Menu

النكسة في الرواية العربية... بين سؤال الهزيمة والوعي

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1557)

تُعدّ نكسة حزيران/ يونيو 1967 من أكثر الأحداث تأثيراً في الأدب العربي المعاصر، إذ شكّلت نقطة تحوّل كبرى في الوعي الثقافي والفكري والأدبي؛ إذ لم تكن النكسة مجرد هزيمة عسكرية أمام الاحتلال الصهيوني، بل مثّلت صدمة حضارية دفعت الأدباء إلى إعادة النظر في المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية التي سادت قبلها؛ ومن هنا ظهر ما يُعرف في النقد العربي بـ " أدب النكسة "، وهو الأدب الذي عبّر عن آثار الهزيمة وأسبابها ونتائجها، وسعى إلى استشراف سبل الخروج منها، إذ أحدثت النكسة تحولاً جذرياً في الخطاب الأدبي العربي، فبعد أن كان الأدب في الخمسينيات وأوائل الستينيات يميل إلى التفاؤل القومي وتمجيد الإنجازات الوطنية، انتقل بعد 1967 إلى فضاء النقد والمساءلة وكشف مواطن الخلل في الواقع العربي.

لم تقتصر آثار النكسة على الشعر، بل امتدت إلى الرواية العربية التي شهدت تغيرات كبيرة في بنيتها ورؤيتها، كما برزت الأسئلة المرتبطة بالهزيمة والمسؤولية والوعي الوطني، فاكتسبت بعد 1967 دلالات جديدة، وتناول كثير من الأعمال الروائية أزمة الإنسان العربي وعلاقته بالسلطة، ومحاولة فهم الأسباب العميقة للهزيمة، والتعبير عن حالة الإحباط والشك التي أعقبت النكسة، مع تركيز واضح على نقد الواقع السياسي والاجتماعي. وأصبحت الرواية فضاءً للنقد والمساءلة وكشف التناقضات، وبرز جيل من الروائيين الذين جعلوا من النكسة محوراً أساسياً في أعمالهم، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الرموز والاستعارات الفنية. وفي هذا السياق ظهرت تجليات النكسة في الرواية العربية عبر مستويات متعددة فنية وفكرية وسياسية، منها انهيار الحلم القومي العربي، إذ كان هذا المشروع قبل 1967 يمثل أفقاً واسعاً للأمل والتغيير، فجاءت النكسة لتحدث صدمة عميقة في الوعي الجمعي، وقد تجلت هذه الصدمة في الرواية العربية من خلال تصوير سقوط الأحلام الكبرى وانهيار الخطابات الأيديولوجية. ومن التجليات الأخرى للنكسة في الرواية العربية الانتقال من الاحتفاء بالدولة الوطنية إلى نقدها، فقد رأى كثير من الروائيين أن الهزيمة لم تكن نتيجة تفوق العدو وحسب، بل كانت نتاجاً للاستبداد السياسي وقمع الحريات وتهميش العقل النقدي. فتحولت الرواية بعد 1967 إلى وثيقة احتجاج ضد الأنظمة التي رفعت شعارات التحرير والوحدة بينما أخفقت في بناء مجتمع ديمقراطي قادر على مواجهة التحديات، كما ظهرت في روايات أخرى شخصيات تعيش حالة من الانكسار النفسي بعد سقوط الشعارات القومية، حيث تحولت البطولة الجماعية إلى شعور بالعجز والاغتراب.

واحتلت شخصية المثقف موقعاً مركزياً في روايات ما بعد النكسة، فقد وجد المثقف نفسه أمام أسئلة محرجة تتعلق بدوره في إنتاج الأوهام أو السكوت عن الأخطاء، كذلك تناولت العديد من الروايات العلاقة الملتبسة بين المثقف والسلطة، وطرحت إشكالية التواطؤ أو العجز عن إحداث التغيير الحقيقي، ولم تتوقف الرواية عند حدود الكارثة، بل سعت إلى الكشف عن الجذور الاجتماعية والثقافية للهزيمة، فظهرت أعمال روائية تربط النكسة بالتخلف الاجتماعي، وانتشار الخرافة، وهيمنة العلاقات التقليدية، وغياب الوعي العلمي. وانطلقت هذه الروايات من فكرة أن الهزيمة العسكرية ليست سوى نتيجة لهزيمة أعمق كامنة في بنية المجتمع. لذلك ركز الروائيون على تحليل مظاهر الفساد والبيروقراطية والجهل والتفاوت الطبقي. كما أعادت النكسة وضع القضية الفلسطينية في مركز الاهتمام الروائي العربي. فبعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967 اتسع حضور الفلسطيني في الرواية العربية بوصفه رمزاً للمقاومة والصمود، وأصبحت فلسطين رمزاً للأزمة العربية كلها، بحيث لم تعد الرواية تتحدث عن الفلسطيني وحده، بل عن المصير العربي المشترك.

لقد ولّدت النكسة شعوراً عاماً بالعبث والقلق الوجودي انعكس في الرواية العربية، وأصبحت الشخصيات الروائية أكثر انشغالاً بأسئلة المصير والمعنى والهوية، ولم يعد الصراع بين الفرد والعدو الخارجي فقط، بل بين الإنسان وذاته أيضاً، وكشف كثير من الروايات عن انتقال الاهتمام من القضايا الجماعية الكبرى إلى التجربة الفردية المأزومة، وهو ما منح الرواية العربية بعداً نفسياً وفلسفياً أعمق، وبالتالي أدت النكسة إلى تغيرات جوهرية في البناء الفني للرواية العربية، إذ شعر الروائيون أن الأشكال التقليدية لم تعد قادرة على التعبير عن حجم الأزمة، فمالوا إلى التجريب واستخدام تقنيات جديدة، ومن أبرز تلك التحولات: تعدد الأصوات السردية، وكسر التسلسل الزمني التقليدي، وتوظيف تيار الوعي والمونولوج الداخلي، والاعتماد على الرمز والأسطورة، وتداخل الواقعي بالمتخيل، واستخدام اللغة الشعرية والكتابة التأملية. وقد ارتبط هذا التطور الفني بالرغبة في التعبير عن تشظي الواقع العربي وانهيار اليقينيات الكبرى.

وإذا أردنا الإشارة إلى تجليات نكسة حزيران في الرواية العربية فإن هناك عدداً من النماذج الروائية التي عالجت النكسة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يمكن تناولها في عجالة، من خلال الحديث عن تلك الروايات التي ظهرت في مصر وبلاد الشام والخليج. ففي مصر يُعد نجيب محفوظ من أبرز الروائيين الذين رصدوا آثار الهزيمة على المجتمع المصري، وخاصة في روايتيه: (ثرثرة فوق النيل) و(ميرامار). ففي الرواية الأولى تبدو الشخصيات غارقة في العبث واللامبالاة، وكأنها صورة رمزية لمجتمع فقد قدرته على الفعل، وعلى الرغم من أن الرواية كُتبت قبل النكسة مباشرة، فإن النقاد رأوا فيها استشرافاً مبكراً لأسباب الهزيمة وما سبقها من تكلس سياسي واجتماعي؛ لذلك تُعد من أهم الروايات المرتبطة بأجواء النكسة؛ إذ تقدم مجموعة من المثقفين الهاربين من الواقع إلى المخدرات والعبث، في إشارة إلى حالة العجز التي أسهمت في وقوع الهزيمة. أما رواية (ميرامار) فعلى الرغم من صدورها قبل النكسة بقليل، فإن النقاد قرؤوها بوصفها تشخيصاً للأزمة التي سبقت الهزيمة؛ لأن الرواية تكشف تناقضات المجتمع المصري وصراع القوى الاجتماعية وفشل النخب في تحقيق مشروع النهضة. وفي هذا السياق يمكن قراءة بعض أعمال صنع الله إبراهيم بوصفها محاولات لتشريح الواقع العربي وكشف آليات الخلل التي قادت إلى الانكسار، فرواية (تلك الرائحة) تمثل صورة الإنسان العربي المقهور بعد الهزيمة، وتكشف آثار القمع السياسي والاجتماعي في مرحلة ما بعد 1967.

لقد كان أثر النكسة في الرواية السورية عميقاً واضحاً، حتى إن كثيراً من النقاد يعدّونها نقطة تحول في مسار السرد السوري الحديث، ومن أبرز تجليات النكسة نقد الخطاب القومي والشعارات السياسية، فقبل النكسة سادت في الرواية السورية نزعة قومية متفائلة تؤمن بالوحدة العربية والتحرير، لكن الهزيمة دفعت الروائيين إلى مراجعة هذه الشعارات وكشف الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع. وتُعد رواية (الزمن الموحش) للكاتب حيدر حيدر من أبرز الروايات التي جسدت آثار النكسة على المثقف العربي، حيث تبرز مشاعر الخيبة والانكسار والبحث عن معنى جديد للحياة والعمل السياسي، وتُجسد حالة الضياع الفكري والقلق الوجودي التي عاشها المثقف العربي بعد الهزيمة، وتظهر الشخصيات في صراع دائم مع الذات ومع الواقع، في محاولة لفهم أسباب الانهيار. وكذلك رواية (المستنقع) لحنا مينه التي عكست التحولات الاجتماعية والنفسية التي أصابت المجتمع العربي بعد النكسة، وكشفت هشاشة البنى السياسية والاجتماعية.

احتلت النكسة مكانة مهمة في الرواية اللبنانية، لكنها تجلت بصورة مختلفة عما نجده في الرواية المصرية أو السورية، فالرواية اللبنانية لم تنشغل بأسباب الهزيمة العسكرية، بل ربطتها بأسئلة الهوية العربية، والتصدعات الاجتماعية والسياسية التي كانت تتفاقم في لبنان نفسه حتى انفجار الحرب الأهلية عام 1975. ومن تجلياتها البارزة: انهيار الحلم القومي العربي، إذ عكست الرواية اللبنانية خيبة الأمل التي أصابت المثقفين العرب بعد سقوط المشروع القومي الذي بشّر بالوحدة والتحرير. وأصبحت الشخصيات الروائية تعيش حالة من الشك تجاه الشعارات السياسية الكبرى. كذلك صعود القضية الفلسطينية بعد النكسة حيث ازداد الحضور الفلسطيني في الرواية اللبنانية بسبب التحولات التي شهدها لبنان ووجود المقاومة الفلسطينية على أراضيه. وأصبحت فلسطين جزءاً أساسياً من السرد الروائي اللبناني. ولم تنسَ تلك الروايات التمهيد للحرب الأهلية اللبنانية، إذ رأى بعض الروائيين أن النكسة كشفت هشاشة الواقع العربي عامة واللبناني خاصة، فظهرت بوادر الانقسام الاجتماعي والطائفي التي ستقود لاحقاً إلى الحرب الأهلية. وتعد رواية (طواحين بيروت) لتوفيق يوسف عواد من أهم الروايات اللبنانية المرتبطة بأجواء ما بعد النكسة، فترصد تحولات المجتمع اللبناني وانهيار الأحلام القومية لدى الشباب العربي، وتكشف حالة القلق والضياع التي أعقبت هزيمة 1967. وكذلك رواية (بيروت 75) لغادة السمان التي تكشف انهيار الأوهام الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، وتصور مدينة بيروت بوصفها فضاءً للأزمات والتناقضات التي تفاقمت بعد النكسة.

اكتسبت نكسة حزيران في الرواية الأردنية خصوصية خاصة؛ لأن الأردن كان طرفاً مباشراً في الحرب، ونتج عن النكسة احتلال الضفة الغربية و القدس الشرقية، وما تبع ذلك من موجات نزوح جديدة للفلسطينيين إلى الضفة الشرقية؛ لذلك تداخلت في الرواية الأردنية موضوعات النكسة والنكبة والمقاومة والهوية الوطنية والقومية، وأصبحت الهزيمة جزءاً من التجربة المعيشة لا مجرد حدث سياسي بعيد. فركزت الروايات الأردنية على الآثار المباشرة لاحتلال الضفة الغربية والقدس، وما ولده ذلك من شعور بالفقد والانكسار والحنين إلى المكان، وبعد النكسة برزت صورة الفدائي والمقاوم في معركة (الكرامة) بوصفه رداً على الهزيمة، وأصبحت الرواية تبحث عن سبل تجاوز الانكسار من خلال الفعل المقاوم. كما أدت التحولات التي أعقبت النكسة إلى طرح أسئلة الهوية والانتماء والعلاقة بين الوطني والقومي، وهو ما انعكس بوضوح في كثير من الروايات الأردنية. وتعد روايتا (الضحك) و(الخماسين) للكاتب (غالب هلسا) من أبرز الأعمال التي كشفت أثر الهزيمة في الوعي العربي وتحولات الفكر القومي واليساري. وجسّدت أزمة المثقف العربي وانهيار اليقينيات السياسية. أما الروائي (مؤنس الرزاز) فيُعد من أهم من تناولوا أزمة المشروع القومي العربي ونتائج الهزيمة على الإنسان العربي، وخاصة في أعماله (أحياء في البحر الميت) و(اعترافات كاتم صوت) فقد برزت فيها آثار الانكسار السياسي والاستبداد وتفكك الأحلام القومية. وعلى الرغم من ارتباط المشروع الروائي للكاتب (إبراهيم نصر الله) أساساً بالنكبة الفلسطينية، فإن كثيراً من رواياته تستحضر آثار نكسة 1967 وما نتج عنها من تحولات تاريخية. ويمكن القول إن الروايات التي تناولت القدس المحتلة والضفة الغربية تمثل جانباً مهماً من السرد الأردني؛ إذ ركزت على التهجير والنزوح، ومصادرة الأراضي، والتحولات الاجتماعية بعد الاحتلال، وصمود الإنسان الفلسطيني.

وإذا كانت الرواية المصرية قد ركزت على نقد أسباب الهزيمة، والرواية السورية واللبنانية على انهيار الحلم القومي، فإن الرواية الأردنية انشغلت أكثر بتداعيات النكسة الميدانية والإنسانية، ولا سيما فقدان الضفة الغربية والقدس، وصعود المقاومة الفلسطينية، وإشكاليات الهوية والانتماء؛ لذلك تبدو النكسة في الرواية الأردنية أقل حضوراً بوصفها "حدثاً عسكرياً" وأكثر حضوراً بوصفها تجربة وجودية ووطنية مستمرة ترتبط بالأرض والاحتلال والمقاومة.

تختلف تجليات النكسة في الرواية الخليجية عنها في الروايات العربية الأخرى؛ كونها كانت آنذاك في بدايات تشكلها الفني، ولم تتناول النكسة بوصفها موضوعاً مباشراً بالقدر نفسه الذي نجده في أقطار المواجهة. ومع ذلك تركت النكسة أثراً واضحاً في الوعي الروائي الخليجي، وتُعد رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) للروائي (عبد الرحمن منيف) الأبرز في تمثيل صدمة ما بعد 1967 في السياق الخليجي والعربي عموماً رغم أن مؤلفها يُعد روائياً عربياً عابراً للحدود أكثر من كونه خليجياً بالمعنى الضيق، فإن الرواية تُعد من أهم النصوص التي عالجت خيبة جيل ما بعد النكسة وانهيار الأحلام القومية.

مثّلت نكسة حزيران 1967 منعطفاً تاريخياً في مسار الرواية العربية، إذ دفعت الروائيين إلى مراجعة المسلمات الفكرية والسياسية التي سادت مرحلة ما قبل الهزيمة، وقد تجلت النكسة في الرواية العربية عبر نقد الأنظمة السياسية، وكشف أزمة المثقف، وتحليل البنية الاجتماعية، واستعادة مركزية القضية الفلسطينية، فضلاً عن إحداث تحولات فنية عميقة في تقنيات السرد وبناء الشخصيات. وبذلك يمكن القول إن الرواية العربية بعد النكسة لم تكن مجرد تسجيل لحدث تاريخي، بل أصبحت أداة معرفية ونقدية لفهم أسباب الانهيار العربي واستشراف إمكانات النهوض والتغيير، وهو ما جعل نكسة حزيران واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً وتأثيراً في السرد العربي المعاصر.