هناك سيناريوهات متعددة ترى أن غياب نتنياهو عن المسرح السياسي سيفتح الباب أمام عودة المسار السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، وكأن العائق الوحيد أمام استئناف هذا المسار هو وجود نتنياهو في سدة الحكم. غير أن الحقيقة تشير إلى أن المسار التصادمي الذي انتهجته دولة الاحتلال لا يقف عند حدود إدارة نتنياهو، بل يتجاوز شخصه إلى بنية سياسية وفكرية تشكلت على مدى عقود.
فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدا أن الكيان يعيش حالة من الارتباك في تحديد خياراته الاستراتيجية، وهو ما انعكس تدريجيًا في صعود اليمين بمختلف تياراته، وصعود تصورات سياسية تقوم على إلغاء كل ما يتعلق بالوجود الفلسطيني، بوصفه شعبًا وقضية ومسارًا سياسيًا. ومنذ ذلك الوقت ، أخذ هذا التوجه يرسخ حضوره داخل مؤسسات الدولة والأحزاب الرئيسية، حتى بات جزءًا من الخطاب السياسي السائد.
ومن هنا، يمكن القول إن نتنياهو كان المايسترو الذي أدار اللعبة السياسية، لكنه لم يكن من أوجدها أو صنعها. فمنذ توليه الحكم، اعتمد في خطابه السياسي على تخويف المجتمع داخل الكيان من نتائج مسار السلام الذي انطلق بعد توقيع اتفاق أوسلو، وصوّر أي تنازل يتعلق بالحقوق الفلسطينية على أنه تهديد مباشر للمشروع الصهيوني ومستقبل الدولة.
وحتى اليوم، لا يزال قطاع واسع من المجتمع السياسي داخل الكيان ينظر إلى القضية الفلسطينية من منظور أمني بالدرجة الأولى، ويرى في أي تنازل سياسي بدايةً لتقويض المشروع الصهيوني. ومن هذا المنطلق، تشكل خطاب سياسي يقوم على أن أرض فلسطين لا تتسع إلا لشعب واحد، وهو ما انعكس في السياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين على المستويين السياسي والأمني، وفي استمرار الإجراءات التي حدّت من فرص التقدم نحو تسوية سياسية مستقرة.
إذاً، نحن أمام مقاربة سياسية لا يصنعها نتنياهو وحده، بل تشكلت عبر مختلف مكونات المشهد السياسي الإسرائيلي. لذلك، فإن غيابه أو بقاؤه لا يلغي هذه الحقيقة، كما أن المراهنة على رحيله بوصفه المدخل الوحيد لإحياء العملية السياسية تبدو قراءة تختزل مشهدًا أكثر تعقيدًا، تحكمه تحولات فكرية وسياسية عميقة داخل المجتمع الصهيوني.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بعيدًا عن التغيرات التي طرأت على الخريطة الحزبية داخل دولة الاحتلال خلال العقود الأخيرة، حيث تراجع حضور القوى التي قادت مفاوضات التسوية في تسعينيات القرن الماضي، في مقابل صعود الأحزاب اليمينية والدينية والقومية، التي جعلت من الأمن والاستيطان والحفاظ على السيطرة على الأرض أولويات متقدمة في برامجها السياسية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الرؤية أكثر حضورًا داخل مؤسسات صنع القرار، ولم تعد مرتبطة بشخص أو حكومة بعينها.
كما أن التجارب السياسية في العديد من الدول تؤكد أن تغيير القادة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات العامة، خاصة عندما تكون هذه السياسات نابعة من توافقات حزبية ومؤسساتية واسعة. فالقائد يستطيع التأثير في أسلوب الإدارة والخطاب السياسي، لكنه يظل جزءًا من منظومة أوسع تضم المؤسسة الأمنية والعسكرية، والائتلافات الحاكمة، وموازين القوى داخل المجتمع، وهي جميعها عوامل تسهم في رسم السياسات وتحديد اتجاهاتها.
وفي المقابل، فإن مستقبل القضية الفلسطينية لا يرتبط فقط بما يجري داخل حدود الكيان، بل يتأثر أيضًا بالبيئة الإقليمية والدولية. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية الفاعلة تظل أطرافًا مؤثرة في صياغة أي مسار سياسي جديد، كما أن التطورات الميدانية والإنسانية تلقي بظلالها على مواقف هذه الأطراف وطبيعة تحركاتها.
صحيح أن غياب نتنياهو قد يؤدي إلى إعادة النظر في بعض السياسات أو الأساليب، إلا أن هذا التغيير، إن حدث، سيكون في الغالب مرتبطًا بمحاولة تحسين صورة الكيان على الساحة الدولية بعد حرب الابادة على قطاع غزة وما خلفته من تداعيات سياسية وإنسانية وإعلامية واسعة، أكثر من كونه تحولًا جذريًا في طبيعة الرؤية السياسية تجاه القضية الفلسطينية.
المسعى الأمريكي على هذا الخط
وفي هذا الإطار، يدور الحديث في الأوساط السياسية عن مطالب أمريكية تتعلق بالشأن الفلسطيني، تركز على تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين، وتهيئة مناخ يسمح بإعادة تحريك بعض المسارات السياسية والإقليمية، بما في ذلك استمرار جهود التطبيع مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وسواء بقي نتنياهو في السلطة أو غادرها، فإن مستقبل الصراع سيظل مرهونًا بطبيعة التوازنات داخل دولة الاحتلال ، واتجاهات الرأي العام فيها، وقدرة القوى السياسية على إنتاج مقاربات مختلفة، إلى جانب تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية. كما أن الانقسامات الداخلية ، والخلافات المتزايدة بين مكونات المجتمع، ستبقى عاملًا مؤثرًا في رسم السياسات خلال المرحلة المقبلة.
ومن هنا، فإن اختزال المشهد في شخص نتنياهو وحده قد يحجب رؤية الصورة الكاملة. فالأحداث الكبرى لا تصنعها الشخصيات السياسية فقط، بل تصنعها أيضًا التحولات الفكرية، والمؤسسات، وموازين القوى، والتراكمات التاريخية التي تتجاوز عمر الحكومات والأفراد.
المسرح السياسي الفلسطيني المنقاد
وعلى المقلب الآخر لجهة الحالة السياسية الفلسطينية ، فإن الحراك السياسي منصب اليوم على فكرة ما بعد نتنياهو ، ظنا من أصحاب الحراك أن العوامل الإقليمية والدولية أصبحت مهيأة لإعادة احياء المسار السياسي ، وما الحديث عن انتخابات عامة للسلطة أو لمنظمة التحرير سوى تحضير الأرضية الفلسطينية لبدأ هذا المسار المفترض ، وبكل الأحوال فإن ما يجري اليوم هو محاولة تحسين صورة لا إحداث تغيير حقيقي في الاجتماع السياسي الفلسطيني ، فالحديث عن انتخابات وفق ايقاعات قيادة السلطة ونفوذها لا يؤدي بالضرورة إلى أحداث تغيير وبداية انفراجه في الحالة التي تعيشها مختلف القوى الفلسطينية ، لأنها لم تأتي استجابة لحاجة القوى السياسية الفلسطينية لإحداث هذا التغيير وفق حاجة الشعب الفلسطيني ، حيث ولد جيل فلسطيني كامل لم يشارك في اي مشروع سياسي ، بعد أن أغلق المسرح امامه، لصالح اللاعبين القدامى ، الذين يحملون في جعبتهم على الدوام الكثير من التبريرات لحالة الاستعصاء السياسي وعلى رأس تلك التبريرات المنعطفات الخطيرة التي تمر بها القضية ،
في كل محطة من تاريخ القضية الفلسطينية، كان الحديث يدور عن" المنعطف الخطير" ، حتى لم نعد نستطيع عد تلك المنعطفات التي مرت من كثرتها، ويبقى السؤال كم منعطف خطير تبقى لكي تنتصر القضية ؟

