Menu

لقاء الهدف مع القاص الأديب الفلسطيني رسلان عودة: فلسطين هي قضية كل مثقف مشتبك

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

هو قارئ جيد ذو مخزون ثقافي عميق وعندما اختمرت أفكاره كتب بعيدا عن الشعر والخواطر المبعثرة، إذ جذبه فن القصة القصيرة وهو الأقرب إلى ذائقته وحساسيته دهشة وبناء، إنه القاص والأديب رسلان عودة الذي التقته الهدف للحديث عن إبداعه وخصوصية فن القصة لديه .

عودة إلى البدايات الأولى

من هو الأديب رسلان عودة؟

أنا إنسان بسيط، حلمتُ بالكثير وحققت القليل، تزوجت ورزقت بأولاد، في البداية علمتُ عاماً دراسياً واحداً بعد حصولي على شهادة أهلية التعليم الابتدائي (صف خاص) ثم بدلتُ بوصلة توجهي لأكون قريباً من فلسطين، انتسبتُ إلى الكلية الحربية باختصاص دفاع جوي في الجيش العربي السوري. بعد تخرجي من الكلية تدرجت بالرتبة والمسؤولية، التحقت بالأكاديمية العسكرية العليا وتخرجت منها بشهادة ماجستير علوم عسكرية برتبة مقدم ركن، وكنتُ أشغل منصب قائد كتيبة دفاع جوي (شيلكا وصواريخ إيكلا وكوبرا).. لكن حلمي انكسر في منتصف الطريق فقد سُرحتُ بالرتبة ذاتها. أمضيتُ جلَّ خدمتي العسكرية في لبنان، وخضت جميع الحروب والاشتباكات مع العدو الصهيوني من عام 1976 حتى عام تسريحي 1996م.

كنتُ أرى وجودي في الجيش ضرورة وليست ميزة، فالضابط برأيي هو فارس بالفكرة والسلوك، وليس موظفاً عادياً في مؤسسة ما.

كيف بدأت حياتك الأدبية، وما هو الدافع الذي جعلك تسلك هذا الطريق؟

الأدب قبل كل شيء هو موهبة زرعها الله في الإنسان.. إما أن ننميها ونصقلها وإما أن تذوب في مشاغل الحياة. كنت منذ صغري ألجأ إلى الشعر اللا موزون، وإلى كتابة الخواطر وما يجيش في نفسي من هموم وأحلام.. الحب و فلسطين كانا هاجسي الأول.

أنا قارئ جيد. نحن جيل قرأ أمهات الكتب وأبنائها في المجال السياسي والثقافي والأدبي، وحتى الفلسفة، تخيلي، طالب صف تاسع يقرأ لكولن ولسون وسارتر، ورأس المال لماركس، وهيكل، والأدب الروسي، وكنت شغوفاً بكتب التاريخ الإنساني بقصص حروبه وويلات قادته وملوكه.. كنا مجموعة أولاد في حارة المغاربة، بمخيم اليرموك نجتمع في يوم محدد لنستعرض كتاباً، أو يقرأ أحدنا قصيدة ممنوعة..

كان الفضل الأول لحصولنا على أغلب الكتب القيمة يعود إلى مكتبات فصائل المقاومة الفلسطينية، من اليمين إلى اليسار. ومما زاد في مخزوني الثقافي هي العلوم التي تلقيتها، والتجارب التي عشتها بحلوها ومرها، في حياتي العسكرية والمدنية، وكثيراً ما مشيت والموت يمشي إلى جانبي عبر رصاصة أو قذيفة.. وهذا ما سكبتُ بعضاً منه في قصصي التي كتبتها.

الكلمة طلقة وعي:

كيف تعرفت على فن القصة القصيرة؟

أما كيف انتقلت من الشعر والخواطر المبعثرة إلى القصة القصيرة، والدتي تعلمت في مدرسة (اللاييك) بمدينة اللاذقية وأظنها حصلت على (السرتفيكا).. كنا ننام على حكايات الزير سالم، عنترة بن شداد، سيف بن ذي يزن، سيرة بني هلال، الشاطر حسن، وغيرها من الحكايات.. والغريب في الأمر أنها كانت تحفظها عن ظهر قلب نثراً وشعراً.. ربما هذا ما أيقظ وأنار موهبة القص عندي!.. كان هذا بعد إنهاء خدمتي في الجيش.. بمعنى آخر الكلمة طلقة لا يقل تأثيرها عن طلقة البندقية.

في يوم حار على باب بناء المحاربين القدماء وفي داخله، حدث معي طارئ اشتعل في نفسي فكتبته قصة عنوانها "ناقص ليرة"، وعند عرضها أخذت صدى عجيباً، فما كان من أحد أصدقائي وهو المرحوم أحمد سرساوي - وله باع طويل بين الكتاب والقاصين - أن سألني باندهاش: من قال إنك تكتب قصة لأول مرة؟ أجبته: لا يوجد مرة أولى ولا أخيرة، فأنا لم آت من فراغ يا أستاذ. وقد أجبت غيره ذات مرة في ندوة عن فن القصة القصيرة: اختمرتُ فكتبت.

وهنا لزاماً عليَّ أن أذكر فضل ابن أخي وصديقي الدكتور ثائر عوده، فقد لازمته أثناء تحضيره لنيل شهادة الماجستير في النقد الأدبي لغالب هلسا، اطلعت على مدارس النقد تحليلاً وتفكيكاً، يقرأ وأقرأ، نتحاور، هو يدون استنتاجاته، وقد حصل على درجة امتياز، وأنا اكتسبت الخبرة والانضباط النصي..

اطلاعي على القصص ليوسف إدريس وتشيخوف يصبح للإنسان تصور كيف يتجاوز ما قرأ، وفي مرحلة متأخرة - 2007 - الدكتور غسان غنيم أخذ مني قصة بعنوان (لوسي) وضعها في منهاج وأصول البحث في كتاب الأدب العربي للسنة الأولى كنموذج.

أنا بطيء الإنتاج، كثير السؤال عن الجدوى والثيمة.. لأنني لا أستطيع أن أكتب نصاً إذا لم يدهشني بموضوعه وفكرته وبنهاية صادمة تترك أثراً عند القارئ.. حاولت ذلك كثيراً ولا أدري إن كنتُ قد حققت ما أدعيه.

ما هي أولى مجموعاتك القصصية، وما هي أصداؤها؟

كتبت مجموعتي القصصية الأولى وهي بعنوان (الدوسر) نالت الجائزة الأولى في مسابقة المزرعة على مستوى ال قطر العربي السوري عام 2005 ثم صدرت أحرف العلة وعلل أخرى عام 2016، حالياً أعمل على طباعة مجموعة قصصية ثالثة بعنوان (طنين)

ما هو مفهومك للقصة القصيرة، بوصفها فنا متفردا ؟

أعتقد أنني حققتُ إلى حد ما حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي.. لا يوجد مفهوم ثابت ونهائي للقصة القصيرة، كما قال أحدهم هي بعدد القاصين الذين أبدعوا في كتابتها.. أما كيف أراها، أقول بعيداً عن التنظير: ربما هي التخطي والقفز عن المألوف، أن يقدم القاص شيئاً جديداً، وليس من السهولة أن نجد فنية القصة القصيرة بمتوالية عددية أو هندسية!؟ فالإبداع أن تجعل الواقع في حالة اشتباك دائم مع الخيال.. يترك للقارئ فراغات تحت الكلام وفوق المعاني.. القصة القصيرة ربما ليست دفقة شعر نقبض عليها في اللحظة ذاتها، ثم نتمم البناء على جدار واحد طولاً وعرضاً.. القصة القصيرة مساحة ضيقة لكنها واسعة الرؤية والرؤى.. لغة مكثفة وبناء فني يتناسب مع موضوعها، فالقصة تأتي بأدواتها معها لغة وبناءً

ما هي رؤيتك للمشهد القصصي الفلسطيني اليوم في ضوء التحديات المختلفة؟

المشهد القصصي عموماً كما أطلقتِ عليه هو كغيره من المشاهد في مراحل التاريخ الحديث كافة، فهناك الغث والسمين، كُتاب أبدعوا، وكُتاب استسهلوا الكتابة فظن الواحد منهم أن القصة القصيرة حكاية يسردها بلغة إخبارية أمينة للواقع، فيقع في مطب السرد البسيط الحيادي، فلا بؤرة توتر ولا دهشة، لا كسر زمن ولا كسر توقع.. وإذا ما سئل: كيف ذاك؟ يجيب هذا ما حدث. مثل هذا الأدب لا ينتمي لهوية بعينها حتى ولو كانت فلسطين أو بلده أو قضيته في سطور ما كتب.

القصة الفلسطينية! ولا أدري إن كان هذا المصطلح يعني فقط كُتاب القصة الفلسطينيين!؟ يا سيدتي، كل من كتب عن فلسطين ولفلسطين شعراً، نثراً، قصة قصيرة، رواية، هو أدب فلسطيني بغض النظر عن جنسية كاتبه. فلسطين هي قضية كل مثقف مشتبك، وما زلنا نحفظ وصية الشهيد غسان كنفاني : لا تمتْ قبل أن تكون نداً.. الأدب الفلسطيني (رواية، شعر، قصة) ليس وجهة نظر للكاتب.

هل ترى القصة القصيرة في الصدارة أم تراجعت لصالح الرواية؟

لا أرى جنساً أدبياً في الصدارة وآخر في الأطراف، سواء العلوية أم السفلية. النص الأدبي ذاته يفرض مكانته، وعلى الأغلب إلى حين. أما التراجع في جنس أدبي، لا يكون لصالح جنس آخر، فعلَّة تراجعه منه وفيه، وبالتالي لا يكون الجنس الأدبي قوياً بضعف الآخر.

ربما فضاء الرواية أوسع، مكاناً وزماناً وشخوصاً، فهي تجمع بين دفتيها تفاصيل الحياة كلها، فهي أشبه بثمرة رمان كبيرة بحجم كف اليد، وإذا ما فتقتها ترى فيها عشرات الجدران والبيوت، وبين كل جدارين تحيا آلاف الحبات. أما القصة القصيرة، فهي حبة أو بضع حبات تتآلف أو تتصارع في ومضة حياة. (هذه وجهة نظر وليست تنظيراً).

بماذا تنصح الجيل الجديد الذي يكتب القصة؟

أنصحه كما نصحت نفسي يوماً: أنني لم أكتب بعد النص الذي يرضي طموحي. أقول للجيل الواعد: لا يَغُرَّنَّكم مديح، ولا يُحبط عزيمتكم ذمٌّ لنص كتبتموه.