لم تكن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني في الخامس عشر من أيار عام 1948 قضية احتلال أرض فقط، بل كانت عملية اقتلاع للإنسان من جذوره ومن بيته ووطنه وذاكرته، ومن حقه الطبيعي في الحياة على أرضه بحرية وكرامة، وحتى يومنا هذا ما زال جرح النكبة مفتوحاً على ما حصل من تهجير قسري ومن تداعيات قاسية ومستمرة بسبب النكبة التي لم تكن مجرد خسارة للأرض، وإنما هي مأساة إنسانية كبيرة وجدت منذ أن فقد الفلسطينيون أرضهم وممتلكاتهم وتشتت عائلاتهم لتبدأ معاناة اللجوء والقهر والحرمان، وكما قال الأديب الشهيد غسان كنفاني : دخلنا عصراً إلى صيدا فأصبحنا لاجئين.
في حزيران عام 1967 حصلت النكسة لتضاعف الألم وتكشف حجم هشاشة الوضع العربي، فاحتلت بشكل كامل مدينة القدس عاصمة فلسطين إضافة لمساحات واسعة من الأراضي العربية، ليبدأ فصل جديد من الظلم والمعاناة في حياة الفلسطينيين جراء استمرار التهجير القسري وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والمحاولات الصهيونية لتغيير الهوية والتاريخ.
كان من أخطر نتائج النكسة استكمال احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس الأمر الذي جعل المدينة المقدسة في قلب الصراع، وبعد مرور عقود على النكبة والنكسة وما حصل لاحقاً من خيبات وتآمر وصمت وخذلان من قبل معظم النظام الرسمي العربي ومن عالم معظم حكوماته تكتفي (بالفرجة) على المجازر والإبادة الجماعية واستمرار العدوان وعمليات التهويد والاستيطان التي تستهدف الأرض وطرد السكان خاصة في مدينة القدس التي رغم النكبة والنكسة وجرائم المستوطنين وجيش الاحتلال، لم تنكسر وما زالت مآذنها وأجراس كنائسها تقاوم وتروي حكايات صمود أهلها الذين يؤكدون بأن مدينتهم التي تحتضن الأديان والحضارات، ليست حجارة فقط بل روحاً لا تموت، وهي اليوم لا تطلب المستحيل منا جميعاً بل أن لا تترك وحيدة في معركة الوجود والهوية بمواجهة معاول الهدم والاستيطان.
تواجه القدس اليوم أخطر وأصعب التحديات ومن أبرزها:
1- الاستيطان: حيث يعمل الاحتلال على توسيع عمليات الإستيطان وإنشاء المستوطنات حول القدس وداخلها، بهدف تغيير التركيبة السكانية للمدينة.
2- تهويد المدينة: وذلك عبر تغيير المناهج والأسماء للمعالم والشوارع بهدف طمس هدية القدس.
3- هدم البيوت وتهجير السكان: يستمر الاحتلال الإسرائيلي بسياسة هدم البيوت وسحب الهويات وإصدار قرارات الإبعاد بما يهدد وجود الإنسان الفلسطيني في المدينة.
4- العزل والحصار: يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي بمنع الدخول إلى مدينة القدس ومحاصرتها بالحواجز العسكرية والجدار الفاصل الذي أدى إلى عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وإضعاف الحياة الإقتصادية والإجتماعية فيها.
5- الإعتداءات والإقتحامات: تتكرر وتتكثف الإقتحامات التي تهدف إلى التقسيم المكاني والزماني لمدينة القدس والمسجد الأقصى، في محاولة لفرض واقع جديد في المدينة من قبل الجماعات اليمنية المتطرفة المدعومة من قبل حكومة الاحتلال والجيش، وأكثر عمليات الاقتحام خطورة هي التي تقام خلال إحياء الشعب الفلسطيني لذكرى النكبة والنكسة، حيث يقوم المستوطنون ومعهم وزراء في الحكومة وأعضاء في الكنيست بعمليات اقتحام تترافق مع إطلاق الشعارات والممارسات المتسفزة ضد المدينة وأهلها ومقدساتها، وبدل أن يمنعهم جيش الاحتلال يقوم باتخاذ إجراءات مشددة بحق السكان الفلسطينيين من أبناء القدس، وتشمل هذه الإجراءات إغلاق الطرق وتقييد حركة المصلين واعتقال الشبان والتضييق على الأهالي والتجار، بما يؤدي إلى زيادة معاناة المقدسين الذين يعيشون أصلاً تحت التهديد وتحت ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية متواصلة، وهنا يجب أن تحضر القدس بصفتها إمتحان للضمير وليس فقط قضية تحرر وطني.
إن النكبة والنكسة وأخواتها ليسوا مجرد أحداث تاريخية فحسب، بل هم جرح نازف ما زال حاضراً في الذاكرة والميدان حيث ترفع رايات العودة والصبر والصمود مع راية القدس العالية بما تمثله من رمز للهوية وصلابة الانتماء الذي يحمله أهل المدينة رغم كل ما يواجهونه من مخاطر وتحديات، خاصة على صعيد محاولات طمس وتغيير الصورة الحقيقية الراسخة للمدينة في العقول والقلوب على مر الزمان.
ولما كان من واجب العالم الحر العمل على دعم حرية القدس وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال، فإن هذه الواجب يستدعي من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية المزيد من التمسك بخيار المقاومة، مع التأكيد بأن الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة يمارس فعل الصمود والمقاومة كزيتونة ضاربة جذورها في التاريخ، لا تقتلعها الرياح ولا تكسرها السنون، والمطلوب اليوم إستناداً لاحتمالات حصول تصعيد كبير في القدس والضفة وقطاع غزة، أن تكون القدس التي تحتاج إلى الوحدة الوطنية ودعم إرادة الصمود وفعل المقاومة أولوية أولى على جدول أعمال الجميع، والقدس بما تحمله من قداسة المبنى والمعنى، يستدعي الواجب تجاهها أولاً وأخيراً أن لا تترك وحيدة، فهي القلب وإذا تعب القلب تعب كل الوطن وكل الوطن فلسطين.

