الدراسة المفصلة التي نشرتها اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي حول انتخابات 2024، والمؤلفة من 192 صفحة تحت عنوان “البناء للفوز… البناء للبقاء”، لم يُمهّد لفوز، ولم يتعلّم درسًا واحدًا. فقد تجنبت الدراسة السؤال الوحيد الذي كان يستحق الإجابة: كيف استطاع رئيس سابق خضع لإجراءات العزل مرتين، ووُجّهت إليه اتهامات جنائية متعددة، من هزيمة مرشح الحزب الديمقراطي، حاصلا على أصواتًا أكثر مما ناله قبل تلك الاتهامات؟
التقرير، الذي أعدّه الاستراتيجي الديمقراطي بول ريفيرا وصدر في مايو/أيار 2026 بعد أشهر من المماطلة من رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن، يُقرأ بوصفه محاولة لتبرئة المؤسسة الحزبية أكثر منه مراجعة سياسية صادقة. إنه أقرب إلى بيان للدفاع عن الحرس القديم من كونه عملية محاسبة تبحث عن أسباب الهزيمة. تدعو الدراسة إلى إعادة التركيز على “وسط أمريكا”، وينتقد تراجع الاستثمار في الأحزاب المحلية، ويلوم ضعف الرسالة الاقتصادية. وكل ذلك صحيح جزئيًا، لكنه لا يفسّر لماذا خسر الحزب كل أمريكا، وليس فقط وسط الولايات المتحدة.
يتباهى التقرير بإجراء أكثر من 1200 مقابلة لتقييم أوضاع الحزب في الولايات والأقاليم والدوائر الانتخابية. غير أن هذا الرقم، مهما بدا ضخمًا، لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية: مع مَن أُجريت هذه المقابلات؟ مع قيادات الحزب أم مع ناخبيه؟ وهل تضمّن التقرير تحليلًا حقيقيًا لسلوك الناخبين في الدوائر المتأرجحة؟ وأين ذهبت أصوات 6.8 مليون أمريكي صوّتوا لبايدن عام 2020 ثم اختفوا في انتخابات 2024؟ ولماذا اختفوا؟
الأكثر دلالة أن التقرير لم يقدّم أي تحليل لانهيار تأييد كامالا هاريس بين الشباب، ولم يحاول فهم التحوّل الذي شهدته الجامعات الأمريكية، حيث أصبحت غزة القضية السياسية الأكثر تأثيرًا في وعي جيل كامل. كم كان عدد هؤلاء الـ6.8 مليون من أبناء الجيل “Z”؟ ولماذا انفضّوا عن الحزب؟
لا يقدّم التقرير جوابًا، ولا يجرؤ حتى على طرح السؤال. والأسوأ أنه لا يذكر، ولو عرضًا، كيف أحاطت ببايدن دائرة ضغط صهيونية وفّرت الغطاء السياسي والعسكري لدولة الكيان بينما كانت تنفّذ إبادة جماعية تُبثّ حيا إلى العالم من غزة.
لم يكن ذلك إغفالًا عابرًا، بل اختيارًا واعيًا. فالجامعات والمدن التي تضم الكتلة الأكبر من الناخبين الشباب كانت الساحة التي بدأ فيها التحالف الديمقراطي يتفكك أمام الجميع. وهناك، على الأرجح، خسر الحزب ولايات حاسمة مثل ميشيغان و ويسكونسن وبنسلفانيا. فالطلاب الذين شاهدوا “بايدن رئيس الإبادة” يزوّد دوله العدوان بالسلاح ويجوع أطفال غزة، لم يعزفوا عن التصويت بدافع اللامبالاة، بل اتخذوا قرارًا سياسيًا وأخلاقيًا بأن الفارق بين المرشحَين يتلاشى عندما يتعلق الأمر بالتواطؤ في جرائم الحرب.
لكن التقرير تصرّف وكأن هذا السؤال لم يوجد أصلًا.
وتعرف الدراسة عادة بما تتجاهله بقدر ما تعرف بما تضمّنه. فقد خلت تمامًا من أي مراجعة جادة لحركة الناخبين ال“غير الملتزمين” (Uncommitted) لأي مرشح و التي شكّلت إحدى أبرز الظواهر السياسية في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2024، حين صوّت ما لا يقل عن 700 ألف ديمقراطي احتجاجًا على سياسة إدارة بايدن تجاه غزة. كانت تلك الحركة إنذارًا مبكرًا وصريحًا بأن الحزب يسير نحو خسارة جزء من قاعدته الانتخابية. ومع ذلك، تجاهل التقرير أسبابها، ولم يقيّم أثرها الانتخابي، ولم يناقش الرسالة التي حملتها. فهو يسأل لماذا خسر الديمقراطيون الانتخابات العامة، لكنه يتجاهل أن مئات آلاف الديمقراطيين حذّروا حزبهم، قبل أشهر من يوم الاقتراع، من أن دعم الحرب الإسرائيلية على غزة ستكون له كلفة سياسية وأخلاقية باهظة. إن أي تقرير يتجاهل أكبر تمرّد داخلي في موسم انتخابي كامل لا يستحق أن يُسمّى دراسة مستقلة، بل هو غطاء للفشل.
وبدلًا من مواجهة الحقيقة، انشغل التقرير بتفاصيل إدارة الحملة: هاريس لم تكن جاهزة، والديمقراطيون افترضوا أن ترامب غير قابل للانتخاب، والحزب أقنع نفسه بأن المنتخب الأمريكي سيختار “أهون الشرّين”. ملاحظات قد تبدو للوهلة الأولى صحيحة، لكنها صيغت بعناية لتفادي القضية الوحيدة التي جعلت أصوات الأمريكيين العرب في ميشيغان تنقسم تقريبًا بالتساوي بين هاريس وترامب، بعدما كانت الأغلبية قد مالت بوضوح إلى بايدن عام 2020.
ويصرّ كتّاب التقرير، شأنهم شأن المؤسسة الديمقراطية، على تبسيط أزمة الحزب مع الشباب باعتبارها فجوة أجيال أو إخفاقًا في الخطاب ووسائل التواصل. وهذا تشخيص مضلل. فالمشكلة ليست بين الشباب وكبار السن، بل بين قيادة حزبية ما تزال أسيرة حسابات الماضي، وقاعدة شعبية ــ وفي مقدمتها الشباب ــ غيّرت موقفها جذريًا من دوله الفصل العنصري.
وجاءت نتائج الانتخابات التمهيدية الديمقراطية الأخيرة لتنسف تشخيص الدراسة بالكامل. فأكثر من 80% من الناخبين الديمقراطيين باتت لديهم نظرة سلبية إلى دولة الاحتلال. هذا ليس رأيًا هامشيًا، ولا تيارًا احتجاجيًا صغيرًا؛ هذا هو المزاج الغالب داخل الحزب. أربعة من كل خمسة ديمقراطيين ينظرون بسلبية إلى “البقرة المقدسة” التي تمتعت لعقود بحصانة سياسية، ومع ذلك لم يرَ التقرير أن هذه الحقيقة تستحق حتى سطرًا واحدًا. وحين تتجاهل دراسة معمقة موقف ثمانين في المئة من القاعدة الحزبية، فإنها لا تبحث عن الحقيقة، بل تعمل على تبييض أسباب الهزيمة.
ولم يكن تغييب غزة مجرد سهو، بل تعتيمًا متعمدًا. فقد طالبت المديرة التنفيذية لـ”مشروع سياسات IMEU” بنشر نتائج، أقرّ بها، بحسب ما نُقل عن مؤلف التقرير نفسه في أحاديث خاصة، ومفادها أن البيانات الداخلية للجنة الوطنية الديمقراطية أظهرت أن دعم بايدن غير المشروط لدولة الكيان ألحق ضررًا انتخابيًا سلبياً بالحزب في انتخابات 2024. تلك النتيجة اختفت من التقرير. لم تُناقش، ولم تُفنّد، بل دُفنت. كما أعلن نائب رئيس اللجنة الوطنية لقياده الحزب السابق ديفيد هوغ أنه قال لريفيرا بوضوح: “علينا أن نعترف بالدور الذي لعبته غزة في خسارتنا للناخبين الشباب.”
وهذا ليس اعتراضًا هامشيًا، بل شهادة صادرة من داخل الدائرة التي شاركت في إعداد التقرير نفسه. وعندما يؤكد المشاركون في الدراسة أن أهم استنتاجاتها حُذف عمدًا، يتحول التقرير من وثيقة مراجعة إلى وثيقة تستر أسباب الهزيمة.
نتائج الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2026 فضحت نتائج الدراسة. فقد أطاح مرشحون رفعوا برامج تعارض السياسة الإسرائيلية صراحةً بعدد من أعضاء الكونغرس الحاليين في نيويورك وكولورادو وغيرهم، رغم أن الذين انهزموا في هذه الانتخابات كانوا يحظون بدعم قيادة الحزب وتمويل من قبل مجموعة “أيباك” الصهيونية. لم تكن تلك حملات احتجاجية رمزية، بل انتصارات انتخابية واضحة لمن رفعوا الشعارات المعادية لدولة الكيان والمدافعين عن الشعب الفلسطيني، وجعلت من دعم “أيباك” من ورقة قوة إلى عبء انتخابي.
هذا و إذا أرادت قيادة الحزب الديمقراطي استعادة ثقة ناخبيها، فعليها أولًا أن تتحرر من سطوة أموال “أيباك” التي تشوّه انتخابات الحزب التمهيدية، وأن تنسجم ثانيا مع مزاج القاعدة الحزبية. وعليها كذلك أن تواجه الحقيقة التي تتهرب منها منذ سنوات: ملايين الأمريكيين لم يعودوا ينظرون إلى السياسة الأمريكية تجاه دولة الفصل العنصري باعتبارها مجرد سياسة خارجية خاطئة، بل باعتبارها شراكة في جرائم حرب.
لقد أخفق التقرير في تشخيص أسباب هزيمة 2024 لأنه اختار خنق الحقيقة بدل مواجهة أسباب الفشل. لذلك فإنه من غير مراجعة صادقة لإخفاقات 2024، ومن دون الاعتراف بأن المرشحين الديمقراطيين الأكثر انتقادًا لإسرائيل هم الذين حققوا أبرز انتصارات الحزب في الانتخابات التمهيدية لعام 2026، فلن يكون هناك طريق واقعي لاستعادة ثقة الناخب الديمقراطي.
إن الدرس الذي ترفض قيادة الحزب الديمقراطي استيعابه بسيط وواضح: عند المحك، الذي يُحسم في صناديق الاقتراع هو عدد الأصوات… لا حجم الأموال الصهيونية.

