Menu

اتفاق الإطار الإسرائيلي اللبناني.. شرعنة الاحتلال وإعادة هندسة لبنان..

يونس العموري

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

لم يكن اتفاق الإطار الذي وقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مجرد تفاهم أمني لوقف العمليات العسكرية أو لتنظيم ترتيبات ميدانية في جنوب لبنان، بل يمثل محطة سياسية واستراتيجية بالغة الخطورة في مسار الصراع العربي الصهيوني، حيث أنه يعكس انتقال المشروع الأمريكي من إدارة الأزمات في المنطقة إلى إعادة هندسة الواقع السياسي والأمني اللبناني بما يتوافق مع متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي. فالقراءة المتعمقة لما رشح عن بنود الاتفاق، وما رافقه من تصريحات إسرائيلية وأمريكية، تكشف أن الهدف الحقيقي يتجاوز مسألة وقف إطلاق النار أو تثبيت الاستقرار المؤقت، ليصل إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة اللبنانية نفسها، بحيث تصبح الدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ التزامات أمنية وسياسية تصب بصورة مباشرة في خدمة المشروع الإسرائيلي، بينما تحتفظ إسرائيل بحق التدخل العسكري وحرية استخدام القوة متى رأت أن مصالحها أو أمنها مهددان، وهو ما يعني عملياً أن الاتفاق لا ينهي الاحتلال بل يمنحه شرعية سياسية جديدة ويعيد إنتاجه بصيغة مختلفة.

منذ اللحظة الأولى بدا واضحاً أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطاً محايداً بين طرفين متنازعين، بل كانت شريكاً كاملاً في صياغة الاتفاق وتحديد أولوياته، ولذلك جاءت معظم البنود، وفق ما أعلن عنها، منحازة بصورة واضحة للرؤية الإسرائيلية، بحيث تحمل لبنان سلسلة طويلة من الالتزامات السياسية والعسكرية والأمنية، في مقابل التزامات إسرائيلية فضفاضة ومشروطة. وهذا يؤكد أن الاتفاق هو في جوهره تفاهم أمريكي إسرائيلي جرى تسويقه على أنه اتفاق لبناني إسرائيلي، وأن الإدارة الأمريكية تعاملت مع لبنان باعتباره ساحة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية وليس دولة ذات سيادة تمتلك الحق في فرض شروطها الوطنية استناداً إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

الأخطر في هذا الاتفاق أنه ينقل الاحتلال من وضعه التقليدي باعتباره احتلالاً عسكرياً يجب أن ينتهي دون شروط، إلى احتلال مشروط بزوال ما تعتبره إسرائيل مصادر تهديد لأمنها. فبدلاً من أن يكون الانسحاب الإسرائيلي التزاماً قانونياً وأخلاقياً غير قابل للمساومة، أصبح مرتبطاً بنزع سلاح حزب الله وسائر قوى المقاومة، وبترتيبات أمنية تحددها إسرائيل وتراقب تنفيذها الولايات المتحدة. وبهذا المعنى فإن الاحتلال لم يعد مؤقتاً، بل أصبح مفتوحاً على الزمن، لأن اسرائيل تستطيع في أي وقت الادعاء بأن شروطها لم تتحقق، فتواصل بقاءها العسكري داخل الأراضي اللبنانية تحت عنوان المنطقة الأمنية. وهنا يتحول الاحتلال من حالة استثنائية إلى واقع دائم. ولا يقتصر الأمر على البعد العسكري، بل يمتد إلى إعادة صياغة وظيفة الدولة اللبنانية نفسها. فإذا كانت الدولة في المفهوم الوطني مسؤولة عن حماية الأرض والدفاع عن السيادة وصون الاستقلال، فإن الاتفاق يدفع بها نحو القيام بدور مختلف، يتمثل في ملاحقة المقاومة وتجفيف مصادر قوتها ومنع أي فعل يمكن أن تعتبره إسرائيل تهديداً لها. وبهذا تصبح المؤسسات الأمنية اللبنانية مطالبة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتنفيذ جزء من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهو تحول بالغ الخطورة يفرغ مفهوم الدولة الوطنية من مضمونه الحقيقي، ويحولها إلى أداة لضبط الداخل بما يخدم أمن الاحتلال وليس أمن الوطن. 

إن إخضاع الانسحاب الإسرائيلي الكامل لشرط نزع سلاح المقاومة لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراء أمنياً فقط، بل هو جزء من مشروع سياسي متكامل لإعادة تشكيل النظام اللبناني الداخلي. فالمقاومة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، أصبحت خلال العقود الماضية أحد أهم عناصر التوازن السياسي والعسكري في لبنان، واستطاعت أن تفرض معادلات ردع حالت دون عودة الاحتلال إلى الجنوب لعقود طويلة. ولذلك فإن استهدافها لا يتعلق فقط بالسلاح، وإنما يستهدف البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجت خيار المقاومة، ويهدف إلى إعادة توزيع موازين القوى الداخلية بما يفتح الباب أمام قيام سلطة أكثر التصاقاً بالمشروع الأمريكي والغربي، وأقل قدرة على معارضة السياسات الإسرائيلية في المنطقة. كما يكشف الاتفاق عن محاولة واضحة لفصل لبنان عن عمقه العربي والإقليمي، ولا سيما عن مسار الصراع مع إيران. فالولايات المتحدة تسعى إلى عزل الملف اللبناني عن أي مفاوضات إقليمية أوسع، ومنع لبنان من أن يكون ورقة ضغط في أي تسويات مستقبلية، بما يسمح لواشنطن بإدارة كل ساحة عربية على حدة، وفقاً لمصالحها ومصالح إسرائيل. وهذا النهج ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية القائمة على تفكيك ساحات الصراع، ومنع تشكل أي محور إقليمي قادر على فرض معادلات جديدة في مواجهة الهيمنة الغربية. 

ومن زاوية أخرى، فإن الاتفاق يوفر لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مكسباً سياسياً كبيراً في لحظة كان يواجه فيها أزمات داخلية وخارجية متراكمة. فالتصريحات التي أطلقها بعد توقيع الاتفاق لم تترك مجالاً للشك في أنه يعتبر ما جرى انتصاراً استراتيجياً لإسرائيل، لأنه يكرس بقاء قواتها في المنطقة الأمنية، ويمنحها حرية الحركة العسكرية، ويربط الانسحاب بشروط إسرائيلية خالصة، كما يقدم الاتفاق للرأي العام الإسرائيلي باعتباره إنجازاً تحقق دون أن تضطر إسرائيل إلى تقديم تنازلات حقيقية، وهو ما يفسر الاحتفاء الرسمي الإسرائيلي بالاتفاق بوصفه أحد أهم المكاسب السياسية منذ اندلاع الحرب. 

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن تداعيات الاتفاق تبدو أكثر خطورة من نصوصه نفسها، لأنه يعمق الانقسام السياسي والطائفي، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول هوية الدولة وخياراتها الاستراتيجية. فمن الطبيعي أن تنظر شريحة واسعة من اللبنانيين إلى الاتفاق باعتباره تنازلاً عن جزء من السيادة الوطنية، بينما ستعتبره قوى أخرى فرصة لإعادة بناء الدولة بعيداً عن منطق المقاومة. وهذا الانقسام مرشح للتوسع، بما يحمله من احتمالات توتر سياسي وربما أمني، خصوصاً إذا تحول ملف نزع السلاح إلى عنوان للمواجهة الداخلية. ومن هنا تبدو المخاوف مشروعة من أن يكون الاتفاق قد وضع الأساس لأزمة لبنانية جديدة قد تتجاوز في خطورتها الأزمات السابقة، لأنها تمس جوهر العقد الوطني وتعيد رسم خطوط الاصطفاف الداخلي على أسس أكثر حدة. ومن منظور وطني عروبي، فإن هذا الاتفاق لا يمكن اعتباره اتفاق سلام ولا حتى اتفاق تهدئة متوازناً، بل يمثل حلقة جديدة في مشروع إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم التفوق الإسرائيلي ويقيد قدرة الدول العربية على امتلاك عناصر القوة والسيادة. فهو يمنح الاحتلال ما عجز عن فرضه بالكامل بالقوة العسكرية، ويحول التفوق العسكري الإسرائيلي إلى التزام سياسي وقانوني على الدولة اللبنانية، في الوقت الذي لا يقدم فيه أي ضمانات حقيقية بإنهاء الاحتلال أو وقف الاعتداءات أو احترام السيادة اللبنانية. ولذلك فإن أخطر ما في هذا الاتفاق ليس ما نص عليه من بنود فقط، بل ما يؤسس له من وقائع سياسية واستراتيجية قد تعيد تعريف العلاقة بين لبنان والاحتلال لعقود مقبلة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة يصبح فيها الأمن الإسرائيلي هو المرجعية التي تقاس على أساسها سيادة الدولة اللبنانية وحدود قرارها الوطني، وهو ما يجعل الاتفاق في جوهره انتصاراً للمشروع الصهيوني أكثر منه مدخلاً لاستقرار حقيقي أو سلام عادل، لأن السلام الذي يقوم على اختلال موازين القوة وعلى تكريس الاحتلال لا يصنع استقراراً دائماً، بل يؤجل الانفجار ويؤسس لصراعات أشد عمقاً في المستقبل.

وحتى كتابة هذه السطور، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبعد يومين فقط على توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، أنه قتل أفراداً من حزب الله كانوا مسلحين بقذائف صاروخية، وقصف منصة لإطلاق الصواريخ في منطقة النبطية جنوب لبنان، بزعم إزالة تهديدات تواجه قواته. ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم الرواية الإسرائيلية أو التحقق من تفاصيلها، بقدر ما يكشف عن حقيقة بالغة الدلالة، وهي أن اسرائيل ما زالت تعتبر نفسها صاحبة الحق في تحديد ماهية التهديد، وتوقيت استخدام القوة، وحدود تدخلها العسكري داخل الأراضي اللبنانية، حتى بعد التوصل إلى الاتفاق. وهذا يؤكد أن ما جرى لم يؤسس لوقف نهائي للاعتداءات، ولم يضع قيوداً حقيقية على حرية القرار العسكري الإسرائيلي، بل أبقى باب العمليات العسكرية مفتوحاً وفقا للتقدير الإسرائيلي وحده. وإذا كانت أولى الممارسات بعد توقيع الاتفاق قد جاءت لتؤكد استمرار هذا النهج، فإن ذلك يعزز المخاوف من أن يتحول الاتفاق إلى مظلة سياسية تتيح لإسرائيل مواصلة عملياتها العسكرية كلما ادعت وجود تهديد، الأمر الذي يفرغ فكرة التهدئة من مضمونها الحقيقي، ويجعل السيادة اللبنانية خاضعة بصورة دائمة للتفسير الإسرائيلي لمقتضيات أمنه القومي. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لأي اتفاق لا تقاس بما يرد في نصوصه المجردة، بل بما ينتجه على الأرض من وقائع، وإذا كانت الوقائع الأولى تشير إلى استمرار استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية بعد أيام قليلة من توقيعه، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرة هذا الاتفاق على تحقيق الاستقرار الذي روج له أو ما إذا كان قد وفر في المقابل غطاء سياسياً جديداً لاستمرار تدخل إسرائيل العسكري كلما شاءت وتحت العناوين التي تختارها.