Menu

عكّا... حيث يمشي الزمن إلى جانب البحر..

يونس العموري

بوابة الهدف

على الطريق إلى عكا كانت المسافة لا تقاس بالكيلومترات بل بطبقات من الزمن تنكشف طبقة بعد طبقة، كأنهما لا يسيران على إسفلت حديث بل يعبران فوق خرائط قديمة كتبتها الأيدي ثم محتها الحروب وأعاد البحر رسمها بصبر لا ينتهي... كانت هي تمشي إلى جواره كمن تدخل للمرة الأولى معنى المكان لا المكان نفسه، وكأن عينيه لم تكونا مجرد نافذة تطل منها على المدينة بل بوابة تعبر منها إلى تاريخ لم تقرأه من قبل بهذه الطريقة، بهذه الحرارة، بهذا القرب الذي يجعل المدن تشبه القلوب حين تُرى من الداخل...

كلما اقترب الطريق من عكا كان البحر يزداد حضورا، لا كخلفية بل ككائن حي يرافق الرحلة ويعرف أنها لا تأتي عبثا... قال لها بصوت هادئ كمن يستدعي ذاكرة بعيدة أن عكا ليست مدينة ولدت مرة واحدة، بل مدينة ولدت مرات كثيرة، كل حضارة مرت عليها ظنت أنها تملكها ثم تركت عليها طبقتها... قال .. إن الفينيقيين حين اقتربوا من هذا الساحل رأوا فيه فرصة للبحر والتجارة، فكانوا أول من وضع حجر الأساس لفكرة المدينة الساحلية التي تتكئ على الموج وتفتح ذراعيها للبحر.. ثم جاءت العصور الرومانية والبيزنطية، فتركت فيها نظامها وأسوارها الأولى، قبل أن تتحول لاحقا إلى مدينة تتغير مع كل موجة غزو وكل فكرة إمبراطورية تعبر المتوسط...

كانت تستمع إليه وكأنها لا تسمع تاريخا بل تسمع تشكّل مدينة إنسانية لا تهدأ، مدينة تعيد تعريف نفسها كل مرة دون أن تفقد جوهرها... وحين اقتربا أكثر قال لها إن عكا في زمن الحروب الصليبية لم تكن مجرد ميناء بل كانت مفترق العالم، منها يدخل الغرب إلى الشرق ومنها يعود الشرق ليواجه الغرب على ارض صغيرة لا تتسع لكل هذا الصراع لكنها تحملته... وهناك تشكلت أسوارها الكبرى وقلعتها التي صارت لاحقا قلبها الصلب، قبل أن يأتي أحمد الجزار .. ويعيد بناء المدينة كجسد محصن، فيجعل من القلعة مركزا للقرار ومن الأسوار درعا لا يخترق بسهولة، ومن جامع الجزار قلبا روحيا يعلو فوق البحر كأنه عين تراقب التاريخ ولا تنام...

حين ظهرت عكا أمامها أخيرا، لم تكن مدينة بل كانت ذاكرة مادية واقفة بين البحر والسماء. الأسوار الحجرية بدت كأنها خرجت من حلم قديم ولم تعد إلى النوم بعد... كانت ترى في ملامحها شيئا من التعب وشيئا من الكبرياء، كأن المدينة تعرف أنها مرت بكل شيء ولم تنكسر.. أمسكت يده أكثر، لا خوفا بل كأنها تحتاجه ليترجم لها ما تراه، ليكون هو اللغة بين عينيها وبين هذا التاريخ الذي يقترب منها للمرة الأولى...

دخلوا من جهة الباب القديم، فكانت الأزقة تستقبلهم كأنها تعرف الزائرين الجدد لكنها لا تمنحهم نفسها بسهولة... الأسواق القديمة كانت تنبض بصوت آخر، صوت لا يشبه الحاضر تماما ولا ينتمي بالكامل إلى الماضي، بل هو خليط من خطوات التجار وأصوات الباعة ورائحة التوابل والقهوة والبحر الذي يتسلل من الشقوق... كانت تمشي إلى جواره وهي تنظر بدهشة خفية، كأنها ترى مدينة لا تشبه يافا ولا حيفا، بل تشبه شيئا أكثر كثافة، أكثر صلابة، كأنها مدينة صنعت من ذاكرة مركبة لا تنتهي...

قال لها وهو يشير إلى الأزقة الضيقة أن هذه الطرقات رأت كل شيء، رأت الجيوش وهي تمر، ورأت القوافل، ورأت الصيادين حين يعودون بصمت البحر على أكتافهم... وهنا أيضا مر البريطانيون في زمن الانتداب، وحاولوا أن يحولوا المدينة إلى نقطة سيطرة، لكن عكا لم تكن سهلة الانقياد... السجن القديم هناك، قال وهو يشير، لم يكن مجرد جدران بل كان شاهدا على مرحلة كاملة من المواجهة، حين امتلأت زنزاناته بالمناضلين الذين رفضوا أن تكون الأرض بلا معنى.

اقتربا من المكان ببطء، وكان الهواء يثقل كلما اقتربا أكثر، كأن الجدران تحتفظ بصوت ما زال عالقا فيها. دخلوا السجن القديم، فشعرت هي أن المكان لا يحتاج إلى شرح، فالجدران تكفي لتقول كل شيء... هنا كانت العتمة أكثر من مجرد غياب ضوء، كانت اختبارا للإرادة، وهنا كانت الخطوات تصطدم بالصمت كأنها تستأذن التاريخ قبل أن تمشي. قال لها إن هذا المكان كان جزءا من ذاكرة المقاومة ضد الاستعمار البريطاني، وأن المدينة لم تكن يوما ساكنة رغم القيود، بل كانت تتحرك في الداخل حتى حين كان الخارج مغلقا...

خرجوا من السجن بصمت ثقيل، لكن الصمت هذه المرة لم يكن فراغا بل امتلاء.. تابعوا السير حتى وصلوا إلى مكان أكثر هدوءا، حيث قبور الشهداء الثلاثة الذين تحولوا إلى رمز في ذاكرة المدينة... وقفوا هناك، وكان الهواء مختلفا، أكثر صفاء وأكثر حزنا في الوقت نفسه. قال لها إن محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير لم يكونوا مجرد أسماء مرت في حدث عابر، بل كانوا لحظة فاصلة في تاريخ المدينة، حين اختارت الأرواح أن تقول لا حتى النهاية. الثلاثاء الأحمر، قال، لم يكن يوما عاديا بل كان علامة على أن عكا تعرف كيف تدفع ثمن كرامتها....

هناك، في حضرة الصمت، صلوا بصمت، ترتيل صلاة خافتة لا تسمعها الأذن بل تشعر بها الروح، كأن الكلمات تنبع من الداخل دون أن تغادر الشفاه، وكأن الدعاء نفسه صار امتدادا للحجر والريح والسماء. كانت يدها ترتجف قليلا وهي تقف، لا من خوف بل من ثقل اللحظة، ومن معنى أن تتحول الأرض إلى ذاكرة مقدسة لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون حية...

كانت تنظر إلى القبور بصمت طويل، ثم إلى وجهه، وكأنها ترى عبره المعنى الكامل لما تسمعه. شعرت أن المدينة لا تُفهم فقط من حجارتها بل من هذا النوع من القصص التي تجعل الحجر حيا، وتجعل الموت جزءا من استمرار الحياة في الذاكرة. أحست أن قلبها يقترب من شيء لا تعرف تسميته، مزيج من الحزن والدهشة والانتماء المؤقت...

وقبل أن يهبط المساء تمامًا، قادها إلى مطعم صغير يطل على الميناء القديم، حيث كانت القوارب تتمايل بخفة كأنها تستجيب لإيقاع لا يسمعه إلا البحر... جلسا إلى طاولة قريبة من الماء، ووُضع أمامهما سمك طازج اصطيد في الصباح نفسه ... كانت رائحة الملح تمتزج برائحة الفحم التوابل، فيما كانت النوارس تحوم فوق المراكب العائدة ببطء إلى مراسيها. ..

قالت وهي تنظر إلى الأفق حيث يذوب الضوء الأخير في صفحة الماء.. أشعر أن المدن تشبه الناس... بعضها تعرفه من اللقاء الأول، وبعضها يحتاج عمراً كاملاً كي يفصح عن نفسه... ابتسم وهو يرفع نظره نحو الأسوار البعيدة وقال.. وعكّا من أي النوعين..؟ تأملت قليلاً قبل أن تجيب.. عكّا لا تفصح عن نفسها أبداً... هي فقط تمنحك جزءاً منها في كل مرة، ثم تجعلك تعود لتبحث عن البقية ... سكتا بعد ذلك، لكن الصمت بينهما لم يكن صمت غريبين، بل صمت شخصين يتشاركان المشهد نفسه والمعنى نفسه... كان البحر أمامهما واسعاً ومفتوحاً، فيما كانت المدينة خلفهما متماسكة كأنها تحرس أسرارها... وللحظة قصيرة شعرت أن عكّا كلها معلقة بين هذين العالمين، بين بحر لا يحتفظ بشيء لنفسه، ومدينة تحفظ كل شيء في ذاكرتها... وحين انتهيا من الطعام، وضع نسيم المساء برودته الخفيفة على الوجوه والحجارة معاً، فنهضا وتابعا السير نحو الأسوار، وكأن البحر قد أهداهما استراحة صغيرة قبل أن يعودا إلى بقية الحكاية...

واصلوا السير نحو الأسواق مرة أخرى، وكان الليل قد بدأ يهبط على المدينة ببطء. الأضواء القديمة في الأزقة جعلت الحجر يبدو أكثر عمقا، وكأن المدينة تعود إلى طبقة أخرى من وجودها. كانت تلمس الجدران أحيانا دون أن تنتبه، كأنها تريد أن تتأكد أن ما تراه حقيقي وليس حلما يرويه لها. كان هو ينظر إليها وهو يشرح، لكنها كانت تشعر أنه لم يعد يشرح فقط، بل يشاركها التجربة، كأنه يعيد اكتشاف عكا من خلال عينيها هي...

حين خرجوا إلى الأسوار المطلة على البحر، كانت المدينة قد تحولت إلى مشهد كامل لا يمكن اختصاره. القلعة القديمة كانت تقف هناك كأنها حارس الزمن، لم تهزها الحروب ولا تغيرت ملامحها رغم مرور القرون. قال لها إن هذه القلعة وقفت أمام نابليون حين جاء بحملته، فظن أن الطريق إليها سيكون قصيرا، لكنه وجد حجرا لا يلين وبحرا لا يهدأ ومدينة تعرف كيف تغلق أبوابها في وجه من يحاول امتلاكها بالقوة.

جلست على السور وهي تنظر إلى البحر، وكان صمتها هذه المرة مختلفا، صمتا ممتلئا بالدهشة. لم تعد ترى عكا كمدينة في الجغرافيا، بل ككائن تاريخي حي، كذاكرة تقاوم النسيان، كحكاية لم تنته بعد. كانت ترى نفسها من خلاله، ليس فقط كزائرة، بل كمن يكتشف جزءا من داخله في مدينة لم تكن تعرف أنها تشبهه بهذا القدر.

قالت له بصوت منخفض إن عكا تبدو لها كامرأة قديمة جميلة، تحمل آثار الزمن لكنها لا تفقد هيبتها، كأنها تعلم أن البقاء بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة... ابتسم ولم يجب، لكنه نظر إلى البحر كأنه يوافق على ما لم يقل... ومع امتداد الليل، كانت المدينة كلها تبدو كأنها تتنفس ببطء. الأسوار، القلعة، الأزقة، السجن، القبور، البحر، كلها تتداخل في مشهد واحد، كأن عكا ليست مدينة بل طبقات متراكبة من الصمود. كانت تجلس إلى جواره وهي تشعر أن هذه الزيارة الأولى ليست بداية معرفة مدينة فقط، بل بداية علاقة أخرى بين قلبها وبين المكان، علاقة لا تشبه الزيارة بل تشبه الانتماء المؤقت الذي يترك أثرا دائما...

وفي تلك اللحظة، حين صمتت المدينة كلها إلا من صوت البحر، فهمت أن عكا لا تُرى مرة واحدة، بل تُرى كل مرة بشكل مختلف، وأن من يدخلها لا يخرج منها كما دخل، حتى لو غادر أسوارها جسدا، تبقى هي داخله كحكاية لا تنتهي...