Menu

تلك الصرخة(*)

أيمن الحسن

نشر في مجلة الهدف العدد (83) (1557)

إلى الكبير خالد أبو خالد

كانت تجمع زميلاتها أمام خريطة فلسطين لتدلَّهنَّ:

  • هذه بيسان التي سمَّاني أبي على اسمها.

تحدِّد موقع المدينة التي أطلق عليها الكنعانيُّون اسم بيت الإله. ثمَّ تردِّد ما حفظته عن ظهر قلب:

  • تقع على بعد 6 كيلو مترات غربيَّ نهر الأردن قريباً من بحيرة طبريَّا.

بعد ذلك تطير بجناحي حلم واعد محلِّقة فوق تلك الحواجز التي تقيِّد جسد الوطن:

  • لقد وعدني بزيارتها في يوم قريب.

وتحلِّق التلميذات معه كما لو أنَّ كلَّ واحدة تزور قريتها هناك، حتَّى أمست هذه الزيارة حديث المدرسة. وصارت التلميذة بيسان بطلة الأمل الموعود.

حين حدَّد لها جدُّها موقع بيتهم فرحت كثيراً، إذ لم تعد طيراً بلا عشٍّ: "إنَّ لي بيتاً مبنيّاً من الحجر هناك". حتَّى إذا ما اشتدَّت الريح في تلك الليلة العاصفة أسندت رأسها إلى الحلم. ثمَّ مدَّت أصابعها ما بين الحجارة حيث المفتاح القديم، لتدخل بيتها، فوجدته- كما وصفه تماماً- كلُّ غرفة من غرفه الواسعة بباب وشبَّاكين.

صباح اليوم التالي حدَّثت جدَّها مطوَّلاً عن زيارتها. ثمَّ طلبت منه أن يُغلق الباب- بالقفل، كما كان- لأنَّها نسيت إغلاقه بسبب غول، أنيابه حادَّة كالسكين، لاحقها طوال الوقت.

ودمعت عينا العجوز على غير المألوف، إذ كان يفرح كلَّما ذكَّره أحدهم ببلدته..

/لقد تناهت إلى أسماعه أنَّ عائلة "شاريت" المهاجرة من مكان ما من العالم سكنت في بيتهم/

لذلك صارت بيسان ترسم بيتها بباب وشباكين- مثل العادة- لكن مع سماء تبكي بغزارة، وهي تتساءل في سرِّها: "كيف تستطيع الطفلة شاريت العيش في بيتنا الحجري بسعادة، وأنا هنا بعيدة عن بيسان؟".

كانت تكبر، ويكبر معها الحلم أن تزورها في يوم قريب دون أن تملَّ السؤال كلَّ حين:

  • كم هي بعيدة من هنا، يا بابا؟

ولأنَّه يتنفَّس هواءها صبحَ مساءَ- فهي أقرب إليه من النبض المتوثِّب في صدره- لكنَّها أبعد عن عينيه من نجمة الصبح- محاصرةً بأسلاك الاحتلال البغيض- ينساح في حرقة:

  • بيسان نافذة للبوح، يا ابنتي. لكنَّ فلسطين هي الحكاية كلُّها.

ويردِّد كلماته الأثيرة: "إمَّا فلسطين، أو فلسطين، أو فلسطين". ثمَّ يحلِّق هو الآخر مع الأمل...

حمام زاجل يستدعي قيامة الوقت.. والوقت عصير انتظار. تحت شجرة البرتقال تترقَّب حبيبها المشرد ما بين البلدان.. ويأخذه الحنين إلى بيت حجريٍّ هناك: "حتَّى لا نظلَّ عراة تحت الشمس، يا حوَّاء".

وإذ تعاود بيسانته أسئلتها يبتسم في غصَّة منهياً الحديث بوعد قاطع أن يصحبها إلى مدينة بيسان..

/لقد أصبحت مدينة بعدما كانت- حين أُجبر على مغادرتها- يوم الثاني عشر من نيسان عام 48 بلدة صغيرة/

*

يوم أمس، وهي تصطفُّ مع زميلاتها في باحة الإعداديَّة الجديدة شردت مسترجعةً صورة الشهيد محمَّد الدرَّة: "لن يصبح طبيب أطفال.. كما تمنَّى منذ صغره.. أو رساماً.. يرسم جدَّته.. وهي تطرِّز العلم الفلسطينيَّ بفراشات حمر وزيتون أخضر.. لن يصبح بنَّاء مثل أبيه الذي يعمل طوال الأسبوع بجدٍّ.. ويوم العطلة يتفقَّد أشجار الزيتون شجرةً شجرة".

حتَّى إذا ما دخلت مدرِّسة العربيَّة الصفَّ سألت طالباتها:

  • بالتأكيد شاهدتنّ كيف قتل الجنود الصهاينة محمَّد الدرَّة؟

أجبن بصوت واحد:

  • نعم، يا آنسة.

وقد تناهت إلى أسماع كلٍّ منهنَّ تلك الصرخة الموجعة، تشقُّ الصدور:

  • مات الولد.

ثمَّ صمتن في حزن أليم. وتابعت المدرِّسة حصَّة تعبيرها:

  • إذن لتكتب كلُّ واحدة موضوعاً عنه.

خلال الدرس التالي تدعو طالبتها المجتهدة بيسان، كي تقرأ ما كتبته:

  • لا بدَّ أنَّه موضوع ممتاز.

وتنصت الطالبات في إصغاء مرهف...

(.. والآن ينام الولد المسالم من غير أن يسمع نشيد جدِّه الهادر: "عشق الأرض غالي". لقد خرج بصحبة والده دون أن يودِّع أمَّه. لكنَّها دعت له من قلبها:

  • روح الله يحميك.

وأوصته جدَّته أن يحترس من غيلان الطريق، كي يعود إليها سالماً:

  • بدِّي أفرح بعرسك على عين حياتي، يا محمَّد.

لكن عندما أصابته الرصاصات الغادرة أسند رأسه على رجلَي والده معتذراً:

  • بعد إذنك، يا أبي، سوف أنام قليلاً. ثمَّ أعود...)

ومع أنَّها أنهت موضوعها وسط إعجاب زميلاتها وتصفيقهنَّ المتواصل- كأنَّهنَّ يثأرن من العدوِّ القاتل- تسألها المدرِّسة:

  • من ساعدك في كتابته؟
  • أبي، يا آنسة.

فتسرُّ المدرِّسة مجدَّداً من صراحة طالبتها:

  • سوف أجعله يأخذك إلى بيسان.

وتصفِّق الطالبات- من جديد- بحماسة منقطعة النظير هذه المرَّة محلِّقات صوب الحياة حيث قراهنَّ ومدنهنَّ هناك، إلَّا أنَّها تشهق في غصَّة جارحة:

  • ما عدت أريد الذهاب مع أبي.

وذهلت طالبات الصفِّ. واستغربت المدرِّسة بينما ظلَّت تحدس في سرِّها منذ أن شاهدت ذلك المنظر الفظيع على شاشة التلفاز: "ربَّما قتل الجنود محمَّد الدرَّة لأنَّه احتمى خلف أبيه!".

ساد صمت مريع، كأنَّه العزاء. فقامت المدرِّسة باحتضان طالبتها المنتحبة في حنان. وبرقت الدموع في عيني بيسان المتوهِّجتين كالجمر ناظرة إلى خريطة فلسطين المعلَّقة قرب السبورة، فبانت بيسان- مثل شمس الظهيرة- برتقالة توشك على الانفجار.

 

 

 

(*) من مجموعة "شاي" إصدار دار حازم للنشر والطباعة والتوزيع 2003