إن تفكيك المشهد السياسي بالغ التعقيد في محطة الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يستدعي بالضرورة إرساء مقاربة تحليلية بنيوية تتقصى أبعاد المتغيرات الراهنة وتفاعلاتها الديناميكية، حيث تتبدى الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية في حالة تشابك عضوي غير مسبوق، لتعيد إنتاج تحديات وجودية كبرى بموازاة توليد فرص استراتيجية غير نمطية لصالح القضية الفلسطينية. وضمن هذا المنظور لا يمكن عزل حرب الإبادة الجماعية المتواصلة والممنهجة على قطاع غزة عن الهجمات والحروب الإسرائيلية المستمرة التي تستهدف البنى الأمنية والعسكرية في لبنان وإيران؛ إذ أن هذه المواجهات المشتعلة لا تمثل أحداثاً منفصلة أو تكتيكية، بل هي فصول متسلسلة ومترابطة بنيوياً ضمن سردية جيوسياسية كبرى تسعى لتصفية القضية الفلسطينية وهندسة شرق أوسط جديد مفرَّغ من عناصر المقاومة، مما يستوجب صياغة تحليل معمق يستشرف مسارات هذه التفاعلات وتداعياتها بعيدة المدى على الاستقرار الإقليمي والعالمي.
في قلب هذا المعترك المحتدم، يرتفع الصمود الفلسطيني كقوة دافعة ومحور ارتكاز أساسي تتكسر عليه خطط الإبادة والمحو، حيث تجاوز هذا الصمود في الوعي الجمعي المعاصر مفهوم البقاء الفيزيائي الغريزي أو التكيف السلبي مع أدوات القهر، لينصهر في قالب نظام فكري، قيمي، وممارساتي متكامل للمقاومة الشاملة، يعيد هندسة وتعريف الوجودية الفلسطينية كحقيقة ديمغرافية وسياسية غير قابلة للاقتلاع في مواجهة تكتيكات التطهير العرقي وحروب الإبادة. الولوج إلى كنه هذا الصمود الأسطوري الممتد يفترض الغوص المعمق في ثلاثية الأبعاد التاريخية والحقوقية والسياسية التي تتماسك لتشكل البنية التحتية الصلبة للمواجهة التاريخية على كامل تراب فلسطين من النهر إلى البحر، ولا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة الحراك النضالي الراهن بمعزل عن سياقه التراكمي وجذوره الضاربة في التاريخ، الأمر الذي يبرهن بصورة قاطعة على أن المقاومة الفلسطينية ليست نتاج صدفة أو رد فعل عابر ومؤقت على حدث بعينه، بل هي صيرورة ممتدة لأكثر من قرن من الكفاح المنظم ضد المشاريع الاستعمارية والإحلالية، انطلقت بوادرها الأولى منذ التصدّي المبكر للهجرات الصهيونية والشركات الاستيطانية في أواخر العهد العثماني، وتبلورت بنيوياً وسياسياً إبان فترة الانتداب البريطاني عبر انتفاضات وثورات شعبية عارمة كشفت بوعي استباقي متقدم ماهية المخطط الكولونيالي الهادف لنزع ملكية الأرض وطرد أصحابها، ولا سيما الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 التي شكلت محطة فارقة في تاريخ التنظيم الشعبي، والتمويل الذاتي، والعصيان المدني، والكفاح العسكري. هذا التراكم التاريخي لم ينقطع، بل واصل مساره عبر سيرورة من التطور النوعي المتنامي بعد كارثة نكبة عام 1948، متجلياً في انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وفصائلها المسلحة عام 1965، والعبور نحو الانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987 التي أعادت صياغة الهوية الوطنية، ثم انتفاضة الأقصى عام 2000 التي زاوجت بين العمل السياسي والعسكري، وصولاً إلى المعارك الحديثة لتوحيد الساحات وهبّة الكرامة الممتدة عبر الجغرافيا برمتها، مما يؤكد هندسياً وفكرياً وتاريخياً الفشل الذريع للمقولة الصهيونية التأسيسية التي روج لها دافيد بن غوريون بأن "الكبار يموتون والصغار ينسون"، حيث تحولت تجربة المقاومة وإرث الذاكرة الوطنية إلى جينات ثقافية وهوية وجودية راسخة تتوارثها الأجيال المتعاقبة في قطاع غزة والضفة الغربية و القدس المحتلة وفي مناطق الداخل المحتل عام 1948 والشتات، مشكّلة حلقة متصلة ومترابطة من الرفض العضوي المطلق لشرعية الوجود الاستيطاني أو القبول بتجزئة الحقوق على أي شبر من الأرض التاريخية.
وفي سياق متصل، يحظى هذا التراكم النضالي والعمق التاريخي باهتمام وتحليل مكثف من قبل الدوائر الأكاديمية ومعاهد الدراسات الاستراتيجية العالمية، التي باتت تنظر إلى الحالة الفلسطينية كنموذج حيوي لحروب التحرر الوطني طويلة الأمد ضد المنظومات الاستعمارية الإحلالية، فعلى الرغم من التباين في المقاربات، ثمة إجماع متزايد في مراكز الفكر الدولية على أن صلابة الهوية الوطنية الفلسطينية وقدرتها على التكيف لتجاوز استراتيجيات التفتيت الجغرافي تمثّل المتغير الاستراتيجي الأكثر حساسية في كسر الحسابات المادية للتفوق العسكري الإسرائيلي وحلفائه. ففي الولايات المتحدة، بدأت مراكز الأبحاث في واشنطن – في ظل انقسام جيلي حاد – تعترف بهشاشة السردية الأمنية الإسرائيلية التقليدية، مع تحول لافت في أوساط النخب الأكاديمية نحو قراءة الصراع من زاوية الحقوق الإنسانية والتحرر من الإرث الكولونيالي؛ بينما تتبنى مراكز التفكير الأوروبية في فرنسا وألمانيا مقاربات نقدية تركز على التآكل البنيوي في شرعية الاحتلال، حيث تضع هذه الدوائر صُنّاع القرار أمام معضلات أخلاقية وقانونية حيال التزاماتهم الدولية تحت نظام روما، وهو ما يتقاطع في جوهره مع القراءات السياسية الصينية الصادرة عن مراكز تفكير رفيعة المستوى في بكين، والتي تؤكد علمياً استحالة حسم هذا الصراع عبر القوة الغاشمة وحدها، مبرزة أن إرادة الصمود الشعبي قادرة على استنزاف وتفكيك فائض القوة لدى المنظومات الإحلالية مهما طال أمد المواجهة. وهو ما يتلازم مع البعد الحقوقي والقانوني الاستراتيجي الذي تستند فيه مقاومة الشعب الفلسطيني إلى أرضية صلبة وراسخة من مبادئ القانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الشرعية الدولية الصارمة، التي تكفل بوضوح لا لبس فيه للشعوب الخاضعة للاحتلال الأجنبي، والسيطرة الاستعمارية، والأنظمة العنصرية، الحق المطلق والغير قابل للتصرف في النضال المستميت من أجل تقرير المصير، واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة بكافة الوسائل المتاحة والمشروعة، بما في ذلك الكفاح المسلح، وهو المبدأ القانوني المستقر الذي نصت عليه وأكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة صراحة في حزمة من قراراتها التاريخية، وفي مقدمتها القرار رقم 3246 عام 1974، مما يفكك بنيوياً وينزع أي صفة قانونية أو شرعية عن محاولات الاحتلال والمنظومات الداعمة له لوصم المقاومة بالإرهاب، ويثبت في المقابل، وبالمعايير القانونية القطعية، أن الكيان الإسرائيلي هو الذي يمثل حالة مستمرة وممنهجة من الخرق الفاضح للمواثيق الدولية عبر تبنيه منظومة الفصل العنصري والأبرتهايد المؤسسي، وسياسات التطهير العرقي، والتغيير الديمغرافي القسري للمعالم الجغرافية والبشرية، ونقل مستوطنيه إلى فلسطين المحتلة، في انتهاك صارخ وجسيم للمادة التاسعة والأربعين من اتفاقية جنيف الرابعة. وقد أحدثت التطورات القانونية المتلاحقة والدراماتيكية بين عامي 2024 و2026 تحولاً نوعيًا وجوهريًا في تاريخ الصراع، ولا سيما من خلال المسار القضائي المتكامل أمام محكمة العدل الدولية الذي جفف من خلاله الفقه القانوني العالمي الذرائع الإسرائيلية بشأن جريمة الإبادة الجماعية، بالتزامن مع المواقف الصارمة والحاسمة للمحكمة الجنائية الدولية التي تكللت بإصدار وتثبيت مذكرات التوقيف الدولية ضد قادة الاحتلال بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هذا التحول الجوهري نقل النقاش الدولي بكلّيته من مربع الدفاع التقليدي عن أمن "إسرائيل" المزعوم والحق الوهمي في الدفاع عن النفس كقوة احتلال، إلى مربع التجريم الجنائي والسياسي لبنية الكيان الاستعمارية والإحلالية بالكامل، مما يضفي مشروعية حقوقية دولية كاسحة، مستدامة، وعابرة للقارات على المقاومة الفلسطينية باعتبارها أداة شرعية وتنفيذية لإنفاذ أحكام القانون الدولي وتحقيق العدالة في مواجهة كيان مارق يصنف فقهياً وتشريعياً بأنه خارج عن المنظومة الحقوقية والقيمية العالمية.
وفي موازاة هذا المسار القانوني، أولت كبريات المنابر الإعلامية والدوريات القانونية الأوروبية اهتماماً استثنائياً لهذا الانعطاف في بنية الصراع، حيث أجمعت تقاريرها على أن تمسك دوائر المحكمة الجنائية الدولية بمذكرات التوقيف، ورفضها الحاسم لكافة الدفوع الإسرائيلية، يمثل الإعلان الفعلي عن أفول زمن الحصانة المطلقة التي حظيت بها تل أبيب لعقود بفضل الغطاء السياسي الأمريكي، إذ ترى هذه القراءات أن الانتقال من حيز الإدانات الرمزية إلى مربع التجريم الجنائي النافذ يضع العواصم الأوروبية أمام استحقاقات أخلاقية وقانونية ملزمة، لا سيما ما يتصل بمتطلبات نظام روما الأساسي بشأن التعاون الدولي في تنفيذ العدالة، الأمر الذي يفاقم العزلة الدولية للكيان الصهيوني، ويُرسّخ في الوقت ذاته مشروعية الكفاح الفلسطيني كضرورة أخلاقية لإنهاء الحقبة الاستعمارية الأخيرة. وفي السياق ذاته، تلتقي هذه القراءات الاستراتيجية مع التقديرات الصادرة عن مراكز الفكر والبحوث العربية والدولية، التي خلصت في إجماع تحليلي إلى أن محاولات تجاوز الحقوق الفلسطينية قد تحطمت نهائياً أمام صلابة الواقع الميداني وتجدد الفعل المقاوم. إذ تُظهر الدراسات الاستراتيجية أن أعباء إدامة الاحتلال وتكاليف السيطرة العسكرية وتأمين منظومات الفصل العنصري قد تجاوزت قدرة الكيان الصهيوني وشركائه على التحمل، سواء على الصعيد الاقتصادي أو البشري أو اللوجستي، وهو ما أدى إلى قلب أولويات الأجندة الدولية، حيث بات الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة يفرض نفسه ليس كخيار تفاوضي قابل للمساومة، بل كضرورة حتمية ومسار إلزامي لا غنى عنه لأي هندسة أمنية أو سياسية مستقبلية في الإقليم.
على الصعيد الميداني، أثبتت المقاومة الشاملة أنها الرافعة الاستراتيجية التي تصدت لمحاولات تصفية القضية أو اختزالها في أطر إنسانية واقتصادية مجردة. فقد نجح هذا الفعل التراكمي، الممتد عبر ثمانية عقود من المواجهة، في إحباط كافة هندسات التطبيع الإقليمي التي استهدفت ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية وتجاوز الحقوق الوطنية، حيث أدى هذا الصمود العابر للجغرافيا في فلسطين التاريخية إلى إعادة فرض القضية الفلسطينية بوصفها الركيزة الأساسية لأي استقرار إقليمي، مما ألزم القوى الدولية بالإقرار بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقيم دون تفكيك المنظومة الاستيطانية وتجسيد السيادة الفلسطينية الكاملة، وهو ما انعكس في انحسار القوة الناعمة للاحتلال وتصدع روايته السياسية، لتتحول المقاومة من فعل دفاعي إلى مشروع وطني متكامل يمتلك من الكفاءة والأدوات ما يجعله قادراً على إعادة صياغة موازين القوى وإحلال الحق التاريخي محل سياسات الإحلال والتطهير.
وفي امتداد عضوي ومصيري يكتسب أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، يبرز دور الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 كجبهة صمود داخلي عصية على الاحتواء، إذ يمثل وجودهم تحدياً بنيوياً يضرب في الصميم المرتكزات الديمغرافية، والأيديولوجية، والأمنية التي قام عليها المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي؛ فبالرغم من خضوعهم لنظام تمييزي مؤسساتي وممنهج يدمج بين السياسات الإقصائية القومية وآليات الليبرالية الجديدة لضمان عزلهم الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنهم أثبتوا قدرة مذهلة على الحفاظ على هويتهم الوطنية. وتتجلى حدة هذا الاستهداف في إحصائيات الفقر المدقع، حيث ترزح نصف العائلات الفلسطينية داخل الخط الأخضر تحت خط الفقر مقابل 15% من العائلات "اليهودية"، وهو تفاوت بنيوي ناجم عن حرمان منهجي من الاستثمارات التخطيطية الكبرى، إذ تتعمد حكومات الاحتلال حرمان البلدات العربية من المناطق الصناعية والتكنولوجية المتقدمة – التي بلغت خمساً وعشرين منطقة – مما يحرم المجالس البلدية من عوائد الضرائب الحيوية ويقوض البنية التحتية والمرافق العامة. ولتكتمل حلقة الضغط، تستخدم أجهزة الأمن تكتيكات خبيثة تتمثل في التغاضي عن، بل وتغذية، ظاهرة الجريمة المنظمة داخل المجتمع الفلسطيني، لفرض حالة من انعدام الأمان الشخصي والتفتيت الاجتماعي، بهدف إشغال الفلسطينيين عن قضاياهم الوجودية الكبرى. ولا تتوقف استراتيجيات الاحتلال عند هذا الحد، بل تمتد لتشكل ترسانة تشريعية فاشية تقودها الحكومات اليمينية المتطرفة، تهدف لاقتلاع الوجود الفلسطيني قانونياً، وتتجسد في مشاريع قوانين لسحب الجنسية بذريعة غياب الولاء، وتتزامن مع مخططات تهجير كبرى كـ مخطط "شيكلي" الرامي إلى تصفية خمس وثمانين قرية في النقب. وفي مواجهة هذه المساعي المحمومة لـ"أسرلة" المجتمع وطمس هويته، خاض فلسطينيو الداخل نضالاً تاريخياً متجذراً، انطلقت شرارته عبر حركات وطنية كـ"أبناء البلد"، وصولاً إلى المحطات الكبرى كيوم الأرض عام 1976 وهبّة الكرامة عام 2021 التي شكلت زلزالاً سوسيولوجياً وأمنياً زعزع العقيدة الأمنية للكيان. وبالرغم من التحديات التي يفرضها ما يُعرف بـحالة العتبة، فإن هذا الصمود يبقى نقيضاً بنيوياً حياً لمشروع الإحلال الصهيوني، مؤكداً يوماً بعد يوم أنهم ركيزة أصيلة في معادلة التحرر، وعنصر تآكل دائم وفعال لشرعية الاحتلال من الداخل.
وعند تحليل التحولات الاستراتيجية العميقة التي ضربت البيئة الإقليمية، لا سيما في أعقاب طوفان الأقصى وصولاً إلى اللحظة الراهنة، نجد أن الجهود الإسرائيلية المدعومة أمريكياً تركزت بشكل مكثف واستباقي على ترميم صورة الردع الإسرائيلي المتآكلة، ومحاولة إعادة تأهيل الكيان الصهيوني قسراً في البيئتين العربية والدولية، عبر السعي الحثيث لتهيئة ظروف جيوسياسية مواتية لتوسيع نطاق "الاتفاقات الإبراهيمية" ودمج الكيان في المنظومة الأمنية الإقليمية. وفي هذا السياق الاستراتيجي المتداخل برزت محاولات محمومة ومستمرة لإخراج المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس ، من المعادلة السياسية الفلسطينية ونزع قدراتها العسكرية بالكامل، وهو مشروع استئصالي يتم مواجهته بتماسك بنيوي مذهل للحركة وقوى المقاومة وقدرة ديناميكية عالية على التكيف وتجاوز التحديات الراهنة، مما ضمن استمراريتها السياسية والميدانية كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه رغم الضغوط الهائلة.
وعلى صعيد المشهد الفلسطيني الداخلي المتطور، تزداد تضاريس الأزمة تعقيداً مع المساعي التي تقودها السلطة الفلسطينية في رام الله لملء الفراغ السياسي والإداري الناشئ في قطاع غزة، وذلك على الرغم من حالة النزيف الحاد في نفوذها وسيطرتها الميدانية، واستنزافها المستمر في مواجهة الضغوطات والانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية. تأتي هذه التحركات السياسية في ظل إصرار القيادة الفلسطينية على مبدأ أن قطاع غزة يمثل جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية الواحدة، وأن أي ترتيبات لمرحلة ما بعد الحرب يجب أن تندرج بالضرورة ضمن هذا الإطار السيادي الموحد. ومع ذلك، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام معضلات بنيوية بالغة الصعوبة في إقناع سلطات الاحتلال بقبول إدارتها المباشرة للقطاع، خاصة في ظل طرح خطط دولية وإقليمية متنافسة سعت منذ أواخر 2025 لنقل الإدارة والسيطرة من حركة حماس إلى أطراف أخرى، وهي خطط – في جوهرها الاستراتيجي – لا تشكل بالضرورة بديلاً وطنياً حقيقياً، ولا تقدم دعماً سياسياً أو سيادياً مباشراً للسلطة الفلسطينية، بل تهدف إلى خلق واقع إداري وظيفي يفتقر إلى الشرعية الشعبية والسياسية اللازمة للاستقرار في ظل المعطيات الميدانية الجديدة التي فرضتها ديناميكيات الحرب في غزة. إن هذا المشهد يجسد حالة من الانسداد الاستراتيجي، حيث تصطدم الرغبات الدولية في هندسة غزة بعيداً عن قوى المقاومة بالواقع الميداني المعقد والرافض لأي بدائل مفروضة، مما يجعل من أي ترتيبات مستقبلية للقطاع عملية محفوفة بالمخاطر، ومرتهنة بتغير موازين القوى في الميدان وفي أروقة القرار الإقليمي والدولي. وفي إطار هذه الترتيبات الأمنية والسياسية المعقدة، تشير التقديرات الاستراتيجية والرصد الميداني إلى مشاريع يشهد فيها قطاع غزة انتشاراً لقوات الشرطة الفلسطينية التابعة للسلطة، وذلك وفق اشتراطات ومعايير أمنية إسرائيلية بالغة الصرامة والتقييد. وتستند هذه الخطط إلى تجهيز وتدريب قرابة 12 ألف عنصر شرطي من أبناء القطاع، مع وضع خطط تنفيذية أولية لنشر دفعة قوامها 5 آلاف شرطي في المرحلة الأولى، بعد إتمام برامج تدريبية مكثفة في كليات شرطية متخصصة في عدد من الدول العربية والإقليمية. غير أن هذه المساعي تواجه عقبات بنيوية وتحديات كبرى على المستويين الشعبي والفصائلي، إذ يعاني الشارع الفلسطيني من أزمة ثقة متجذرة وعميقة تجاه المؤسسات الرسمية، مدفوعة بتراجع حاد في معدلات الرضا عن منظومة الخدمات العامة، مما يعمق الفجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية، ويضع المشهد السياسي الداخلي أمام أبعاد حرجة تهدد استقرار أي ترتيبات مستقبلية. وما يزيد من إضعاف شرعية السلطة الفلسطينية وتآكل دورها في هذا السياق، هو أن المقترحات التي طرحتها الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب في أواخر عام 2025 قد استبعدت بشكل قاطع وممنهج أي دور سيادي للسلطة في إدارة قطاع غزة مستقبلاً. وقد حللت الصحافة الأمريكية المتخصصة هذه التوجهات باعتبارها تعبيراً دقيقاً عن المقاربة البراغماتية المتشددة التي تتبناها إدارة ترامب، والتي تهدف إلى تجاوز إطار حل الدولتين التقليدي لصالح هندسة صيغ أمنية واستثمارية هجينة تدار عبر وكلاء دوليين وإقليميين. في المقابل، تواصل قوى المقاومة الفلسطينية، المتمثلة في حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وفصائل أخرى، الضغط الوازن باتجاه إصلاح البيت الفلسطيني على أسس وطنية شاملة وتفعيل العمل الشعبي المشترك لمجابهة التحديات المصيرية. وضمن حراك داخلي لافت نحو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، أعلنت الفصائل والقوى الفلسطينية، في وثيقة رسمية وتاريخية صادرة في الأول من مايو 2026، عن توافقها على خارطة طريق شاملة قدمها الوسطاء الدوليون والإقليميون لتجاوز حالة الانسداد الراهنة. ورغم أن السلطة الفلسطينية تبدي ترحيباً نظرياً بجهود وقف الحرب، إلا أنها تجد نفسها حبيسة معضلة وجودية حقيقية، تتمثل في هواجس العودة إلى غزة تحت مظلة شروط دولية وإسرائيلية مذلة قد تؤدي إلى إقصائها النهائي أو تهميش دورها المستقبلي وتحويلها إلى مجرد أداة أمنية، بينما تذهب القراءات الاستراتيجية إلى استنتاج مفصلي، مفاده أن قطاع غزة قد خرج تماماً من حسابات الحرب والسلام التقليدية المتعارف عليها، ليتحول إلى ساحة لحروب استنزاف مستدامة وطويلة الأمد، تحول دون استقرار أي نموذج إدارة بديل لا يستند في شرعيته إلى قاعدة مقاومة وطنية وشعبية صلبة، مما يجعل من أي محاولة لفرض إدارة مفصلة خارج التوافق الوطني الفلسطيني عملية محكومة بالفشل الميداني والسياسي.
ويتزامن هذا التخبط الإداري والأمني الميداني حول قطاع غزة مع تفاقمٍ خطير ومتسارع للأوضاع في الضفة الغربية والقدس، حيث تنتهج حكومة الاحتلال سياسة هندسة الفراغ المؤسساتي والقانوني، مستغلةً حالة الانشغال الإقليمي لتنفيذ إجراءات الضم الفعلي، وتصعيد وتيرة التهويد الممنهج والاستيطان الاستراتيجي الذي لا يقتصر على مصادرة الأراضي، بل يهدف إلى تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وتحويل الكتل الاستيطانية إلى كيانات وظيفية تبتلع المساحات الحيوية للقرى والمدن الفلسطينية، وهو ما يترجم ميدانياً إلى تحويل الضفة إلى معازل مقطعة الأوصال، تقوض أي إمكانية لقيام دولة ذات سيادة متصلة. وفي قلب هذا المخطط، تصبح القدس المحتلة عنواناً متجدداً لمعركة الهوية والوجود، حيث تدمج سلطات الاحتلال بين آليات الطرد القسري وتغيير الوضع الديموغرافي، وبين محاولات طمس المعالم الحضارية والتاريخية للمدينة، مما يضع القضية الفلسطينية أمام استحقاق وجودي يتجاوز البعد السياسي، ليصل إلى محاولة شطب البصمة البشرية والحضارية الفلسطينية لصالح مشروع استيطاني شمولي، يجعل من القدس الكبرى ركيزة مركزية للسيطرة على كامل الجغرافيا السياسية، ويفرض أمراً واقعاً يتحدى الشرعية الدولية ويستبق أي حلول سياسية مستقبلية.
على المقلب الآخر، تشير القراءات السياسية الدقيقة الحالية لداخل الكيان الإسرائيلي إلى أن احتمالات سقوط تحالف حزب الليكود والتيار الصهيوني الديني في انتخابات الكنيست المقبلة لم تعد مجرد فرضية سياسية، بل أصبحت تعبيراً عن أزمة شرعية خانقة، الأمر الذي قد يضطر المنظومة السياسية الإسرائيلية، تحت ضغط الأزمات المركبة، إلى محاولة إعادة تموضع أو تبني سياسات أكثر براغماتية للتعامل مع واقعٍ أمني واقتصادي لم يعد يحتمل التصلب الأيديولوجي السابق. تعكس هذه التحولات الداخلية حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ لم يعد المجتمع الإسرائيلي يعاني من اختلافات في الرؤى السياسية فحسب، بل يمر بمرحلة تآكل بنيوي في عقده الاجتماعي والسياسي، مما يعمق الانقسامات الأفقية والعمودية التي تضرب نسيج الكيان، خاصة تحت وطأة التداعيات الكارثية للحرب المستمرة على غزة، التي فرضت ضغوطاً سياسية واقتصادية غير مسبوقة على متخذ القرار في تل أبيب، حيث تتصادم الرؤى والأيديولوجيات حول مستقبل الكيان بين معسكر اليمين المتطرف الفاشي، الذي يرى في العنف أداة وجودية، وبين التيار الذي بدأ يدرك عبثية هذا المسار، مما يضعف الجبهة الداخلية ويزيد من حدة الاستقطاب الذي لم يعد قابلاً للترميم. ولا يقتصر هذا التآكل على الشق السياسي، بل يمتد ليشمل النسيج الاجتماعي عبر تزايد حدة التوترات بين المتدينين "الحريديم" والعلمانيين، والتي أخذت أبعاداً تصادمية حول مفاهيم الخدمة العسكرية والمواطنة، فضلاً عن الفجوات الطبقية والإثنية المتجذرة بين اليهود الشرقيين "السفارديم" والغربيين "الأشكناز"، مما ينذر بتصدعات عميقة قد تفضي إلى تفكك البنية المجتمعية الإسرائيلية من الداخل تحت ضغط فشل الدولة في توفير الأمن والرخاء. ويبرز هذا التآكل البنيوي الداخلي للكيان من خلال التحليلات الاستراتيجية لمؤشرات الهجرة العكسية لرأس المال البشري النوعي والتقني، وتصاعد الأزمات الاقتصادية الخانقة الناتجة عن الكلفة الهائلة والمستمرة للحروب على جبهات متعددة، مما يؤشر أن التناقضات الداخلية في مجتمع الاحتلال قد وصلت إلى نقطة لا عودة، حيث بات التمزق الأيديولوجي والمجتمعي يهدد بشكل مباشر الكفاءة العملياتية للمؤسسة العسكرية نفسها، ويحول "الجيش الذي لا يقهر" إلى مؤسسة تعاني من الإرهاق الاستراتيجي والعزلة الدولية المتزايدة، مما يرجح أن الكيان دخل بالفعل في دورة حياة التراجع التاريخي الذي يتغذى على تناقضاته الداخلية بقدر ما يغذّيه صمود وتحدي الشعب الفلسطيني.
من ناحية أخرى، فإن التفكك المتسارع في بنية السردية الصهيونية تجاوز حدوده الجيوسياسية والدولية، ليتحول إلى أزمة أيديولوجية وجودية تتغلغل في عمق النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية داخل الكيان الصهيوني ذاته، حيث بات المجتمع الإسرائيلي يرزح تحت وطأة مرحلة متقدمة من التآكل البنيوي، وهو نتاج حتمي للتصادم الحاد وغير القابل للحل بين الرؤى المتطرفة التي تسعى لفرض أجندة استئصالية وبين التيارات التي بدأت تدرك مآلات الفشل الاستراتيجي. يتجلى هذا التآكل في تصاعد غير مسبوق للأصوات النقدية والتحليلات التي لم تعد تكتفي بنقد كفاءة النخبة الحاكمة، بل امتدت لتطال الأسس الأخلاقية والوجودية التي قام عليها المشروع الصهيوني برمته بعد 78 عاماً من الاحتلال والاستيطان الممنهج للأراضي الفلسطينية. إن هذا التصدع الداخلي يتغذى بشكل مباشر من الانقسامات الأفقية والعمودية التي تضرب النسيج الاجتماعي للكيان، حيث تتفاقم الفجوات وتتعمق الشروخ بين التيارات والاثنيات المختلفة، مما ينذر بتصدعات بنيوية قد تفضي إلى تفكك الكيان من الداخل، وهو مسارٌ يعززه العجز عن بناء هوية وطنية جامعة. ويتزامن هذا التآكل الذاتي للشرعية مع تحول جذري ونوعي في وعي الرأي العام العالمي، الذي شهد ارتقاءً في القيم الإنسانية والحقوقية تجاه عدالة القضية الفلسطينية، متجاوزاً صمت العقود السابقة، خاصة في أعقاب حرب الإبادة الجماعية الموثقة التي شهدها قطاع غزة والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي التي تم توثيقها قانونياً من قبل لجان التحقيق الدولية والمنظمات الحقوقية الأممية. هذا التحول النوعي في المنظومة القانونية والأخلاقية الدولية وضع الكيان في موقف دفاعي وحالة من العزلة الاستراتيجية غير المسبوقة، حيث لم يعد قادراً على تغليف سياساته الاستعمارية بالرواية التقليدية للدفاع عن النفس، مما أضفى طابعاً من الحتمية التاريخية على سيناريو التآكل التدريجي والمستمر لشرعية وجوده، جاعلاً من هذا التراجع خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه في الدراسات الاستشرافية والمستقبلية التي باتت تعتبر أن انهيار الشرعية الدولية والداخلية هو المعطى الأكثر تأثيراً في مستقبل الكيان.
إن التراكم المضطرد للمتغيرات القانونية والحقوقية، بالتوازي مع الزخم الإعلامي الكوني الذي فضح الانتهاكات الجسيمة، قد أحدث انزياحاً بنيوياً حاداً في السردية الصهيونية التي طالما استندت إلى ركيزة الدعم الدولي والأمريكي غير المشروط، إذ تواجه الرواية الإسرائيلية التقليدية اليوم أزمة مصداقية عميقة ومعلنة أمام المجتمع الدولي، تجسدت في تحول جيوسياسي وقيمي تجلت معالمه في استطلاعات الرأي الصادرة عن معهد "بيو" للأبحاث في واشنطن أواخر عام 2025، والتي وثقت تراجعاً تاريخياً لم يسبقه مثيل في تأييد الشارع الأمريكي لإسرائيل، مع ارتفاع حاد في المؤشرات السلبية، حيث بلغت نسبة من فقدوا الثقة في السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي 60%، وهي بيانات لم تكن مجرد أرقام عابرة، بل كانت محور نقاشات فكرية معمقة في واشنطن، أشارت بوضوح إلى تبلور انقسام جيلي حاد داخل النخبة والمجتمع الأمريكيين، حيث بات جيل الشباب والأقليات يقرأ القضية الفلسطينية من زاوية العدالة الاجتماعية والتحرر من الإرث الكولونيالي، مما أفقد تل أبيب ورقتها الاستراتيجية الأكثر نفوذاً والمتمثلة في الإجماع الحزبي المطلق، لتجد إسرائيل نفسها في موقف دفاعي مأزوم وهشاشة استراتيجية وسياسية غير مسبوقة على المسرح الدولي.
هذا التآكل في السردية الصهيونية لم يعد حبيس المحافل الخارجية؛ إذ لا يقف أثر هذا التصدع عند حدود التشكيك النخبوي في جدوى السياسات الحكومية، بل يتجاوزه ليمسي حالة من الفرز الأيديولوجي العميق الذي ينخر في شرعية الوجود ذاتها. إن هذه المراجعات النقدية المتصاعدة تفرض واقعاً جديداً يضع المؤسسة الصهيونية أمام استحقاق الفشل التاريخي، محولةً قضية الحقوق الفلسطينية من مجرد شعار نضالي إلى حقيقة قانونية وأخلاقية تفرض حضورها الإلزامي على جدول الأعمال الدولي، مما يجعل من عزلة الكيان حالة بنيوية مستدامة لا يمكن العودة عنها. وتتعزز هذه المعطيات بتقرير لجنة التحقيق الدولية الصادر في سبتمبر 2025، وبالمواقف الصارمة للمحكمة الجنائية الدولية التي أبت سحب مذكرات التوقيف ضد قيادات الاحتلال، لتؤسس هذه التراكمات مجتمعةً لسيناريو التآكل التدريجي والمستمر لشرعية وجود "إسرائيل". وهذا المسار، في جوهره، يفرض نفسه موضوعياً على كافة الدراسات الاستشرافية والمستقبلية كأكثر الاحتمالات قابلية للتحقق في واقع ما بعد ثمانية وسبعين عاماً من النكبة، مؤكداً أن العزلة الدولية التي بات يعيشها الكيان هي نتاج طبيعي ومستدام لمرحلة التجريم الدولي التي دشنت منعطفاً لا رجعة فيه.
ختاماً، لا يجب أن تمثل الذكرى الـ 78 للنكبة مجرد استحضار للذاكرة، بل يجب أن تفرض نفسها كمنعطف استراتيجي يستوجب من القيادات الفلسطينية الارتقاء إلى مستوى التحديات عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد: تبدأ بوحدة وطنية مؤسساتية تدمج الفعل المقاوم بالقرار السياسي، وتمر بدبلوماسية ذكية تستثمر التحولات القيمية العالمية لبناء تحالفات عابرة للهيمنة التقليدية، وتنتهي بملاحقة قانونية دولية لا هوادة فيها لتثبيت تجريم البنية الاستعمارية. إن هذا التكامل بين الميدان والسياسة والقانون هو المسار الحتمي الوحيد لتحويل هذه المحطة التاريخية إلى رافعةٍ لإنهاء الاحتلال، وتجسيد السيادة الفلسطينية الكاملة على تراب فلسطين التاريخي، بعاصمتها القدس الأبدية، معلنةً نهاية حقبة الإفلات من العقاب وبداية عصر العدالة التاريخية الناجزة.

