Menu

أخطر حروب الإبادة الصهيونية: إبادة التعليم واغتيال العقول والمؤسسات التعليمية...!

نواف الزرو

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

ربما تكون الجريمة المنهجية التي ينفذها الاحتلال عن سبق تبييت وتخطيط وترصد ضد التعليم الفلسطيني في عموم فلسطين وفي غزة على نحو خاص، هي الأبشع والأشد خطراً في سياق الإبادة الصهيونية الشاملة الجارية على مدار الساعة ضد أهلنا هناك، فالخسارة الناتجة عن تدمير العملية التعليمية لسنوات متتالية (والإبادة مفتوحة بلا سقف زمني) كبيرة جداً حيث يتأثر أكثر من مليون فلسطيني في غزة مثلا بدءاً بتلاميذ رياض الأطفال مروراً بمرحلتي التعليم الأساسي والثانوي وانتهاءً بطلبة المعاهد والجامعات، والسؤال الكبير هنا:

كيف يمكن تعويض تلاميذ المدارس على ما فاتهم، خاصةً إذا أخذنا بالاعتبار عشرات الآلاف من التلاميذ الجرحى، وآلاف المعلمين الشهداء والجرحى والآلاف الذي شردوا من بيوتهم ومدنهم وأجبروا على النزوح هائمين على وجوههم...؟!، ناهيكم عن تدمير مئات المدارس والمكتبات والجامعات...؟ .

وهنا الأسئلة الكبيرة تفرض نفسها بقوة: كيف يمكن تقييم الخسارة الهائلة للتلاميذ الفلسطينيين وكم حجم هذه الخسارة...؟!

وكيف يمكن للعملية التدريسية أن تعود للانتظام في ضوء أكوام الركام الهائلة التي تكدست على امتداد مساحة القطاع واستحالة إعادة الإعمار في الأفق المنظور....؟!

علما بأن الحرب الصهيونية الإبادية مفتوحة ولم تتوقف بعد....!

*إبادة تعليمية في غزة تطال أكثر من 785 ألف طالب.....!

وعن معطيات الإبادة التعليمية قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن الاحتلال يحرم أهالي قطاع غزة وللعام الثالث على التوالي من بدء عام دراسي جديد، في جريمة ممنهجة ترقى إلى إبادة ثقافية وتعليمية تطال أكثر من 785 ألف طالب وطالبة، و25 ألف معلم، جراء التدمير الواسع للبنية التحتية التعليمية بفعل العدوان المتواصل. وأضاف في بيان صحفي أن الأضرار التي تسبب بها الاحتلال جراء استمرار حرب الإبادة، طالت أكثر من 95% من مدارس القطاع، حيث تحتاج أكثر من 90% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي، وذلك بعد أن تعرض 662 مبنى مدرسيًا، أي نحو 80% من إجمالي المدارس، لضربات مباشرة، إضافةً إلى تصنيف 116 مدرسة أخرى بأنها "متضررة"، مما حرم عشرات آلاف الطلبة من حقهم في التعليم. وأشار إلى تدمير سلطات الاحتلال 163 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية بشكل كلي، و388 مؤسسة تعليمية بشكل جزئي، عدا عن تضرر 70% من المدارس المستخدمة كملاجئ، وكانت محافظتا شمال غزة ورفح الأكثر تضررًا بنسبة تفوق 95%.، وتابع: ارتكب الاحتلال مجازر بشعة بحق 13,500 طالب شهيد، و830 من المعلمين والكادر التربوي، و193 من العلماء والأكاديميين والباحثين، في استهداف ممنهج يضرب حق الأجيال في التعليم ويشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وحقوق الطفل.، ولفت المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الجرائم التي ينفّذها جيش الاحتلال بشكل ممنهج، تمثل تدميرًا متعمدًا للركائز المدنية الأساسية، ما يستدعي تحركًا جديًا وعاجلًا من المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختلفة لوقف هذه الجريمة ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم إلى العدالة.

*إبادة التعليم واغتيال العقول والمؤسسات التعليمية أخطر الإبادات الصهيونية..!.

فمنذ الـ 7 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى كتابة هذه السطور لا يزال قطاع غزة يتعرض لحرب إبادة جماعية وتطهير عرقي ممنهج على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، في حرب هي الأكثر دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فمن خلال عمليات مكثفة ومستمرة استهدف جيش الاحتلال تدمير كل مقومات الحياة في القطاع، بما في ذلك البنية التحتية الحيوية، والموارد الأساسية، والكيانات الاجتماعية والثقافية التي تشكل نسيج المجتمع الفلسطيني.

وتتسم هذه الحرب بسياسة ممنهجة لإلحاق الضرر الجسيم بالسكان المدنيين، إذ تشير تقارير حقوق الإنسان إلى أن سلطات الاحتلال تعمدت حرمان الفلسطينيين من المياه الصالحة للشرب، وتدمير شبكات الصرف الصحي، وقطع الكهرباء، ما أدى إلى استشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، وخلق بيئة معيشية تهدف إلى التدمير الجسدي الجزئي أو الكلي للسكان، ودفعهم إلى الهجرة القسرية.

وفي هذا السياق، "لم يُستهدف المدنيون بشكل عشوائي فحسب، إذ عمد الاحتلال إلى استهداف النخب العلمية والأكاديمية الفلسطينية بشكل ممنهج، إذ اغتيل عدد كبير من العلماء، والأكاديميين، والأطباء، وخبراء التكنولوجيا، والشعراء الذين يمثلون ركيزة أساسية للحياة الثقافية والفكرية في غزة. تشير البيانات إلى استشهاد ما يزيد عن 130 من العلماء والأكاديميين وأساتذة الجامعات والباحثين، بينهم حملة درجات علمية عليا مثل الدكتوراه، والبروفيسور، إلى جانب مئات المعلمين وآلاف الطلبة، في هجمات مباشرة على منازلهم ومؤسساتهم التعليمية- فضل عرابي- نشر يوم-2025-06-23". وتبين الإحصاءات الرسمية الفلسطينية أن حصيلة الشهداء في قطاع التعليم الفلسطيني ارتفعت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ارتفعت إلى 21,701 من الطلبة والكوادر التعليمية في قطاع غزة والضفة الغربية. جاء ذلك بيان لوزارة التربية والتعليم العالي الثلاثاء 2026-6-9 أشارت فيه إلى أن 20,647 طالباً وطالبة و1,054 من المعلمين والعاملين في المؤسسات التعليمية استُشهدوا منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2023، في ظل حرب الإبادة التي تستهدف الحق في التعليم. وأوضحت الوزارة أن أكثر من 179 مدرسة حكومية في قطاع غزة دُمّرت بشكل كامل، فيما تعرضت أكثر من 105 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للقصف والتخريب، إلى جانب تدمير أكثر من 63 مبنى تابعاً للجامعات بشكل كامل.

وفي الضفة الغربية، أشارت الوزارة إلى تعرض 9 جامعات وكليات لاقتحامات متكررة وأعمال تخريب، إضافة إلى استمرار الاعتداءات على عدد من المدارس واستهداف المستعمرين للطلبة. وبيّنت المعطيات أن عدد الشهداء من الطلبة في الضفة الغربية بلغ 128 من طلبة المدارس و39 من طلبة الجامعات، فيما أصيب 861 من طلبة المدارس وأكثر من 278 من طلبة الجامعات، إضافة إلى اعتقال 421 طالباً مدرسياً وأكثر من 487 طالباً جامعياً.

وفي قطاع غزة، استُشهد أكثر من 19,101 طالب في المدارس و1,379 طالباً جامعياً، فيما أصيب أكثر من 28,419 من طلبة المدارس و3,017 من طلبة الجامعات.

كما طالت الانتهاكات الكوادر التعليمية، إذ استُشهد 6 من العاملين في المدارس بالضفة الغربية وأصيب 25 آخرون، فيما تجاوز عدد المعتقلين من الكوادر التعليمية 171، وفي قطاع غزة، استُشهد 802 من العاملين في المدارس و246 من العاملين في الجامعات، وأصيب 3,291 من الكوادر المدرسية وأكثر من 1,493 من الكوادر الجامعية.

ويهدف هذا الاستهداف المتعمد والممنهج للنخبة الفكرية والثقافية الفلسطينية إلى تعطيل استمرارية المعرفة والتراث الفلسطيني، وإضعاف قدرة المجتمع على التعافي وإعادة البناء، ما يعمق أبعاد الجريمة ويجعلها إبادة جماعية بكل المقاييس. كما تعد هذه السياسة جزءًا من استراتيجية شاملة تتضمن القتل والتعذيب والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وفرض حصار خانق يعيق وصول المساعدات الإنسانية، ما يفاقم من معاناة السكان ويؤكد نية التدمير التي أشار إليها خبراء الأمم المتحدة ومقرروها الخاصون. إن استهداف العلماء والأكاديميين، إلى جانب استهداف المدارس والجامعات، يعكس محاولة إسرائيلية ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية وإزالة أي أمل في المستقبل عبر القضاء على قادة الفكر والمعرفة".

بناءً على ذلك، فإن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ليست مجرد حرب مدمرة فحسب وإنما جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان تستهدف الشعب الفلسطيني بأكمله، لا سيما النخبة العلمية والثقافية التي تمثل روح المجتمع الفلسطيني ومستقبله.

*حرب إبادية هدفها تحطيم ظهر المجتمع الفلسطيني!..

عند تعريف الإبادة الجماعية في إطارها النظري، يتضح أنها لا تقتصر على استهداف البشر والحجر فقط، بل تشمل كذلك مقومات الحياة اليومية، من غذاء وماء وكهرباء، مرورًا بالبنى التحتية التعليمية، وصولًا إلى الذاكرة التاريخية التي تختزنها مؤسسات التراث والمتاحف والمكتبات العامة، فالاستعمار، في صيغته الأشد عنفًا، يسعى إلى محو هوية المجتمع وحرمانه من أدوات البقاء والتطور، وفي الحرب المستمرة على قطاع غزة، شكّلت المؤسسات التعليمية والتوثيقية أحد أبرز الأهداف الإسرائيلية، فالهجمات لم تقتصر على تدمير الجامعات والمدارس، بل طالت بشكل متعمد الكوادر الأكاديمية والمعلمين.

ووفقًا لإحصائيات أخرى وثقها الدكتور عامر الهزيل في مقال قصير له على صفحته على فيسبوك جاء: حتى 26 آب/ أغسطس 2025، تم تدمير 366 مدرسة بشكل كامل أو جزئي، وما تبقى منها تحوّل إلى ملاجئ للنازحين. كما تعرض 63 مبنى جامعيًا للهدم الكلي. أما على صعيد الكادر الأكاديمي، فقد استشهد 226 محاضرًا وباحثًا، وأصيب 1421 آخرون. وفي سلك التعليم المدرسي، ارتقى 739 شهيدًا من المعلمين والمعلمات، إضافة إلى 3091 جريحًا. أما الطلبة، فقد كان الثمن فادحًا: 17085 شهيدًا من طلبة المدارس، و1261 شهيدًا من طلبة الجامعات، إلى جانب آلاف الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة"، ويضيف: "ولم تقتصر الحرب على البنى المادية، بل امتدت إلى البنية البشرية القيادية في مختلف قطاعات الحياة، بهدف تجهيل المجتمع الفلسطيني وكسر أعمدته الثقافية والنخبوية. وعلى مدى نحو 700 يوم من الحرب، بدا واضحًا أن الهدف الاستراتيجي هو ضرب الطبقة الوسطى الغزية التي تُعد المحرك الأساسي لأي مجتمع في مسارات التقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي".

وخلص الدكتور عامر إلى القول: "إن حرب الإبادة الجماعية على غزة لم تكن حربًا عسكرية فحسب، بل كانت حربًا على الذاكرة والمعرفة والهوية، لقد استهدفت إسرائيل المدارس والجامعات، واغتالت عمدًا القادة التربويين والمحاضرين، في محاولة لشل المجتمع الفلسطيني لعقود قادمة، بكلمات أخرى، إنها حرب تهدف إلى كسر ظهر المجتمع الفلسطيني عبر محو طبقته الوسطى، تلك الطبقة التي تشكل في كل المجتمعات العمود الفقري للحراك الاجتماعي والتقدم الحضاري، وحرمان الأجيال القادمة من حقها الطبيعي في التعليم والحياة الكريمة".