Menu

أين يذهب الدم؟ ! مهاجرون فوق مهاجرين

عبدالنور الهنداوي

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

كم هو رائع أن يكون لك صوت يُبكي الناس بنقاء جميل؟

فالأحلام تستحق القتال من أجلها.. هكذا تبدو الملائكة في بلادي؛ إنها المسافة العربية اللامتناهية أيها القتلى !

فالرماد العربي حسبما يقول حاكم عربي: يقوم بغسلنا أمام العالم، كما لو أنه يغسل الجلجلة، من أجل هذه التغطية الإديولوجية الباسقة، ليظل العربي هكذا، عارياً، وغنيّاً، وطازجاً؛ لأن المستقبل الذي بين يديه هو سقف أمريكا، في حين أن السنوات اليهودية التي استُثمرت دون كلل لتكوين وجدان يهودي يرتبط بنيوياً وعضوياً بالتوراة !

الرماد اليهودي، وحسبما يقول أحد الحاخامات: يقوم بغسل العالم لتهريب النصوص التوراتية إلى العالم، تماماً كما فعلت أيام الجلجلة.

نحن إذن الشعوب التي تبني منازلها في المجهول، وهذا نوع صارخ من الوعد الإلهي الذي تكاثرت فيه التغطية الإديولوجية ليكون تراب العرب، ذلك الوعد الساخط للاحتفاظ بالأقنعة. وبالتالي، إعادة ترتيب المفاهيم وتغطيتها بالمرارة القادمة !

هل ينقص العربي أن يقترض ثيابه من الوراء؟ أو يبدأ صلاته بالقول: يا سيدتي المطرقة.

يوشع بن نون يقول: "أيها الرب أينما ذهبوا أبسط عليهم شباكك وأهبطهم كطيور السماء وأدّبهم حين تسمعهم يجتمعون "

مع أن كل يهودي يعرف أنه لم يظل من الهيكل سوى حائط المبكى. بينما القوة التي نمتلكها، أن نعبّئ أفواهنا بالشمع الأحمر، وبلاط قصورنا العامرة باتت ملأى بالحفر مع ذلك التراقص الخفيّ الذي يومئ إلى تلك الرؤوس المحطّمة.

نحن إذن مع أزمنتنا التي تنام مع الموت، ونردّد بصوت عال أغنية القومية العربية.. لا تكتئبي يا حبيبتي فلسوف آتيك. بالقمر ميتاً.

لكن الذي حدث أننا أصبحنا مجرّد كائنات من القماش الوسخ، بعدما وضعنا تاريخنا في الثلاجة، لكن الضوضاء التي حصلت بعد زوال القومية المجيدة التي غطّت كل شيء، أن ندفن أنفسنا في قبور زجاجية ساخنة لتبقى جثثنا طازجة !

قد نحتفظ بذكرياتنا بين أسناننا كي لا نقترب من الأسئلة المروّعة التي يطرحها اليهود !

يبدو أننا لا نريد لعظامنا بكل هذه البلاهة أن تنتقل هكذا إلى العالم الآخر، ولم يعد باستطاعتنا الخروج من دمنا البارد لخشيتنا أن يصل الزلزال إلى وجوهنا الباردة ولكن بقدمين مختلفتين !

إنه عدوى الدم.. وهذه فرضية كي يجلس فيها موتنا وراء الأبواب.

كل عاصمة عربية الآن هي مدينة للهيكل، مع أن أكثر الحكام العرب، يتعاطون تلقائياً في هزّ رؤوسهم ببغائياً مع الطقوس، دون أن يتفاعلوا إلا بشكل محدود جداً مع دورة الزمن !

لن يستطيع أحدنا أن يضيء الشموع في الأزقّة العربية، لأننا توغلنا كثيراً في اللامعنى، وها هي المدن العريقة تتقطّع كما تتقطع لحومنا.

هل يستطيع اليهودي أن يتخلّى عن مقولة أنّ القدس هي المحور الإلهي لليهودية في حين الحاخامات جميعهم يقولون: إن حائط المبكى يختزل كل الآلام اليهودية، ولذلك لا يريدون لهذا الحائط أن يضحك، حتى يحافظ بكل هذه الجاذبية الضبابية؛ وعليه أن يبقى خزان دموع.

لكن ما بال الحاكم العربي الذي يقترح إعادة بناء الهيكل مرة ثانية لإعادة تقطيع لحومنا بطريقة مثالية، حيث الهواء العربي سيتجمّد، ويتحوّل إلى حالة معدنية غير قابلة للانصهار.. ليحدث الهلاك الكبير !

هل ننتظر حتى تتغيّر أحوال الأرض؟ تماماً هي صناعة الصدمة في تغيير الأزمنة التي ملأتنا بموت الجزء اللامرئي من السماء وإننا لسنا أكثر من ثقوب فائقة ترعرعت على غير هدى، وإننا ندخل في الزمن حفاة عراة، كي لا تستيقظ البلاهة المعلقة على الحائط !

صحيح أننا لا نريد قتل التفاصيل في أحاديثنا عن دمنا الذي هرم من كثرة ما حطّ عليه من النفايات، لكن لا أحد يصنع البطولات المخملية سوى هذه النفايات.. بمعنى أدق، لكي لا تبقى الذاكرة العربية في تلك الردهة المتلألئة، وإننا نشبه عربات القطار الفارغة، وبالكاد هنا نعثر على أي كانَ يأبه بجاذبية الصدى !

العربي يتحدّث تسلّلاً عن المذابح، والجثث تدفن في الهواء قبل أن تدفن في التراب.. وأمريكا تعلمت اللغة التي خلق بها الرب الحياة؛ ونحن تعلمنا كتابة الشعر لترويض الكواكب، ونسينا أن دخولنا في الحياة، يعني دخولنا في العذاب، لأن ثمّة نوعاً بشرياً يدعى العرب !

شعوب عربية يتدلّى منها دم كثير، ورماد كثير، وتذرف دموعها على المارة من أجل الزمن الذي هو الممّر الوحيد لموتها. يبدو أن الخرافة لدينا، تضع نهاية مأساوية لذلك العربي الذي لا يلبث أنّ كلّ نصف منه، يأكل النصف الآخر، ودائماً ما يكون الوعي في هذه الحالة، هو المرتبك والمحطّم، والمستعدّ لمقايضة أي شيء يمتلكه، بحفنة ضيّقة من الحليب الناشف !

أمام هذه الحالة، لن نكون أكثر من أحذية إيديولوجية تحاول التسلّل عبر الأبواب الغامضة، أو الصعبة، لاستعادة جثثنا المغلّفة بأوراق العار؛ ومع ذلك ينتهي أنين العربي المُشْرق ضاحكاً، لأنه يشبه تحديداً البضاعة النافقة.

لا بدّ أن يكون قد حدث تصدعات في الغروب ما دامت مدننا هشّة وقميئة ومات فيها الصدى, ونقطع كل هذه المسافات بدموعنا، ونتحدث عن الذين خرجوا من الكهوف.. لأن ثمّة فارقاً كبيراً في المكان الذي يعيش فيه الدكتاتور، والمكان الذي يعيش فيه الذباب، وهو يحتفل بمهرجان الجثث !

كل الخوف أن يكون الإنسان العربي قد توارى، ويضحك لزجاجة الكوكا كولا. وإننا نستعمل ذاكرتنا على ذلك النحو الرديء، وإننا حولنا ماضينا العتيق إلى حفرة "لنسقط فيها جميعاً"، وها نحن نطالب بالخروج من أيامنا العتيقة، أو نسيانها إن جاز لنا.. مع أننا توقفنا طويلاً هناك، كمن يحطم ساقي الحياة.

حكّام من المتاحف، ويحملون مطارقهم، ويتعقبون الله كي يعلن تتويج _ يوشع بن نون_ ملكاً على السموات والأرض، وأنا أقول: أيها الحكام العرب لا تكفكفوا دموعكم التي لن تجد مكاناً على وجوهكم،

اليهودي سيثأر منكم جميعاِ.. وإن" محياكم وموتكم " في العالم الآخر الجديد !

إن كل ما أتمناها أن أغسل كل الحكام العرب بالحجارة، وأستعيد كل ما مضى منّي، لأن حياتنا التي كانت عارية ولا نهائية، دخلت في التيّه.

حتى اعتراضنا على الموت مات دون أي أسف، ولا أحد تحدث عن الكآبة الضاحكة التي تلاحقنا.

هل يحتاج التاريخ العربي إلى قدميه؟ أم أنه يكتفي بلحظات خفيفة الظل كي يتسلّق عبقريته المتآكلة، ليضيع في سنواته المريرة التي تأخذه إلى المقبرة؟ !

علينا إذن إحداث بلبلة في النصوص كي لا تترهّل الرؤيا؛ وعلينا أيضاً أن نصغي إلى إيقاعنا الهائل لاختراق الزمن لا الموت.

هل ما زلنا حقاً أننا نشبه سكان الأدغال.. فيما اليهودي الذي، تسكنه الصدمة الميثولوجية يقول: إن المستقبل يحتاج إلى تشغيل كمية إضافة من العبقرية، لأن العرب يمتلكون كتلة هائلة من احتياطي الكراهية، ولن ينتظر اليهودي/ العربي كي يرشقه بالحجارة

من مكان ما تنطلق قهقهات داحس والغبراء، لتستعيد أحد نصوص التلمود لإضاءة المنحى الفلسفي لأبعاده إذ يقول: يجب على كل يهودي أن يبذل كل جهده لمنع تسلّط باقي الأمم في الأرض، حتى يصير الهواء يهودياً؛ التلمود جعل منّا حجارة بشرية، وعلينا تنظيف الانغلاق الذي، يعني لنا شيئاً واحداً هو، الموت في النص، فيما تمضي الأزمنة المعلّبة أن تكون ذلك النوع الآخر من اليهود !

ثمّة تقنية مختلفة تماماً لإعادة تصنيع العربي بإيقاعه التراجيدي، وهو يردّد: آمل أن أخرج من خندقي هذا إلى الأبد وإنني جثة وراء جثة وراء جثة !

لا بدّ إذن أن يحطم العربي أشياء كثيرة، كي يضع على هذا الزجاج اللانهائي.. الحياة التي يريدها.

ما أريده من العربي هو كيفية استبدال الذل والإهانة والتشرذم بكمية من الكوكا كولا والهمبرغر ربما يملأ بطنه أو روحه بأي شيء.. والخطورة أن تغدو حياته ملازمة للضجر، وإنه ينزلق بكل قوته نحو اللامبالاة !

هل الوثنية ضرورية لبقاء الحاكم العربي؟ هذا قبل أن يكون السؤال الأخطر هو نفسه إذا تم تغيير كلمة واحدة، هل الوطنية العربية ضرورية لبقاء الهيكل؟

إنها الضبابية العربية الغامضة التي تمسك بحائط المبكى، وكأنها تمسك بجدائل _ يعرب بن قحطان _ حين كان له قلب من الزجاج !

الدم العربي في طريقه إلى الانقراض، والثقافة العربية تتكدّس على الورق.. واليوم وغداً في المقبرة، وها نحن نضمحل بعدما بات كل شيء ضدّنا، نمارس السباحة في الموت، وكل حديثنا عن الفراغ !

في أي لحظة ما، يتخلّى الحاكم العربي عن شعبه كما يتخلّى عن ملابسه القذرة، في حين لا يعرف أين يذهب رغيف الخبز من أجل الاحتفاظ ببضاعته السوداء لحمايته من المجاعة.

هل من أحد يعرف كيف يعيش هذا الحاكم في هيسترياه المخملية؟ أم السبيل الوحيد للخلاص أن يتصدّع الضحك إرباً إرباً، لمشاهدة الكآبة كيف تترعرع في كافة مدننا الخصيبة.

الكراهية الحديدية تتنامى.. ولا بدّ من وقوع الانفجار.

هكذا كانت صورة اللحظة الأولى.

العودة إلى أيامنا الجميلة عن طريق الخطأ.

مهاجرون

فوق

مهاجرين

ونحن

الجزء المتبقّي من العالم

إننا الحشرات !