Menu

شظايانا

مروان عبدالعال

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

الجمراتُ المطفأة الصغيرة التي نحملها بصمت، تلك المعجزة الصغيرة التي تتكرر كل يوم كي يبقى العابر فينا قابلًا للحياة.

 

(1)

في الحرب، لا أحد يختفي دفعةً واحدة. الناس ينسحبون ببطء، كأنهم يتبخّرون. يتأخرون في الرد، يبتعدون بنصف خطوة، ثم بنصف قلب، حتى لا يبقى منك فيهم إلا طيف. أنا أيضًا أفعل ذلك. ليس لأنني لا أريد أحدًا، بل لأن كل اقترابٍ يُذكّرني بانفجارٍ قادم. الحبّ في زمن الإبادة فعل مقاومةٍ مرهق، والحذر منه غريزة أساسية.

 

(2)

العالم يحبّ صورة الفلسطيني المتماسك، البطل الصامت الذي لا يبكي. لكن خلف هذا القناع هناك أعصابٌ محروقة، وذاكرة تتصبب خوفًا. نبدو أقوياء لأننا لم نُمنح خيارًا آخر، لأن البكاء في العلن يُعتبر خيانةً للحكاية الكبرى. ومع ذلك، ننهار بصمتٍ كلّ ليلة، ثم ننهض كأن شيئًا لم يكن، ونواصل المشهد.

 

(3)

في زمن الحرب تعرف معنى الانفصام العصبي. وتتعلم أن تشعر، لكنّك مضطر لإخفاء الشعور حتى عن نفسك. أن تبتسم كي لا تُقلق من تحبّ. أن تتظاهر بالقوة لأنك تخاف أن تنهار في يدٍ قد تُنتزع عنك غدًا.

 

(4)

الحرب لا تقتلنا دفعةً واحدة، بل بالتقسيط: تسحب منّا اللغة، ثم الحنين، ثم الحلم. حتى الحب صار نسخةً مخفّفة من نفسه، مقنّنًا مثل كهرباء المخيم، ومؤقتًا مثل الهدنة.

 

(5)

سأعود إليكِ يا أشيرا، لا كفكرةٍ مؤجلة بل كنداءٍ يعرف طريقه إلى القلب. توقفتُ عن كتابتكِ لأن الفلسطيني، في لحظات الانكسار، يحتاج قدرًا من الجنون، ووهمًا خفيفًا، وأسطورةً تُرمّم الداخل، ورومانسيةً صغيرة تُعيد ترتيب الفوضى.

في زمن الحرب، المهم أن يبقى الإنسان إنسانًا، حتى حين تحاول الكارثة أن تجرّده إلا من البقاء.

 

(6)

أحيانًا، بعد كل مجزرة، تستيقظ بيروت وكأنها تمسح آثارها من الذاكرة لا من الجدران. يعود بائع المناقيش إلى زاويته، وتدور عربات الخضار في الأحياء كأنها لم تتوقف، وامرأةٌ تشطف مدخل بيتها بالماء والصابون كما لو أن الغبار لم يكن يومًا ذاكرةً للانفجار. كل حركة عادية تمر فوق الشارع دون أن تجرؤ على التوقف. وفي العيون سؤالٌ لا يُقال: كيف يستطيع الإنسان أن يواصل هذا التكرار البسيط دون أن ينكسر من الداخل؟

 

(7)

الحرب ليست فقط دمار البيوت، بل دمار الإحساس بالزمن. الأيام تختلط، الوجوه تتشابه، الموتى يزدادون عددًا، والأحياء يقلّون حضورًا. يصبح الإنسان رقمًا في تقرير، أو ظلًا على حائط لم يُهدم بعد.

 

(8)

في النهاية، لا تُقاس الإبادة بعدد الضحايا، بل بعدد المرات التي فشل فيها العالم في البكاء. وما يبقى بعد كل شيء، ليس النصر ولا الهزيمة، بل إنسان وحيد يجلس بين الركام، يحاول أن يتذكّر شكل وجهٍ لم يبقَ له أثر، ويكتب، كي لا تُباد الذاكرة أيضًا.

 

(9)

اليوم، كانت الحرب هادئة. لم تسقط قنابل، ولم تُسمع صفّارات ودوي الطائرات. لكن شيئًا في الهواء ظلّ متوتّرًا، كأن الأفق نفسه يحبس أنفاسه. حتى الصمت هنا يشبه هدنةً مشروطة.

تعلّمت أن أرتاب من الهدوء، أن أقرأه كاستعدادٍ لِما بعده. الناس يقولون “انتهت الجولة”، لكن الحرب لا تنتهي، إنها فقط تُبدّل لغتها.

 

(10)

اليوم أيضًا نجوت.

نجوت من الذاكرة، من الغضب، من الارتباك. لكنني لا أعرف من ماذا سأنجو غدًا. النجاة هنا ليست فخرًا، بل شكلٌ آخر من الانتظار.

 

(11)

في ليالي الحرب، حين تصمت الأصوات وتتكلم السماء بالنار، يبدو الحبّ كقصفٍ داخلي: وميضٌ سريع يتبعه فراغٌ واسع. لا يأتي كطمأنينة، بل كصدعٍ في الوعي يوقظ ما حاولت نسيانه كي تنجو.

ومع ذلك، لا يقتلك؛ يكشفك فقط. يعرّي فيك حياةً صغيرةً عنيدة ترفض أن تُمحى، ونبضًا لا يحتاج إذنًا ليقول: ما زلت هنا.

 

(12)

في كل مرة أسمع فيروز، تأخذني إلى الشهداء؛ كأن الذاكرة تفتح وجوههم دفعة واحدة، لا تغيب ولا تهدأ. أراهم في ثنايا أملٍ دقيق، تحت مسيراتٍ تفضّ جرح السماء، وتراقب تفاصيل الحياة الصغيرة في المدن والمخيمات. الزمن يبدو كجرحٍ مفتوح لا يلتئم، لكننا نتعلم أن البقاء ليس فيما نملك، بل فيما نحمي ونحب ونصمد به حين ينهار العالم.

هي حياة تمشي على حافة الألم، ولا تسقط؛ كأنها تعرف سرّ العاصفة، وتواصل العبور.