها الصواريخ الباليستية ومنصاتها والبنى التحتية ومحطات الطاقة الكهربائية والنفطية، وتم إطباق الحصار على الموانئ الإيرانية لمنع الإبحار منها وإليها. لكن سردية الجانب الإيراني تتعارض مع السردية الأمريكية الصهيونية وترى أن طهران صمدت أمام العدوان وتمكنت من إفشال أهداف الحرب التي شُنت عليها وفي مقدمتها إسقاط النظام وتدمير القدرات العسكرية وشطب البرنامج النووي بما فيه تدمير اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة والتوقف عن دعم أذرع طهران، كما تسميه إدارة البيت الأبيض. وترى طهران أن إفشال هذه الأهداف هو بحد ذاته انتصار رغم الخسائر الكبرى التي منيت بها. فهي كانت على معرفة بأن الدور قادم عليها بعد أن وجهت ضربات كبيرة إلى حزب الله في لبنان باغتيال الصف الأول وفي مقدمتهم أمينه العام السيد حسن نصر الله ومئات الكوادر وتدمير جزء كبير من ترسانته العسكرية وبناه التحتية الداعمة، ولجم جماعة أنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، خصوصا بعد سقوط نظام دمشق السابق، وبالتالي فإن الحرب التي شنت على إيران بخديعة المفاوضات، وقد حدثت مرتين مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت متوقعة إلى حد كبير رغم بعض المفاجئات التي تعرض لها النظام في طهران وكانت خارج حساباته.

في هذا الجانب أيضا شهدت العلاقات الإيرانية الخليجية تعقيدات كبيرة بعد أن وجهت طهران نيرانها للعواصم الخليجية وقالت إنها موجهة للقواعد العسكرية والمصالح الأمريكية في المنطقة وأكدت أن هذه القواعد قامت بدور لوجيستي وعسكري في الحرب، بينما وصفت أغلب دول مجلس التعاون الخليجي هذا الفعل بأنه "عدوان آثم". شكل هذا التطور انتكاسة كبيرة للتقارب الذي شهدته ضفتي الخليج العربي بعد الاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته الصين، وشكلت التطورات ضربة له فتراجعت آمال تحقيق تفاهمات استراتيجية تبرد الساحات المشتعلة والمتأزمة وتبعد المنطقة عن التجاذبات والتشنجات التي كانت سائدة قبل التوقيع على الاتفاق الذي أصبح مستقبله مبهما. أما العلاقات مع البحرين والإمارات والكويت فقد بلغت مستويات مقلقة من التوتر والقطيعة، يحتاج ترميمها إلى وقت طويل لا تملك دول المنطقة مجتمعة ترف انتظاره، بينما تغلق إيران مضيق هرمز وتحاصر البوارج الحربية الأمريكية كاملة العتاد موانئها، لتقع دول المجلس في حصار من نوع آخر يزيد من إرباك المشهد العام وتعقيداته، إذ واجهت أغلب دول مجلس التعاون الخليجي معضلة تصدير النفط الذي تعتمد عليه في إيراداتها، بالإضافة لتصدير الألمونيوم والصناعات البتروكيماوية بما فيها الأسمدة التي أصبحت تشكل مأزقا حقيقيا للزراعة العالمية باعتمادها على المورد الخليجي بنسب تصل إلى قرابة 40 بالمئة، إضافة إلى تعثر استيراد المواد بسبب إغلاق المضيق.

خلقت عملية الإغلاق والحصار المضاد للمضيق أزمة حقيقية للاقتصاد العالمي فوق ماهي أزمة مستعصية لدول المنطقة جميعها، وقد حدّ منها مبادرة السعودية باستثمار موانئها على البحر الأحمر فتفادت المنطقة أزمة في المواد الغذائية والأساسية بعد أن جندت الرياض طاقاتها وقدراتها لتلبية احتياجات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل رئيسي إضافة لبعض الدول العربية، ما خفف الوطء على السكان في تلك الدول.

حالة إيران

تواجه إيران استحقاقات كبرى غير مسبوقة منذ انتصار الثورة في فبراير/ شباط 1979، وما تلاها من حالة العداء المستحكمة مع الولايات المتحدة التي لم تتأخر في فرض حصارات متعددة ومتصاعدة حتى بلغت حد شن الحرب على إيران مرتين في أقل من عام، الأمر الذي يعكس مستوى التوتر في العلاقات بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة، وبين إيران من جهة أخرى. لقد فعل الحصار الذي دام 47 عاما فعله في الداخل الإيراني، خصوصا في الجوانب الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها الشعب الإيراني، ما أثر على الوضع الاقتصادي بشكل كبير وعلى سعر صرف العملة ومعدلات التضخم التي بلغت مستويات غير مسبوقة في الحرب الأخيرة وتقدر بأكثر من 70 بالمئة. وفي الحرب الأخيرة تم تحويل مسارات عشرات السفن ومنعها من الوصول أو مغادرة الموانئ الإيرانية التي وضعتها القيادة المركزية الأمريكية تحت الحصار الخانق. وما كشفت عنه وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون من حرمان إيران نحو 5 مليارات دولار حتى مطلع مايو الماضي بمنعها من تصدير نفطها هو جزء من الحرب التي تتسبب في خسائر كبيرة يمنى بها الاقتصاد المحلي، بيد أن واشنطن تهدف إلى تنفيذ المزيد من الضغوط الاقتصادية لدفع طهران على تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي، وهو الأمر الذي يرفضه المفاوض الايراني. وتشير التقارير إلى أن حجم خسائر إيران المباشرة منذ بداية الحرب نهاية فبراير حتى سريان الهدنة في 7 أبريل/ نيسان الماضي قد بلغت أكثر من 270 مليار دولار وفق التقديرات الإيرانية، وهذا رقم يقترب من حجم الاقتصاد الإيراني، حسب صندوق النقد الدولي للعام 2026. كما قدرت دراسة أجرتها جامعة "اوريغون" بالاعتماد على صور رادارية بالأقمار الإصطناعية، أن 7645 مبنى تم تدميره كليا أو جزئيا في الحرب، منها 60 منشأة تعليمية، 12 منشأة صحية. ورصد تحليل لوكالة بلومبيرغ، أن في العاصمة طهران وحدها تضرر 2816 مبنى، نسبة المواقع العسكرية بلغت 32 بالمئة، 25 بالمئة منشآت صناعية، 21 بالمئة منشآت مدنية، 19 بالمئة مرافق تجارية و2 بالمئة مبان حكومية. وحسب بلدية طهران فإن أكثر من 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشكل بالغ. ويشير المسؤولون الإيرانيّون أن هذه التقديرات أولية والأمر يحتاج للمزيد من الوقت لكي تحصى كل الأضرار المباشرة. ولا شك أن الأضرار غير المباشرة كبيرة جدا، ما يضع إيران أمام استحقاقات ضخمة تحتاج لرافعة كبرى وأرقام فلكية من المبالغ لمعالجة ما آلت إليه الحرب حتى الآن.

هواجس الخليج

وإذا كانت هذه خسائر إيران، فإن دول مجلس التعاون الخليجي التي تتموضع في الضفة الأخرى من الخليج العربي، تواجه هواجس جدية. فالثقة التي تضاءلت إلى أدني مستوى لها منذ عقود من جراء الحرب ووصول الصواريخ والمسيرات الإيرانية لأراضي هذه الدول، وقد حفرت عميقا في عدم الثقة وخلقت توجس من سلوك إيران بعد أن تضع الحرب أوزارها وتتشكل موازين قوى جديدة، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل أيضا على المستوى الدولي. فالعملاق الصيني يراقب عن كثب، إن لم يكن هو في أتون تفاصيل الحرب، ويبحث عن الثغرات التي أفرزتها التطورات الأخيرة، بما يوفر له الفرصة السانحة ليتبوأ قيادة الاقتصاد العالمي على أنقاض التراجع الأمريكي الذي بدأ خطواته في النزول من أعلى قمة الجبل. وبالتأكيد فإن روسيا لا تتفرج وهي في معمعة الحرب مع أوكرانيا، فهي تتابع ما يجري وتتقاطع مع الصين في كثير من المواقف ومنها العمل على تشييد عالم متعدد الأقطاب.

في هذه الحرب، تأكدت حقائق كثيرة، على رأسها أن الولايات المتحدة لا تُعير اهتماما لحلفائها في المنطقة باستثناء الكيان الصهيوني. وتنظر واشنطن لدول الخليج العربية على أنها خزانة من الأموال القادمة من ريع النفط والغاز وأن إدارة البيت الأبيض تفكر في كيفية جذب هذه الأموال عبر الصفقات الفلكية، وقد سبق وأن تمت في الفترة الأخيرة. هذا يفرض على دول مجلس التعاون معالجة البيت الداخلي بما يعزز الوحدة الخليجية على أسس راسخة والتحول الجاد والمجدي من حالة التعاون إلى حالة الوحدة بحيث تتم ترجمة وتنفيذ الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها منذ تأسيس المجلس في مايو العام 1981 وفي مقدمتها الإتفاقية الإقتصادية التي وقعت في 1983 وتتضمن الكثير من عناصر الوحدة ومنها توحيد التعرفة الجمركية والاتحاد الجمركي وإصدار العملة الموحدة وفتح الحدود بشكل كامل لمواطني دول المجلس والسماح لهم بالتنقل بحرية، واعتماد النقطة الواحدة على طريقة الاتحاد الأوروبي، والنظر إلى الداخل الخليجي باعتباره العنصر الحاسم والقادر على حماية المنظومة بكاملها وذلك عبر الانفتاح وتحقيق متطلبات التنمية المستدامة التي تبدأ بحقوق الإنسان والديمقراطية وإشراك المواطن الخليجي في صياغة القرار السياسي وفق المتعارف عليه في الدول الديمقراطية وتلك التي تسير في الطريق اليها، حيث تشكل دول مجلس التعاون مجتمعة كتلة اقتصادية ومالية كبيرة بوصول ناتجها المحلي الإجمالي إلى قرابة 2.4 تريليون دولار، وفق تقرير اتحاد المصارف العربية.

هذا ليس ترفا، بل ترجمة حقيقية للاتفاقيات الموقعة بين دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الخمسة والأربعين من عمر المجلس، وهي مدونة في بيانه التأسيسي وأهدافه ونظامه الأساسي والاتفاقية الاقتصادية وملحقاتها. فالدولة الخليجية الواحدة، في حال تشييدها، تشكل قوة اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية، وبالتالي ستشكل قدرة تفاوضية تليق بمكانتها لتزيح لها مكانا بين الأمم في عصر التكتلات الكبرى والمنافسات التي لا تهدأ.

يمكن للوحدة الخليجية أن تؤسس نواة حقيقية للوحدة العربية بعد عقود من الفشل الذي انتاب الأمة العربية في توحيد صفوفها أمام الأخطار الداخلية والخارجية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فبعد السبات العميق للجامعة العربية وتفريغ دورها الطبيعي في لم الشمل ورص الصف بين الأقطار العربية، تأتي مسالة الوحدات الإقليمية كحل مرحلي للوحدة العربية الشاملة. وفي ضوء هذه المعطيات والأوضاع المعقدة تبرز أهمية الوحدة الخليجية، بما تملكه دولها من قدرات مادية وموقع جيوسياسي استراتيجي متميز يُمكنّها من المبادرة واتخاذ قرار الخطوة الأولى التي هي اقتصادية بامتياز، بعيدا عن إملاءات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تبحث عن مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني ولا تنظر إلى مصالح المنطقة وأبنائها. وفي ظل التصريحات المتكررة لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بالعمل على فرض التطبيع مع الدول الخليجية التي لم تطبع بعد وتشديده على إقامة "إسرائيل الكبرى" التي تشكل تهديدا وجوديا لدول المجلس والدول العربية، خصوصا وأن نتنياهو رفع خريطتها في المحافل الدولية، فهي تقتطع أجزاء مهمة من دول المجلس لصالح الطموح الصهيوني ومخططاته التوسعية.

ستضع الحرب أوزارها، وستبحث الدول عن مصالحها والمشتركات مع الدول الأخرى، ولن ينتظر التاريخ من يتخلف، فعجلة الزمن لا تعود للوراء بل ستتجاهل من لا يغتنم الفرص السانحة لتحقيق الإنجازات في المنعطفات المفصلية.