منذ انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نهاية عام 1967، أعلنَ الرفيق المقاتل "أبو علي عايش العكشية" -الذي كان يُقيم في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزة- انتماءه للحقيقة الوطنيّة التي تمتزج ببنيان غزة من جداولها وسهولها ووديانها وشواطئها وأشجارها وأعشاش طيورها. والحقيقة التي لا تقبل الهون والهوان والظلم والظلام، الحقيقة التي تربّى عليها أطفالنا؛ لتكبرَ معهم ومعهن. الحقيقة التي لا تُساوم على ذرةٍ من ترابها وعلى نسمة من هوائها. وهكذا كبر وتعايش الرفيق القائد "أبو علي عايش" منذ نعومة أظفاره على مصاحبة الحقيقة مهما كانت تُواجهه من عقبات، فأصبح أحد مداميك البِنية الحزبية والتنظيمية للجبهة الشعبية في مدينة غزة، مُسلَّحًا بمقولة "يجب حمل الحقيقة وإشهارها في وجه القوة، مهما كانت أوجه هذه القوة" غير العادلة، ومُسلَّحًا بفكرٍ ينتمي إلى هذه الحقيقة أينما كانت وفي أي زمان حلّت، لا تحدّها جغرافيا ولا تسقط بالتقادم.
من هنا تمتّعَ الرفيق المقاتل "أبو علي عايش" بحسٍّ ثوري صادق يستمدُّ مصداقيته من قناعاته المطلقة بأنّ العدو يتربص بكل ما يدبّ على هذه الأرض، وكل ما ينطق بكينونتها وصيرورتها الفلسطينية من أوابدَ أثريةٍ ومنابعَ أسطوريّة تقف صامدةً حيّةً بوجه أعاصير موجات الغزو الصهيوني وعواصفه.
الثوري على دروب النضال العربي
يوم زفافه، اضطُّر إلى السير على الأقدام باتجاه الأردن لأنّ العدو كان يتربص به وأجهزة الموساد تتابع تحركاته. استمرت رحلته مصطحبًا الحقيقة وسائرًا على خطاها مدة 70 يومًا، حيث وصل بسلامٍ إلى هدفه المرجو، وبذلك انتقل من النضال السري إلى ساحات النضال العلني، وخاصةً في لبنان، ساحة مولِّدةً ومحتضنةً أشكال التعبير كافةً عن الصيرورة الحتمية لفكرة القومية العربية بحقائقها الأزلية.
تعرفتُ إلى السجايا الأخلاقية الثورية في الرفيق الشهيد المناضل "أبو علي عايش" عندما تسلّمَ مهمة قيادة قوة بحرية خاصة للجبهة الشعبية عام 1978 (ضفادع بشرية)، والتي كان لها أكثر من موقع سري على شواطئ الساحل اللبناني، فكان خيرَ من يُعبّر عن الأبعاد الأيدولوجية والثقافية والسياسية المنبثقة من أدبيات الجبهة الشعبية وفكرها الاشتراكي الذي لا يتعارض مع الآفاق القومية والأممية.
وفي عام 1981، كُلّفَ "أبو علي عايش" بتحمّل مسؤولية قيادة مهام دورة عسكرية في كوريا الشمالية، وكان من بين الاختصاصات التي خضعَ لها عدد من أفراد هذه الدورة (المراسلات السرية وكيفية استخدام الحبر السري)، بالإضافة إلى التدريبات العسكرية. وكان من بين من خضع لهذه الدورات الرفيق قائد الدورة "أبو علي عايش"، وأثناء هذا الدورة ونتيجة لحدثه الثوري الذي قاده إلى الشك الأقرب إلى اليقين بأنّه يوجد في الدورة شخص مشتبه به، حيث وضع القائد "أبو علي عايش" في قراءته وتحليله للسلوك غير المنضبط وغير المتزن لهذا الشخص بأنّه مرتبط بأحد الأجهزة الأمنية المتعارضة مع محددات الانتماء الوطني، ولم يستبعد احتمال ارتباطه بالأجهزة الأمنية الصهيونية، خاصةً أنّ الشخص كان يُقيم في الأراضي المحتلة ويدرس في باكستان. وعليه، تمّ وضع هذا الشخص تحت المراقبة في موقعه الجديد (راجمة كورية) في مدينة النبطية الذي وقع لاحقًا في الأسر في اجتياح العدو للبنان في حزيران عام 1982، ثم وُضع تحت المراقبة أيضًا من قِبل قيادة الجبهة الشعبية في معسكر أنصار (معسكر الاعتقال) حيث جرى التأكد من ارتباطه بجهاز الموساد الإسرائيلي من خلال تكرار إلقاء الرسائل من بين الأسلاك الشائكة للمعسكر الآخر.
من الإنجازات العملانية التي تُسجّل للشهيد القائد "أبو علي عايش" أنّه نجح في استحداث موقع قتالي للجبهة الشعبية على تلة قلعة شقيف في نهايات النصف الثاني من عام 1981، حيث لم يكن للجبهة قبل هذا التاريخ أي وجود لموقع قتالي على تلك التلة، وهي الموقع الوحيد الذي كان يضم رشاشًا ثقيلًا من عيار 14.5ملم يستطيع الرماية بقوس 280 درجة، ومن مواصفاته إمكانية الرمي تجاه مرتفعات علي الطاهر شمالًا والنبطية وزوطر الشرقية وسهل الحمرا غربًا وصولًا إلى إمكانية استهداف تلال بلدة (يُحمر الشقيف) جنوبًا، بالإضافة إلى استهداف الطريق الرئيسي الذي يربط بين مدينة النبطية وأرنون وبلدة يُحمرالجنوبية. والجدير ذكره أنّ الرفيق "سامي السودان ي" تسلّم مسؤولية قيادة هذا الموقع حتى أثناء الاجتياح الصهيوني عام 1982، وقد أُصيب السوداني بشظايا قذيفة مباشرة أُطلقت من دبابة في منطقة سهل الحمرا وأُسر لاحقًا وأُفرجَ عنه في غزة عام 1999، على إثر اتفاقيات أوسلو وغادر إلى وطنه الأم السودان.
من يوميات الكفاح والاعتقال في جنوب لبنان
يوم السادس من يونيو/ حزيران من العام 1982، وبعد انتهاء اجتماع للقيادة العسكرية المشتركة لمدينة النبطية وأثناء خروج المجتمعين من مقر الحزب الشيوعي اللبناني الساعة 11 والنصف صباحًا، كان المناضل "معين الطاهر" قائد كتيبة الجرمق (الكتيبة الطلابية) والمناضل "أبو علي عايش" قائد كتيبة الشهيد محمد خواجا التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والعاملة في منطقة النبطية قد أُصيبا في أرجلهما، وقد تمَ نقل "معين الطاهر" مباشرةً إلى مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت في حين نُقل الرفيق "أبو علي عايش" إلى مستشفى "غسان حمود" في صيدا حيث طلب منه مدير المستشفى، في اليوم التالي، مغادرة المستشفى خوفاً من اقتحام جنود الاحتلال المستشفى. وهكذا غادر "أبو علي عايش" برفقة زوجته إلى أحد شوارع صيدا الفرعية حيث جرى اعتقاله هناك من قِبل مجموعة من الجنود الصهاينة ونُقل إلى معسكر أنصار للاعتقال.
أثناء فترة الاعتقال في المعسكر تشكّلت قيادة تنظيمية وحزبية لتوجيه وإعادة وتنظيم أعضاء الجبهة الشعبية في المعسكر؛ أي تشكيل منظمة حزبية متكاملة، وقد تشكّلت قيادة هذه المنظمة من الرفاق: شربل "مشعل خيطان الهلسا" من الكرك المسؤول الأول، لأنّه كان أعلى مرتبة حزبية (لجنة مركزية فرعية) حيثُ كان قائدًا لمحور قتالي مستقل يضم 4 مجموعات قتالية (المنصورية وبحمدون 45 مقاتل)، أبو علي عايش "عايش علي العكشية" نائب الرفيق شربل وكان عضو قيادة منطقة وقائد كتيبة الشهيد محمد خواجا العاملة في منطقة النبطية، الرفيق "فؤاد رمزي" عضو قيادة منطقة وكان قائدًا لكتيبة الشهيد جيفارا غزة العاملة في منطقة صور، يُضاف لذلك عدد كبير من الكادرات العسكرية والتنظيمية التي وقعت في الأسر نتيجة ظروف قاهرة عملت على المساعدة في إنجاز المهام اليومية لأعضاء المنظمة الحزبية في معسكر الاعتقال.
المهام القتالية في لبنان
مع بداية عام 1984، تسلّم الرفيق "أبو علي عايش" مهام قيادة كتيبة الشهيد "أبو أمل" التي اتخذت مواقع قتالية في بلدة كيفون في مواجهة قوات المارونية السياسية واللواء الثامن اللبناني المنتشرة في سوق الغرب ورأس الجبل، وكذلك اتخذت مواقع دفاعية لها على الطرف الشمالي من بلدة قبر شمون في مواجهة الفئات الانعزالية من الجيش اللبناني، وقد اتخذت الكتيبة من بلدة بيصور مقراً لقيادتها وإدارتها.
وفي عام 1986، انتقل "أبو علي عايش" إلى بلدة عيناب ليكون نائبًا للرفيق "أبو عذاب" المسؤول الأول لقوات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين العاملة في المحاور القتالية في منطقة الجبل. واستمر في تأدية مهامه في إطار القوات المشتركة حتى تداعيات اتفاق الطائف عام 1990، الذي وضع حدًا لنهاية الحرب الأهلية اللبنانية. وعلى إثر توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، وعودة عدد كبير من الكوادر السياسية والعسكرية والتنظيمية والنقابية إلى الوطن المحتل، تسلّم المناضل "أبو علي عايش" مسؤولية قيادة جهاز الأمن السياحي في منطقة بيت لحم.
الخالد في ذاكرة البلاد
امتلك الرفيق قدرة عالية على اتخاذ القرار المناسب والصائب وفي الوقت المناسب، وذلك انعكاسًا لقدراته النظرية والتنظيمية التي يتميز بها بشكل واضح، حائزًا على احترام كل من عايشه في مسيرة نضاله التنظيمي والسياسي، لأنّه امتلك القدرة الفائقة على إيصال الفكرة المرجوة.
لم يكن الرفيق المناضل "أبو علي عايش" يحترم العلاقات الجهوية والقبلية والعشائرية بل كان من أشد المناهضين لها، ولم يكن يطرح السؤال المرتبط بهذه السمات المرضية (من أين أنت؟) بل كان يُحبّذ طرح السؤال الذي ينطلق من صيغة (من أنت؟).
المجد للشهيد المناضل أبو علي عايش "عايش علي العكشية"، الذي غادرنا أمس (الأربعاء 22/7/2026)، وسيبقى في ذاكرة فلسطين وأحرارها حتى تحرير البلاد من الاحتلال.

