ما الإصلاح؟ وما العلاقة بين الإصلاح الدّيني البروتستانتي بزعامة (مارتن لوثر) و(جون كالفن)؟
مفهوم الإصلاح:
الإصلاح من حيث هو مفهوم نظرة تستهدف صياغة علاقة الإنسان بعالمه المادي والروحي، صياغة متوازنة، على أساس المواءَمة بين احتياجات الفرد والمجتمع من ناحية، وروح العصر ومتطلباته من ناحية ثانية. والإصلاح بوصفـه ممارسة نتيجة طبيعية للتناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والدينية وتصارعها تصارعاً يفضي إلى إعاقة النمو والتقدم وتحطيم صورة الإنسان والواقع تحطيماً ينجم عنه خلق حالة من الاستلاب والعطالة.
من هنا يجيء الإصلاح بوصفه عملية علاجية طارئة، تستهدف تخليص المجتمع من التطاحن والتآكل والحيلولة دون انتشارهما، وتجاوز الأخطاء والعيوب والفساد والعبث والممارسات اللاعقلانية المختلفة. وعليه فالإصلاح بوصفه نشاطاً إنسانياً، يتجه في مبدئه لتخطي جميع معوقات التقدم والتنمية، وتجاوز حالة الركود والانهيار في ميادين الحياة المختلفة بحدود معينة. والإصلاح، وإن كان هدفه إحداث تغيير في الواقع، إلاّ أنه ليس تغييراً جذرياً وشاملاً. أي ليس تغييراً ثورياً بالمعنى الحرفي للكلمة، نظراً لاختلاف النظرتين الإصلاحية والثورية للتغيير، والأدوات المستخدمة في تحقيق ذلك، فإذا كانت الثورة تعني تغييراً جذرياً وشاملاً، في مناحي الحياة كافة باستخدام جميع الأساليب والأدوات والوسائل بما فيها العنف لتحقيق غاية التغيير وإحلال نظام جديد محل نظام بائد، مع انعدام أي إمكانية للتعايش بينهما، فإن الإصلاح يرمي إلى إيجاد نوع من العلاقة بين القديم والجديد والتعايش بينهما على نحو يتيح للجديد إمكانية الإفصاح عن ذاته. بلغة أخرى يهدف الإصلاح إلى إيجاد نوع من المواءَمَة والتوازن بين مختلف الفئات الاجتماعية الحاكمة والمحكومة، الثّرية والفقيرة، المؤمنة بمذهب معين وغير المؤمنة به، وبين القيم التقليدية والقيم الجديدة. وعليه فأساليب الإصلاح وأدواته ووسائله تختلف نوعياً عن أساليب الثورة وأدواتها ووسائلها. لهذا لا تقوم فكرة الإصلاح على النّفي والسّلب، وإنما على التعايش، في حين تقوم فكرة الثورة على النّفي والسّلب ـ بالمعنى الإيجابي القائم علـى نفي النفي ـ. من هنا فما يميز الإصلاح عن الثورة هو أنه مرحلة انتقال تدريجي وتحول بطيء بين مرحلتين، في حين أنّ الثورة ليست انتقالاً تدريجياً أو اتصالاً يربط بينهما، بل لحظة انتقال نوعي ومرحلة جديدة تحلّ محل سابقتها حلولاً كلياً ونوعياً بذاتها، بمعنى أنّ الإصلاح نشاط انتقالي بطيء طارئ ومؤقت وأكثر انحيازاً للمرحلة التي يحاول أن يصلحها، فهو مرتبط بالماضي ومن الماضي يتخذ قاعدة له. في حين أنّ الثورة تحـوّل جذري سريع وفاعل يتجه نحو المستقبل وينكر الماضي الذي يحاول الإصلاح أن يصلحه.
لذا كان الزمن الذي يستغرقه الإصلاح أطول من الزمن الذي تستغرقه الثورة، آخذين بعين الاعتبار أثر العوامل الذّاتية والموضوعية في تحديد شكل حركة التّغيير بين أن تكون إصلاحية أو ثورية، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن حركة الإصلاح الديني الأوروبي البروتستانتي في القرن السادس عشر بزعامة (لوثر) و(كالفن)– أبرز زعيمين لها– وتحديد علاقتها بأنماط الإصلاح الأخرى، كالإصلاح السياسي والاقتصادي، والاجتماعي، والأخلاقي، وأثر ذلك على مفهوم الإنسان بوصفه– أي إنسان– الهدف النهائي والأخير من وراء القيام بأي إصلاح مهما كان نوعه.
لقد حَتّمت جملة من العوامل والظروف الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية المعقّدة ولادة حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، وإن جاءت هذه الولادة مترافقة مع ظهور حركات ثورية تقاطعت معها وافترقت عنها، إزاء كثير من القضايا.
على أية حال تكمن أهمية الإصلاح الديني في كونه يشكل أحد الأسباب البارزة للانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وتحوّل من الحقبة الإقطاعية إلى الحقبة الرأسمالية، ففي المرحلة السّابقة على الإصلاح كان الإنسان خاضعاً لسلطة الكنيسة خضوعاً تاماً أو شبه تامٍ فتمكّن الإصلاح الديني من تحريره بصورة كبيرة وغير نهائية من السيطرة المزدوجة للكنيسة ورجال الحكم المدني، وحقق لـه كسباً في كثير من الميادين كان أبرزها الحرية والفردية بوصفهما مقدّمتين ضروريتين للديمقراطية التي حَمَلها وبشّر بها العصر الحديث، عصر الرأسمالية والتنوير في أوروبا لاحقاً. فلقد أُطلقت حرية العبادة وأضحت تتّسم بطابع فردي يتمثّل في جعل العلاقة مباشرة بين الإنسان وربّه (كما هو الحال عند لوثر) وأصبحت سلطة الضمير الفردية تحل محل سلطة الكنيسة والبابا، والميل بالإنسان نحو الدنيويات، من خلال جعل الدين أمراً شخصياً وخاضعاً لضوابط أخلاقية محدّدة، وإطلاق حرية العمل الفردي، ومراكمة الثروة، وحماية الملكية الشخصية، والتشجيع على الاستثمار في ميدان الصناعة والتّجارة إلى جانب ظهـور المراكز التّجاريّة والصّناعيّة الكبرى في العديد من المدن والولايات الأوروبية، والدعوة إلى قيام علاقة متوازنة بين الحاكم والمحكوم وعلاقة الفرد بالدولة. وبعبارة أخرى، أحدث الإصلاح الديني نقلة حقيقية في حياة الفرد والمجتمع من حالـة الهيمنة الكنسيّة باسم الدّين إلى حالة انعتاق الفرد نسبياً من تلك الهيمنة باسم الإصلاح، وإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه كائناً إنسانياً وروحياً ينبغي أن يكون حـرّاً من الناحية العَقَدِيّة والروحية، ولا يخضع لسلطة أحد إلاّ الله، ولا لمراقبة أحدٍ إلا الضمير، على الرغم من احتفاظ (كالفن) بمراقبة رجال الدين البروتستانت السلوك الأخلاقي للقاطنين في الحي.
على أية حال، لقد حلّت سلطة الإنسان الفرد إلى جانب سلطة الكنيسة بوصفها سلطة دينية ودنيوية في تسيير شؤون حياته المختلفة، بعـد أن كانت مختزلة في سلطة واحدة هي سلطة الكنيسة والبابا، الأمر الذي مهّد السبيل للانتقال إلى الحقبة الرأسمالية الحديثة، التي لم تعد فيها السلطة المزدوجة للإنسان والكنيسة قادرة على تلبية احتياجات العصر ومتطلباته، بفعل التغيّرات الهائلة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية، والتي لم يعد من الممكن معها استمرار علاقة الإنسان بالدين والأخلاق والسياسة على النحو السابق أمراً مقبولاً، فقد جنحت المجتمعات الأوروبية الحديثة إلى فصل علاقة الدّين بالدّولة وبمجالات الحياة المختلفة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والأخلاق، فأصبحت السلطة الوحيدة هي سلطة الإنسان العاقل، وليست سلطة الدين ومؤسّساته الروحية، فانتقل الإنسان من حالة الانعتاق الجزئي والنّسبي التي حققها الإصلاح الديني، إلى حالة الانعتاق الكلـي والشامل التي بات بموجبها مركزاً للكون، دون شريك أو منازع، والّتي لم يكن من الممكن الوصول إليها لولا الإنجاز الهائل والكبير الذي تحقق على يد دعاة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر. وإذاً يمكننا القول: إنّ واحداً من أهم إنجازات الإصلاح الديني، الانتقال بالإنسان من سلطة كنسيّة دينية بابوية أحدية. كان الإنسان عنصراً منفعلاً فيهـا، إلى سلطة مزدوجة دينيّة ومدينة أصبح الإنسان فيها طرفاً فاعلاً، الأمر الذي جعل انتقال الإنسان من سلطة الشّراكة مع المؤسسة المسيحية إلى سلطة مدنية علمانية أمراً ممكناً في العصر الرأسمالي الحديث.
هكذا اتخذت علاقة الإنسان بالسّلطة أشكالاً ثلاثة، الأول: علاقة خضوع، والثاني علاقة شراكة، والثالث علاقة سيادة، هذه هي صورة الإنسان الأوروبي قبل الإصلاح وأثنائِه وبعده. من هنا فالمصلح الديني شرع في صياغة نظرة جديدة عن الإنسان والعالم والله، على أساس المبادئ الدينية والأخلاقية الواردة في الكتاب المقدّس، اعتقاداً منه بأنّ الكتاب المقدس يصلح أن يكون دستوراً للدين والدنيا. وعليه فقد امتد الإصلاح إلى ميادين الدين والسياسة، والمجتمـع والاقتصاد والأخلاق فاتخذ شكل إصلاح ديني، سياسي، اجتماعي، اقتصادي، وأخلاقي.
بمعنى أنّ الإصلاح الديني حتى يكتمل لا بد أن يواكبه إصلاح في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، لعلّة التّرابط الحاصل بينها، فالفرد بوصفه كائناً سياسياً اجتماعياً، ينبغي تحريره من القيود التي تحدّ من فرديته وحريته، وهو ما يستدعي إطلاق طاقاته ومواهبه، ومنحـه الفرصة الكافية للتعبير عن ذاته، والإسهام في عملية البناء السياسي والاجتماعي بحرية، من خلال إقامة علاقات متوازنة بين الفرد والحاكم والمجتمع، قائمة على أساس الحـق والواجب والاحترام المتبادل، وهو ما لا يمكن أن يتحقق من غير توفّر مجموعة من الشروط كالديمقراطية والحرية والسيادة الفردية على الذات، فالفرد بوصفه كائناً متديّناً، ينبغي تحريره من سلطة رجال الدّين والكنيسة على نحو يتيح له ممارسة نشاطه التعبّدي بشكل فردي وحر من سلطة الطقوس الدّينية الشكلية، وجعل حضور المراسم والقدّاسات الدينية بشكل اختياري وطوعي، والتركيز على البعد التّقوي الداخلي فيه والذي لا سلطان لأحد عليه سوى الله والضمير ـ كما أسلفنا ـ بمعنى آخر يتعين على الفرد المؤمن أن يكون إيمانه إيماناً فردياً خالصاً نابعاً من ذاته، وليس من سلطة خارجية، إذ ليس بوسع أحد معرفة حقيقة إيمان أي شخص إلا الشخص نفسه. من هنا ينبغي أن تكون سلطة البابا ورجال الدين سلطة شكليّة في تقرير إيمان الفرد والحكم عليه، فضمائر المؤمنين لا أحد يطلع عليها إلا الله، وعليه فالعلاقة بين المرء وربّه ينبغي أن تكون علاقة مباشرة لا يتوسّطها كاهن، كذلك قبول التوبة وغفران الذنوب والخطايا لا يمكن تفويض أحد من البشر القيام به نيابة عن الله، فالله وحده غافر الذنوب ولا يعطي سلطانه لأحد من الناس على وجه الأرض، مما يعني استحالة معرفة التّائبين الحقيقيين عن خطاياهم من غير التّائبين، بمعنى آخر ينبغي تحرير الفرد من سلطة الادّعاء بمنح الغفران ومحو الذنوب من جانب رجل الدين، والتقليل من شأن الاعتراف أمام الكاهن، والنظر إليه من زاويةٍ أدبيةٍ خالصـة، وإنكار خلاص النفوس بواسطة الأعمال والطقوس المختلفة، وربطه بقضيتي الإيمان والعماد "فمن آمن واعتمد يخلص ومن لم يؤمن يدان".(إنجيل يوحنّا)
كذلك نَبْذ العنف والدعوة إلى التسامح بين الناس حتى مع الهراطقة الذين يمتلكون آراء دينية مخالفة، والرّد عليهم بواسطة الحوار كما هو الحال عند (لوثر)، الأمر الذي أفسح المجال لظهور أفكار متعددة ومتعارضة. والسؤال: ما هـو السبب الكامن والجوهري في جعل الإصلاح الديني بزعامة (لوثر) و (كالفن) إصلاحاً شاملاً؟
إن عدم اقتصار نشاط المصلح الديني على إصلاح المؤسسة الكنسية والممارسات الدينية، واتجاهه نحو إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، ناتج عن العلاقة القائمة بين ما هو ديني ودنيوي، فإذا كان تصويب علاقة الإنسان بربّه مطلباً إصلاحياً، فإن تصحيح علاقة الإنسان بالإنسان وبمحيطـه الاجتماعي والبيئي مطلب إصلاحي أيضاً، انسجاماً مع النّصوص الواردة في الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس ينصّ في كثير من تعاليمه على ضرورة تقويم العلاقات الاجتماعية والمعاملات الاقتصادية وتنظيم الحياة الأخلاقية بين الناس.
ففي الحياة السياسية وما يتّصل بعلاقة الحاكم بالمحكوم والمحكوم بالحاكم، وفي المعاملات الاقتصادية وما يتصل بالثروة والإقراض والاستغلال، والملكية والعمل، وفي الحياة الاجتماعية وما تنطوي عليه من علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ومن إبرازٍ لقيمة الحياة، وللروح الجماعية والعلاقات الأسرية ونبذ العادات السيئة، ثم الدعوة إلى السّلم الاجتماعي مقابل النهي عن الاختصام وإلحـاق الأذى بالآخرين، وفي الحياة الأخلاقية وما يتّصل بها من دعوة لامتلاك الفضيلة واجتناب الرذيلة، مثل الحضّ على العفّة والطّهارة والشّرف، والصّدق والأمانة، والاتّضاع، والتسامح، وبرّ الوالدين، وتهذيب النفس، والكرامة، مقابل اجتناب الفسوق والزنا، والكـذب، والكبر، والعقوق، والإغراق في الشهوة وغيرها، مسائل حظيت باهتمام الكتاب المقدس، الأمر الذي جعل المصلح الديني يلتفت إليها بصورة كبيرة من الناحية العملية.

