Menu

تداعيات تعاظم دور التيار القومي الديني الصهيوني على فلسطين والإقليم !

محمد صوان

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

في ثلاثينيات القرن الماضي , شارك بن غوريون في لقاء أكاديمي نظمته جمعية سياسية تدعى " تحالف السلام " المؤسسة عام 1925 على يد مجموعة من الباحثين اليساريين اليهود .. وفي عام 1930 نشر هؤلاء أطروحتهم لحل " المسألة اليهودية " على شكل أفكار مبعثرة , تعرض أقصر الطرق لإنهاء مأساة اليهود التاريخية , وتحقق الاستقرار والأمن لهم عبر الوفاق مع الفلسطينيين !..

جوهر الفكرة تدعو لجعل فلسطين " دولة ثنائية القومية " تتسع لجميع مواطنيها .. لكن بن غوريون بعد اطلاعه على رأي " تحالف السلام استشاظ غضباً , وخاطبهم قائلاً :" لقد جئنا إلى هنا لا كي نقيم دولة فلسطينية , لكن كي نقيم دولة يهودية "!.. فالذي جاء باليهودي البولوني بن غوريون إلى فلسطين – حسب الموقف المعبّر عنه أعلاه - هو تحويل المسألة اليهودية إلى " مشكلة عربية " كما تصوّرها ونظر لها مؤسسو الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر .. فهذه الدولة هي التجسيد العملي " للحل الصهيوني للمسألة اليهودية " , بهدف تجميع اليهود في " وطن قومي " لا يشاركهم فيه غيرهم , - حتى لو كانوا أصحاب الأرض الأصليين - , لقد تجاوز الواقع اليوم لغة الثقة التي تحدث بها بن غوريون – قبل حوالي مائة عام – عن " المسألة اليهودية " , وأبدية الحل الصهيوني في معركة الإرادات .. لذلك سيكون من المهم محاكمة مآلات " المسألة اليهودية " في ضوء التحولات الكبرى الجارية في فلسطين المحتلة , ومؤداها أن هذا الحل الصهيوني يعيش مأزقاً وجودياً منذ نكبة عام 1948 , ووجود " الحل الفلسطيني للمشكلة العربية " – حسب قاموس بن غوريون – لطالما استخف " الحل الصهيوني" هذا " بالحل الفلسطيني " لصالح نظرة استعلائية تؤمن بقوة الردع لا بقوة الحق !..

إن إفراط " إسرائيل " بارتكاب جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي .. و تزامن هذا الإفراط مع ثورة التواصل الاجتماعي وجعلت العالم يعيد اكتشاف السردية الحقيقية للنشأة غير الطبيعية لـ " إسرائيل ", كما جعلته يدرك أن الحل الصهيوني مسؤول تاريخياً عن صناعة النكبات المتواصلة للشعب الفلسطيني , وعن الأذى المزمن بالسلم العالمي , بسبب الطبيعة العنصرية الهمجية التي جسدتها " دولة اليهود " عبر سياستها التوسعية الاستيطانية , و فرضها بالقوة على أنقاض الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني , لكن في المقابل أيضاً مكّن هذا الإفراط في الإبادة من إعادة اكتشاف حدود الصلاحية الزمنية لخداع " الحل الصهيوني " الذي روّج وبنى سردية هذا الحل على " مظلمة الهولوكوست " لاستدرار عطف العالم .. لقد تابع العالم بالصوت والصورة المشاهد الحية للهولوكوست الفلسطيني , و تأكد من أنه مصمّم ومنفّذ في إطار شراكة امبريالية غربية صهيونية لاستئصال الكيانية الفلسطينية , واغتيال التطلع المشروع للشعب الفلسطيني لانتزاع استقلاله وحريته , وحقه بالعودة وبناء دولته وتقرير مصيره !..

• " إسرائيل " من الداخل ! :

يسعى التيار القومي الديني الصهيوني الفاشي لتعزيز هيمنته وقدرته على إملاء تصوّراته و منطلقاته الأيديولوجية عبر اختراق " النخبة الصهيونية " , وبفعل خطة " الإصلاحات البنيوية للدولة " .. و يحاجج الباحث اليهودي " ريخلفسكي في كتابه " إسرائيل أو يهود " بأن النفوذ المتعاظم الذي بات يتمتع به تيار الصهيونية الدينية قد جعل حكومة " إسرائيل " الحالية هي " أول حكومة لدولة الشريعة " أو ما يطلق عليه " دولة يهودا "!.

من المبكر الحكم إن كان ما ذهب إليه ريخلفسكي واقعياً .. لكن الدلائل تشير إلى أن الفضاء الاجتماعي الداخلي في " إسرائيل " بدأ بالتأثر بشكل كبير بالمنطلقات اللاهوتية التي يتبناها التيار الصهيوني الديني , وهذا سيفضي إلى تعاظم مظاهر الاستقطاب في " المجتمع الإسرائيلي " و سيزيد من فرص تفجّر صراع هوياتي بين المتدينين والعلمانيين , أو على الأقل سيزيد وتيرة هجرة العلمانيين العكسية بحثاً عن مناخات اجتماعية تنسجم مع توجهاتهم!..

لقد أدت عدة أحداث تاريخية وتحولات اجتماعية و مبادرات ذاتية دوراً مهماً في توفير الظروف التي سمحت بتعاظم دور التيار القومي الديني و مكانته من عملية صنع القرار في " إسرائيل " , لا سيما نتائج عدوان عام 1967 وتنفيذ مخططات وضعتها قيادات هذا التيار لاختراق المؤسسات الرئيسية لا سيما العسكرية والإعلامية والقضائية والثقافية !..

تمثّلت اتجاهات خطاب التيار القومي الديني , بعد عملية طوفان الأقصى بتصوير هذه العملية على أساس أنها " هبة إلهية لتحقيق الخلاص " , وتوفير الظروف أمام ترجّل " المسيح المنتظر " بالإضافة إلى الاحتفاء بالحرب التي أعلنتها " إسرائيل " في أعقاب عملية الطوفان , ضد الشعب الفلسطيني بوصفها " حاملة البشرات والمعجزات البائنة "! كما أضفى الخطاب القومي الديني شرعية دينية على تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة وأراضي عام 1948 المحتلة , بالإضافة إلى أنه قلل من ضرورة " استعادة الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية ", في حال سيؤثر على قدرة " إسرائيل " بتحقيق " النصر " , واستثمر قادة التيار الديني الدعوة إلى إعادة بناء المشروع الاستيطاني على كامل فلسطين التاريخية , والتوسع الجيوسياسي في دول الجوار والطوق !..

على الصعيد العملي تولى جنرالات هذا التيار مهمة تخطيط وتنفيذ حرب الإبادة في قطاع غزة والضفة الغربية , وبضمن ذلك تهجير المواطنين الفلسطينيين , وتدمير منازلهم , و هندسة سياسة الحصار والتجويع كأداة لتركيع الشعب !.. كما قام جنود من منتسبي هذا التيار بعمليات التعذيب والاغتصاب التي تعرض لها أسرى فلسطينيون في سجن " سديه تيمان " في النقب المحتل , حيث حظيت هذه الجريمة بدعم وزراء و نواب التيار نفسه الذين رفضوا أن تتم مساءلة هؤلاء الجنود ومحاسبتهم !.

إضافة لكل ذلك باتت ظروف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أكثر مأساوية بناءً على تعليمات ما يسمى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي تمكن من تمرير" قانون إعدام الأسرى دون حق الاستئناف " في الكنيست !. كما استغل التيار القومي الديني عملية طوفان الأقصى في تكثيف جهوده لتهويد كامل الضفة الغربية , عبر التوسع في بناء المستوطنات و توفير الأدوات " القانونية " والتنظيمية لتسهيل ضمها إلى " إسرائيل " عبر قرارات الثلاثي الفاشي : نتنياهو و بن غفير وسموترتش , المتضمنة تغيير الواقع على الأرض في المسجد الأقصى , من خلال سن تشريع يسمح للمؤسسة الدينية اليهودية بالمشاركة في إدارته , و تشجيع المستوطنين على مواصلة اقتحامه !. ولعب ممثلو هذا التيار دوراً في إحداث تحوّل على مبادئ ما يسمى " استراتيجية الأمن القومي " بعد عملية طوفان الأقصى , حيث باتت " إسرائيل " تستعيض عن " الردع " - كمبدأ ضامن لمنحها فترات من الهدوء – بديمومة المواجهة والحرب !..

• التوجهات المستقبلية :-

من المتوقع أن يعمل التيار القومي الديني على استئناف الحرب على إيران ولبنان وسورية, و تحديداً على قطاع غزة والضفة الغربية لضمان مواصلة احتلال أكثر من نصف مساحة القطاع وكامل أراضي الضفة الغربية , وإعاقة محاولة إعمار القطاع من منطلق أن بقاء الأوضاع الكارثية في غزة والضفة الغربية سيدفع الكثير من الفلسطينيين إلى مغادرتها !.

و سيعمد هذا التيار إلى توفير كل الظروف والشروط الهادفة إلى مواصلة توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة وغزة والجولان , وربما جنوب لبنان , واتخاذ المزيد من الإجراءات " القانونية " والإدارية التي تمهد لضم " أراضي ومناطق واسعة إلى ما يسمى " إسرائيل الكبرى " , ومن المتوقع أن تعمد حكومة نتنياهو بن غفير سموترتش , بتأثير من التيار القومي الديني إلى تكريس " التقاسم الزماني والمكاني " بين اليهود والمسلمين في المسجد الأقصى بالإضافة إلى عدم استبعاد أن يقدم بعض منتسبي هذا التيار على تدمير المسجد الأقصى !.

أما على صعيد مستقبل العلاقة مع العالمين العربي والإسلامي , يتوقع أن يقلص تعاظم تأثير هذا التيار فرض التطبيع بين " إسرائيل " والمزيد من الدول العربية والإسلامية , بسبب طابع الخطاب الديني التلمودي الفاشي والسياسات التي تتبناها حكومة تل أبيب , بالإضافة إلى أن " إسرائيل " ستكون أكثر ميلاً لاستخدام القوة غير المتناظرة في جهدها العدواني الحربي ضد الأطراف العربية والإسلامية التي هي في حالة صراع معها !..