“سيفعل كل ما أريد”، هكذا وصف دونالد ترامب مؤخراً رئيس وزراء دولة الكيان بنيامين نتنياهو.
قد تكون هذه العبارة من أكثر تصريحات ترامب كشفاً عن حقيقته؛ لا لما تقوله عن نتنياهو، بل لما تكشفه عن نفسية ترامب ذاته. جاءت العبارة لتُظهر القوة، لكنها كشفت العكس تماماً.
بنى ترامب شخصيته السياسية على المبالغة وتضخيم الذات وادعاء التفوق؛ وهي كلها أقنعة تخفي شعوراً عميقاً بالنقص لا يعلم أحد مدى تجذره إلا هو. وحين يُصرّ على أن نتنياهو يتحرك بأمره، فإنه يدعي سلطةً لا يملكها. وكلما ارتفع صوت المباهاة، بدا الوهن الكامن خلفه أكثر وضوحاً وافتضاحاً.
إن كان ثمة درس واحد يمكن استخلاصه منذ وصول ترامب إلى السلطة، فهو أن نتنياهو — لا ترامب — هو من يحدد إيقاع الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط. قد يقيم ترامب في البيت الأبيض، ويُطلق الإنذارات، ويُنصّب نفسه سيد المفاوضين، لكن وقائع الميدان تروي قصة مختلفة. فمراراً وتكراراً، يقرر نتنياهو ويتكيف ترامب مع قراراته.
لسنوات، عمل نتنياهو بلا كلل لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة صُنعت لخدمة دولة الكيان، وهذه المرة ضد إيران. وقد أحجمت إدارات أمريكية متعاقبة، رغم خضوعها للضغوط الصهيونية، عن الوقوع في هذا الفخ. أما ترامب، فقد أثبت هشاشة أكبر أمام نفوذ المانحين الذين تتقدم دولة الكيان أولوياتهم، وأمام مناورات نتنياهو السياسية. ومع ذلك، يواصل تقديم نفسه بوصفه صاحب القرار الأول والأخير.
هذا الأسبوع، استعرض ترامب بفخر مكالمة هاتفية زعم فيها أنه أوعز لنتنياهو بوقف هجوم صهيوني مرتقب على بيروت. ولم يمض وقت طويل حتى أعلن وزير دفاع دولة الكيان أن العمليات العسكرية “ستتواصل في جميع الأحوال”. ووفاءً بذلك الوعد، شنت دولة الاحتلال هجمات جديدة على مستشفيات وقرى في جنوب لبنان، أسفرت عن قتلى وجرحى مدنيين، رغم ما وصفه ترامب بأنه وقف للحرب.
وبعد يومين، في الثالث من يونيو، أعلن الوفدان اللبناني ووفد دولة الكيان في واشنطن التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، هو الثالث من نوعه منذ أبريل الماضي. لكن بعد يوم واحد فقط من الإعلان عنه، استأنفت دولة الاحتلال غاراتها على جنوب لبنان، وأكدت أنها لن تنسحب ولن تسمح للمدنيين اللبنانيين بالعودة إلى قراهم الحدودية.
ولا شك أن المقاومين اللبنانيين، حين يردّون في نهاية المطاف على الانتهاكات الصهيونية المتكررة، سيجدون ترامب — كما فعل مراراً — يدين رد الفعل ويتجاهل الفعل ذاته، محمّلاً الجانب اللبناني المسؤولية، ومغمضاً عينيه عن الاحتلال الصهيوني والعمليات العسكرية التي استدعت الرد، حفاظاً على ماء وجهه أمام نتنياهو.
ويظهر النمط نفسه بوضوح في مفاوضات الملف الإيراني. فقد أعلن ترامب لأشهر أن هدفه منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو موقف يتقاطع مع ما تعلنه طهران رسمياً. لكن دولة الكيان المسلحة نووياً، والتي لم توقّع على معاهدة عدم الانتشار النووي التي وقّعتها إيران، تسعى إلى أهداف مختلفة تماماً. فحكومة نتنياهو لا يرضيها اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني، بل تطمح إلى تدمير القدرات العلمية الإيرانية وتحويل إيران إلى دولة فاشلة، على غرار ما آلت إليه العراق و ليبيا بعد تخليهما عن طموحاتهما النووية.
وبالنسبة لدولة الكيان، قد يكون الاتفاق التفاوضي بين واشنطن وطهران أقل جاذبية بكثير من استمرار الاضطراب الإقليمي. فهدفها الاستراتيجي يتمثل في الحفاظ على بيئة إقليمية تضمن استمرار تفوقها العسكري والجيوسياسي. وقد نظرت الحركة الصهيونية تاريخياً إلى نهوض دول مجاورة ديمقراطية ومتقدمة تقنياً ومستقلة اقتصادياً باعتباره تهديداً وجوديا. ومن هنا، فإن التفتيت والفوضى في الدول المحيطة يخدمان هذا الهدف، عبر الحيلولة دون بروز قوى إقليمية مستقلة قد تتحدى يوماً ما تفوق دولة الكيان. وفي هذا السياق، قد تكون دولة الكيان فريدة بين الدول؛ إذ لا تستمد قوتها الاستراتيجية من استقرار المنطقة وازدهارها، بل من استمرار الفوضى والتفكك، وقد بنت جانباً مهماً من عقيدتها الإقليمية على إدارة الاضطراب وترسيخ الفوضى.
أما التكلفة التي يتحملها المواطن الأمريكي العادي، فهي ملموسة ويعيش آثارها يومياً. يشعر بها عندما يملأ خزان سيارته، أو يدفع أسعاراً أعلى للسلع والخدمات، أو يشاهد الكونغرس يقتطع من برامج الرعاية الصحية والمنح الدراسية لتمويل حزم جديدة من المساعدات العسكرية لدولة الكيان. فالأمريكيون لا يمولون حروب دولة الكيان بأموالهم وأسلحتهم فحسب، بل يدفعون أيضاً ما يمكن وصفه بضريبة صهيونية غير معلنة على كل لتر وقود. ويواصل وزير الخزانة سكوت بيسنت طمأنة المستهلكين بأن أسعار الوقود ستستقر عند حدود ثلاثة دولارات للغالون بين يونيو وسبتمبر، وكأنه من المقبول أن يتحمل الأمريكيون هذه الأعباء إلى أن يتفضل نتنياهو بالموافقة على هدنة، هذا في الوقت الذي يتباهى فيه ترامب بأن الولايات المتحدة أصبحت مصدّراً صافياً للطاقة.
و غزة ساحة أخرى من ساحات الحروب التي تشنها دولة الكيان بلا انقطاع. فقد وقّع ترامب شخصياً على اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ في أكتوبر 2025، معلناً أنه “حقق السلام في الشرق الأوسط”. ثم اكتفى بالمراقبة بينما عملت دولة الاحتلال بصورة منهجية على تقويض التزاماتها. وخلال فترة “الهدنة”، فرضت حصاراً قائماً على التجويع، وقتلت أكثر من ثمانمائة فلسطيني وجرحت الآلاف.
وبموجب المرحلة الأولى من الاتفاق، كان من المفترض أن تنسحب القوات الصهيونية إلى ما يقارب ثلاثة وخمسين في المئة من مساحة غزة، فيما نصّت المرحلة الثانية على انسحاب إضافي. غير أن نتنياهو أمر بالسيطرة على اثنين وثلاثين في المئة إضافية من القطاع، لترتفع نسبة الاحتلال العسكري الصهيوني إلى نحو سبعين في المئة من غزة، بينما يُحشر أكثر من مليونين وثلاثمائة ألف فلسطيني في الثلاثين في المئة المتبقية، أي ما يعادل نحو خمسين ألف إنسان في مساحه كلم ونصف مربع من الركام.
وعلى جميع الجبهات، لم يكتفِ ترامب باتباع نتنياهو، بل أتاح له الدعم والتمويل والتسليح والحماية الدبلوماسية. ثم وقف أمام الكاميرات ليعوض عن عجزه بالادعاء بأنه صاحب السيطرة والقرار.
وفي هذا السياق، وبعد الانتخابات التمهيدية الأخيرة، بات عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين من فئة “البط الأعرج” (أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري الذين تنتهي ولايتهم بنهاية العام، ولن يترشحوا أو يشاركوا في انتخابات نوفمبر المقبل) يتعاملون مع إدارة ترامب وكأنها رئاسة دخلت مرحلة الأفول قبل أوانها. ودليلا على ذلك فان تصويت الكونغرس الأخير لتقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب يكشف أن الرصيد السياسي لترامب يتآكل بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.
ومع ذلك، قد يكون الأمريكيون أمام منعطف تاريخي في عقود من هيمنة مبدأ “دولة الكيان أولاً” على الحياة السياسية الأمريكية. فالمشهد السياسي يشهد تحولات متسارعة، والمسلمات التي حكمت علاقة واشنطن بدولة الكيان لم تعد راسخة كما كانت. فمن تصاعد الأصوات المعارضة داخل الحزب الديمقراطي وبين شخصيات مؤثرة في المعسكر الجمهوري، إلى تنامي القلق في أروقة واشنطن، بدأت تتصدع جدران منظومة تعاملت مع دولة الكيان لعقود طويلة باعتبارها بقرة مقدسة لا تُمس. وبعد ثمانية عقود من النفوذ السياسي الواسع والتأثير العميق في صناعة القرار الأمريكي، تواجه هذه المنظومة مقاومة متزايدة من قوى كانت حتى وقت قريب من أكثر حلفائها إخلاصاً.
ولذلك، فإن أي قدر من الاستعراض الرئاسي أو المزايدة على منصات التواصل الاجتماعي لن يحجب حقيقة بات إنكارها أكثر صعوبة: في عهد دونالد ترامب، خدمت السياسة الخارجية الأمريكية أجندة نتنياهو القائمة على مبدأ “دولة الكيان أولاً”، أكثر مما خدمت مصالح امريكا اولا. وحين تُكتب سجلات هذه الحقبة في التاريخ، فقد يُذكر هذا الثنائي الغريب بوصفه أحد العوامل التي عجّلت بأفول الهيمنة الصهيونية على القرار السياسي الأمريكي.

