Menu

فرصة جهود الوساطة في الحرب الأمريكية - الإيرانية

د. محمد عياش

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

تتمحور إشكالية التوصل إلى اتفاق أميركي - إيراني حول معضلة "هرمز مقابل التهدئة"، حيث تتصادم المطالب الأميركية الجذرية - المتمثلة في التخلي عن تخصيب اليورانيوم عالي المستوى، وفتح المضيق، ووقف التصعيد - مع التمسك الإيراني بالخطوط الحمراء السيادية، وتأمين ضمانات تمنع الحصار، مما يعقد فرص التسوية رغم الوساطة الباكستانية.

إذ؛ تلعب الوساطات الدبلوماسية وإدارات الأزمات دوراً محورياً في لجم التصعيد واحتواء التوترات. تهدف هذه الجهود بشكل مباشر إلى منع الانزلاق نحو حرب شاملة عبر خلق مساحات للحوار، وتثبيت قواعد اشتباك تمنع خروج الصراعات عن السيطرة. تتجلى أهمية الوساطات في منع الحروب وآثارها الاستراتيجية من خلال عدة محاور رئيسية: ضبط إيقاع التصعيد (الحرب المضبوطة) منع الانفجار الشامل: تتدخل الأطراف الوسيطة لخلق "خطوط حمراء" تضمن بقاء الصراعات ضمن أطر مضبوطة، وتمنع تطور المناوشات إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. استعراض القوة كأداة سياسية: تستخدم الأطراف أحياناً "العمل على حافة الحرب" لتحسين شروط التفاوض، وهنا يأتي دور الوسطاء في تحويل هذا الاستعراض من صدام مدمر إلى تسويات سياسية. حماية المصالح الحيوية والاقتصادية تأمين الممرات الحيوية: غالباً ما تكون محاولات منع الانزلاق مدفوعة بحماية الملاحة الدولية (مثل مضيق هرمز وباب المندب) وشبكات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية من الانهيار. تجنب الكلفة الإنسانية والاقتصادية: تُدرك القوى الدولية والإقليمية أن كلفة الحرب باهظة جداً ولا يمكن تحمل تبعاتها، مما يعطي الوساطة زخماً كبيراً كضرورة استراتيجية. آليات عمل الوساطة لمنع الانزلاق فتح قنوات اتصال خلفية؛ تقريب وجهات النظر المتباعدة وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة رغم استمرار التوترات. إرساء هدن مؤقتة: العمل على تثبيت وقف إطلاق نار أو اتفاقات جزئية لتهيئة المناخ الدبلوماسي. طرح الضمانات: تقديم ضمانات متبادلة لحفظ ماء وجه الأطراف المتنازعة ومنع تصاعد الخطابات.

برز من الجانب الباكستاني، المشير عاصم منير وجولاته المكوكية من إسلام أباد إلى طهران، ضابط عسكري يشغل حاليًا منصب رئيس الأركان الحادي عشر للجيش الباكستاني، حيث وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ «الجنرال المفضل»، وتقع أغلب الجهود التفاوضية ونقل الرسائل بين الطرفين على عاتقه، فهو يتفهم حاجات ورغبات الطرفين، وبدروه ساهم بالحفاظ على الهدوء ومنع الانزلاق، وله بصمات خفية ستظهر للعلن مع أي اتفاق قادم، يتصف هذا الجنرال بهدوئه ورزانته وحكمته، يعمل بطريقة سحرية على تصفية الكلمات وإعادة صياغته وفق منظور سياسي براغماتي عالي الدبلوماسية ويكفي قبول الطرفين به كضامن وأمين لحمل الرسائل بينهما.

المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات لعبوا دورا مركزيا بتأجيل الضربة التي كانت مقررة يوم الثلاثاء 19/5/2026 باعتراف الرئيس ترامب؛ فاسحاً المجال للجهود الدبلوماسية لإيجاد الحل المناسب. الباكستان وثقلها النووي الأسيوي وبروزها كدولة قادرة على إثبات نفسها بين مصاف الدول المتطورة، وذلك نتيجة الحرب الخاطفة بينها وبين عدوتها اللدودة الهند وتلقينها درسا في فنون القتال الجوية في عهد زردار شريف عندما تحرشت الهند بباكستان في مايو/ أيار 2025 قام الجيش الباكستاني بتأديب الهند وإسقاط ست طائرات خلال دقائق وتدمير جميع مرابض الصواريخ التي انطلقت منها القذائف الهندية، ما اضطر الجنرالات الهنود أن يفتحوا الخط الأحمر مع باكستان ويطلبوا وقف الحرب فورا فاستجابت باكستان من موقع قوة، لا كما ادعى ترامب بأنه توسط بينهما، وتفوق طياريها الأمر الذي أرغم الولايات المتحدة لإيقاف الحرب ولم تخف الإعجاب بالطيارين الباكستانيين وقدرتهم الجوية الهائلة.

الدول الخليجية الثلاث، الرياض، أبو ظبي، الدوحة ووزنهما الاقتصادي بالرغم من تعرضهم للهجمات الإيرانية، إلا أنهم التزموا أقصى حدود الهدوء، ولم ينجروا إلى الحرب الدائرة، لأنهم يعلمون تماما ً أنهم بالتزامهم هذا يحرجون الإيرانيين، وتمسكوا بدور الوساطة التي أتت أكلها كما أسلفت بمنع الحرب الثالثة، وبالتالي فإن على طهران أن تعي تصرفات جيرانها الخليجيين، وأن تركز ضرباتها وصواريخها على الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وعلى البوارج والقواعد الكبيرة التي تحشد فيها اكبر قاذفاتها مثل قاعدة «دييغو غارسيا» في المحيط الهندي .

تنبع جهود الوساطة من حماية المصالح، والتأثير بتداعياتها التي تخرج خارج حدود المعركة فالجغرافية تقول كلمتها من إغلاق الطرق والمضائق التي بدورها تؤثر بالوضع الاقتصادي لكل دولة على حدة، وبالتالي فإن الأخلاق والعادات والتقاليد الدافع الأول، وقراءة الانعكاسات عامل مهم للدخول ضمن آلية التفاوض فالمنطقة أصبحت موئلا للصراعات والنزاعات بسبب غناها بموارد الطاقة ودينامية الطرق والممرات.. فالأفضل التفاوض والجلوس إلى طاولة المفاوضات وطرح الأفكار بشفافية بعيدا عن «التقية السياسية» وتغليب المصالح العامة على الخاصة.

في الحالة الإيرانية ودورها الإقليمي، لا بد من تغيير الأيديولوجية الثورية والنظر إلى المواطن الإيراني والاطلاع على رغباته ومتطلباته؛ إذ بات معظم الإيرانيين يشتكون الوضع الاقتصادي وانهيار العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي بأرقام قياسية خيالية ومعدلات التضخم، فما كان في 47 عاما ً مضت لم يكن نموذجا ناجحا بالرغم من الاختراقات، على العكس تماما كانت دائما بمواجهة الغرب والثقة شبه معدومة، ناهيك عن الشعارات الكبيرة التي تطال الدول العربية المجاورة، والتي لها القسم الأكبر من تدخلات الميليشيات والوكلاء والعملاء... الخ .

كي تنجح جهود الوساطة، لا بد من التغيير الجذري والجوهري بالعقلية الإيرانية، فمبدأ الغرب يعمل بموجب المثل الإنكليزي ومفاده، مجبورين بالتعامل مع البطاطا الساخنة. يعني أن الأمريكيين وإسرائيل ومن ورائهم الغرب لا يرون باستمرار طهران على هذا النهج مصلحة، فالمصلحة الغربية الآن لا مجال للأيدولوجيات في المنطقة، وأعتقد أن الأمريكيين قد حزموا أمرهم بأمرين لا ثالث لهما، اتفاق حسب الشروط الأمريكية، أو التدمير الكامل.

 

الوساطة عمل أخلاقي يدل على سمو ورفعة الدول التي تقوم بهذا الدور، وبالتالي فإن الوساطة ليس ترفاً، بل جهدا مضنيا يقوم على دراسة الكلمات والمعاني بين الطرفين وتذليل العقبات، واختيار المناسب والوصول إلى ما يناسب الأفكار بين الطرفين.. إلا أن هناك عقبات تجرف جهود الوساطة وهي، التعنت والتمترس خلف الشعارات العنترية، وعدم قراءة الإمكانات والمقدرات والأهم من ذلك رغبة الشعب والوقوف عند حاجاته ومتطلباته فالحرب لا يمكن دخولها حتى يعلم المرء كيف يخرج منها، وانبراء الدول للعب دور الوسيط مؤشر على تطورها وتقدمها والاعتراف بها دولياً.

في حين أن إيران لا تزال تحاول الجمع بين منطق الدولة الثورية ومنطق الدولة الطبيعية، وبين الرغبة في الاندماج الإقليمي والدولي والحاجة إلى بناء ردع وجودي يحمي النظام ويضمن استمراره.

لا بد من العاملين في مجال السياسة والعلاقات الدولية، أن لا يغفلوا عناصر مهمة بالوساطة، ألا وهي رغبة طرفي الصراع بالقبول بالطرف الوسيط، واحترام أرائه وافكاره وبالتالي لا يمكن أن ينجح الوسيط إلا برغبة الطرفين، ومن هنا وبالنظر للعوامل الداخلية والاستراتيجيات، يبدو البون شاسع بين الطرفين، طرف يصر على الاستسلام وأقله الخضوع، وطرف يرى بعقلية الدولة الثيوقراطية واستحالة تقديم التنازلات، فالوساطة تنجج في حل إشكالية وخلافات حدودية ممكنة كأرمينيا وأذربيجان ولبنان والكيان الصهيوني.. الخ.

دور باكستان هنا لا تحكمه الحيادية بقدر ما تحكمه الحسابات العملية. إسلام آباد تدخلت لأنها تملك الكثير لتخسره من التصعيد، لكنها أيضاً تملك الكثير لتكسبه من استعادة أهميتها الإقليمية والدولية، خصوصاً في مواجهة النفوذ الهندي المتزايد لدى واشنطن. كما أن الجغرافيا تجعلها شديدة الحساسية تجاه أي حرب أوسع، فهي تشترك في حدود طويلة مع إيران، وتقع قريبة من الخليج بما يكفي لتشعر فوراً بأي صدمة أمنية أو اقتصادية.

 

الجغرافيا وحدها لا تُفسر فاعلية المشير منير. فالرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، وهذه ربما إحدى نقاط قوته. خلفيته العسكرية والاستخباراتية جعلته يتعامل مع الوساطة بطريقة مختلفة، تركز على توقيت الرسائل، وكيفية صياغتها أكثر من التركيز على الاجتماعات الشكلية. وفي أزمة يحكمها انعدام الثقة، قد تصبح طريقة قول الرسالة أهم من مضمونها نفسه.

فرصة وحيدة يمكن من خلالها النفاذ إلى الحل وتجنب الحرب المدمرة، وأعتقد أن هذه الفرصة تقع على عاتق طهران، إذ عليها المراجعة والتقييم واستخلاص العبر والدروس، والقناعة بأن مشروعها فقد العامل الأيكولوجي البيئة – المناخ، ونسف التصورات والأخيلة بتصدير الثورة، والأملاك الإمبراطورية الواجب استعادتها على حساب حقوق الدول المجاورة، والعودة إلى الدولة المدنية ومحو الذهنية الفارسية وتعاملها الفوقي، وترتيب بيتها الداخلي والانطلاق بالمشاريع التي تعود نتائجها على المواطن الإيراني، والأهم من كل ذلك تغيير المناهج التدريسية بشكل جذري وجوهري، والتطلع إلى احترام حقوق الأخرين والأقليات، وبناء دستور واضح يستند على القوانين التي تلبي مطالب المجتمع الإيراني على اختلاف مشاربه وأعراقه.