Menu

عدالة منقوصة وذاكرة لا تشيخ

ديمة داوودي

نشر في مجلة الهدف العدد (84) (1558)

تمر ذكرى النكبة مجدداً والعالم ما يزال يشهد فصولاً من العدالة المنقوصة العاجزة أمام حقوق أزلية، مهما سعوا إلى طمسها، هذه العدالة المتجسدة قانونياً في القرار الأممي 194، حيث أقرّ حق العودة والتعويض، لكنه ظل "حبراً على ورق" في أروقة الأمم المتحدة، اليوم مع ازدياد عمر النكبة التي آن لها أن تشيخ بعد 78 سنة في 2026، أكدت الإحصائيات أن التغريبة الفلسطينية قد أنتجت واقعاً ديموغرافياً فريداً، حيث وصل عدد الفلسطينيين حول العالم إلى نحو 15.5 مليون نسمة، ومن رحم هذا الرقم، يبرز أكثر من 6 ملايين لاجئ مسجلين رسمياً في سجلات "الأونروا"، يعيشون في 58 مخيماً رسمياً تتوزع بين الأردن ولبنان وسورية، بالإضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن النكبة في تجليها الأحدث داخل قطاع غزة أعادت تعريف اللجوء بمرارة أكبر حيث اضطر قرابة مليونين ونصف مليون إنسان للنزوح القسري تحت وطأة الدمار، ما نقل "الخيمة" من ذكرى عام 48 نحو واقع يومي معيش للجيل الرابع والخامس من النكبة، ما يؤكد أن العجز الدولي لم يفشل فقط في تطبيق حق العودة، بل فشل حتى في تأمين حق البقاء في المنازل التي أُوت إليها العائلات بعد تهجيرها الأول، فيما تفرق كثيرون في دول الشتات والمنافي، يواجهون ظروفاً معيشية قاهرة تزداد حدة مع تكرار فصول التهجير، لا سيما في قطاع غزة الذي شهد نزوح قرابة مليوني مواطن في موجات النزوح الأخيرة.

كل هذا أمام عجز دولي مطبق، اكتفى بالتنديد الورقي من دون تغيير حقيقي على الأرض، مكرساً حالة الإفلات من العقاب ليعمق المأساة فيتحول القرار 194 إلى شاهد يائس على ازدواجية المعايير، أمام الذاكرة الفلسطينية العصية على التأويل فهي كيان حيّ بالفطرة، يجري في العروق مجدداً هوية وطنية عابرة للحدود توحد الفلسطينيين في كل مكان.

وقد رسخ الأدب والسينما السردية الفلسطينية بكل فصولها فبديا كوطن بديل وشاهد لن يموت على فجاجة الواقع والمأساة، فبرزت أعمال غسان كنفاني كتوثيق لا يصيبه الزهايمر، فجسدت روايته "أرض البرتقال الحزين" مأساة الاقتلاع، فرسخ جذور السردية الفلسطينية، عبر "إعادة بناء للوطن من الكلمات ليخلد في ذاكرة الأطفال المبعدين ويردهم دمهم الفلسطيني إلى الحقيقة، هذه الأعمال لم تكتفِ برصد الجرح، بل نقلت ذاكرة الأطفال كأمانة تتجاوز الزمن؛ فالأطفال الذين لم يروا يافا أو حيفا و القدس يحملون في مخيلتهم تفاصيلها بفضل قصص مثل "عائد إلى حيفا"، التي حولت السؤال عن الوطن إلى هوية نضالية خضراء يانعة لن تشيخ.

فباتت بصمة ذاكرة عابرة يتوارثها الأبناء كأمانة وجودية، يسخرون فيها الألم المرير لشحذ الهمم والصمود أمام نكبة مستمرة تبرز اليوم في سياسات التهجير القسري وهدم المنازل الفلسطينية، مما يجعل الذاكرة متقدة دوماً بفعل الواقع الحيّ الذي يرفض تحويلها إلى مجرد "تاريخ" يُؤرشف!

 كيف لطفل تربى على مشاهد أرض البرتقال الحزين، أن تُمحى ذاكرته أو تصاب بالضبابية!، بعد أن عاش كيف تجاوز كنفاني وصف الرحيل الفيزيائي ومأساة "الاقتلاع النفسي"، الذي صور البرتقال ذابلاً شاحباً حين يتركه صاحبه كأنه كائن حيّ يرفض الغربة والفُرقة، تماماً كما رفضها الفلسطيني الذي حمل مفتاح بيته ورحل ليجد نفسه أمام شتات يمتد لعقود.. كيف له أن ينسى الرحم الأكبر للأرض التي غادرها ذووه؟ هل تنسى الذاكرة صرخة "الرجال في الشمس" هذا التجسيد الأقسى لعذاب البحث عن مخرج وسط جدران الخزان الصمّاء، متجاوزة قصة "تهريب"، لتكون إدانة صارخة للصمت وتساؤلاً أزليّاً عن سبب عدم "دق جدران الخزان" قبل فوات الأوان، في إشارة إلى ضرورة الصراخ العالمي في وجه الظلم الدولي .

بالتأكيد لم يكتفِ الأدب والسينما برصد الجرح كحدث تاريخي، بل صاغا "ذاكرة الأطفال" فالفلسطيني الصغير الذي لم يرَ بيارات يافا ولا شواطئ حيفا، بات يحمل في مخيلته "جغرافيا مقدسة" تفوق في دقتها خرائط الواقع، بفضل قصص مثل "عائد إلى حيفا" حيث حوّل كنفاني السؤال عن الوطن إلى "هوية نضالية" مستقبلية، إذ أن "الوطن هو ألا يحدث ذلك كله"، فالوعي السياسي في الأدب يرسخ العودة نضالاً لا يقبل المساومة ما جعله جسراً يعبره الطفل الفلسطيني من مأساة جده إلى ثورة حفيده، محولاً الذاكرة من عبء الألم إلى "وقود" للاستمرار.

 وفي الختام الأبدي لكل غصة وقصة، تظل شخصية "حنظلة" بارزة، ذلك الطفل الذي ابتدعه ناجي العلي ، الشاهد الأوفى الذي يعقد يديه خلف ظهره رفضاً للحلول المهينة، فيمثل ضمير ذاكرة لا تهرم، فصار قوة رمزية كاسرة؛ هو للفلسطيني "الناظم الأخلاقي" للعرب و"الكابوس البصري" للعدو يذكرهم في كل ساحة بأن صاحب الحق لا يزال يراقب بصمتٍ بليغ مقيداً بصمت دولي بل مؤتمناً على حق لا يسقط بالتقادم ولا تمحوه السنون، بل يظل شوكة في حلق الباطل حتى إشعار العودة.